لم يكن مجذوب أونسة هو الفنان الذي يعتلي خشبة المسرح ويغادرها، بل كان واحداً من الأصوات التي استطاعت أن تجد لها موطئ قدم في الوجدان السوداني، وتتحول مع مرور الزمن إلى جزء من ذاكرة الناس ومشاعرهم وأيامهم الجميلة. وبرحيله يودع السودان فناناً ظل لعقود طويلة يغني للحب والحنين والوطن ويترك خلفه إرثاً فنياً سيبقى حاضراً كلما استعاد الناس أغنيات شكلت جانباً من وجدانهم الجمعي.
عقب إعلان وفاته تدفقت كلمات الرثاء من الفنانين والمثقفين والمؤسسات الثقافية والرياضية مستحضرة مسيرة فنية امتدت لأكثر من نصف قرن، ولم يكن غريباً أن يستذكر الكثيرون أعمال الموهوب انسه التي عبرت الأجيال دون أن تفقد بريقها، حيث نجح أونسة في أن يصنع لنفسه مدرسة خاصة قائمة على الصدق الفني والإحساس المرهف والابتعاد عن الصخب.
وفي قرية “نقزو” بمنطقة بربر في الإقليم الشمالي بدأت الحكاية وسط بيئة ريفية هادئة تنبض بالحياة والعمل والكفاح، حيث تشكلت ملامح الطفل الذي اصبح لاحقاً واحداً من أشهر الأصوات السودانية. تعلم مجذوب الدقه والصبر من مهنة والده في صياغة الذهب وكأن الأقدار كانت تهيئه مبكراً لصياغة ذهب الكلمات والألحان التي ستسكن قلوب الناس لعقود طويلة.
وعندما بزغ نجمه في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي كان المشهد الغنائي السوداني يعيش إحدى أكثر مراحله ازدهاراً وتنافساً. لكن مجذوب أونسة استطاع أن يشق طريقه بثبات معتمداً على خامة صوتية مميزة وأداء هادئ يخاطب العاطفة مباشرة، فكانت أغنياته بمثابة رسائل وجدانية حملت مشاعر الحب والشوق والانتظار ووجد فيها المستمع السوداني جزءاً من تفاصيل حياته اليومية.
ومن بين عشرات الأعمال التي رسخت أسمه في سجل الأغنية السودانية برزت أغنيات مثل حد يقدر ينسى نفسه وصياد في النجوم وإزيك إنتي وما سلامك وحلم الصبا و”آخر خبر”، وهي أعمال تجاوزت حدود الزمن لتبقى حاضرة في الإذاعة والتلفزيون والمناسبات الاجتماعية، شاهدة على مرحلة مهمة من تطور الأغنية السودانية الحديثة. كما حمل صوته الهم الوطني في أغنيات مثل “عزيز أنت يا وطني” مؤكداً أن الفن بالنسبة له جزءا من قضايا الناس ووجدان المجتمع.
وفي سنواته الأخيرة عاد إلى الواجهة عبر مشاركاته في برنامج “أغاني وأغاني” حيث بدا أشبه بجسر يربط بين جيل الرواد والأجيال الجديدة. كان حضوره درساً عملياً في كيفية احترام التراث الفني والمحافظة عليه. فقد تعامل مع التجارب الشابة بروح المعلم الحريص على نقل المعرفة والخبرة مؤمناً بأن استمرارية الفن لا تتحقق إلا بالحوار بين الأجيال.
وعلى الرغم من هدوء مجذوب أونسة المعروف فقد ظل صوتاً ناقداً لبعض الظواهر التي شهدتها الساحة الفنية محذراً من تغليب العلاقات الشخصية على الموهبة ومن السعي وراء الشهرة السريعة على حساب القيمة الفنية، وفي المقابل لم يفقد ثقته بالمواهب الجديدة حيث ظل يرى فيها امتداداً طبيعياً لمسيرة الغناء السوداني إذا ما وجدت الرعاية والتوجيه.
ما يميز تجربة مجذوب أونسة أن حضوره الفني كان قائماً على قوة الأغنية نفسها. لذلك بقي صوته حاضراً في ذاكرة المستمعين وبقيت أغنياته تتردد في البيوت والسيارات والمقاهي كأنها ترفض الانصياع لقوانين الزمن.
فاليوم يغيب الجسد لكن الأغنيات تبقى وتلك ربما هي المفارقة الجميلة في حياة الفنانين هم يرحلون بينما تستمر أصواتهم في السفر بين الناس حاملة شيئاً من أرواحهم وذكرياتهم، وبرحيل مجذوب أونسة خسر السودان واحداً من حراس الأغنية الوجدانية لكن سيظل إرثه الفني شاهداً على زمن جميل وعلى فنان آمن بأن العمل الصادق وحده هو القادر على البقاء بعد أن ينطفئ الضوء وتُطوى صفحات العمر.
سودانا _ منوعات

