سودانا _ تقارير
رغم إعلان السلطات التابعة للجيش بقيادة عبد الفتاح البرهان حظر حمل السلاح داخل الخرطوم، لا تزال شوارع المدن الثلاثة، الخرطوم وبحري وأم درمان تشهد انتشار آليات عسكرية ومقاتلين ينتمون إلى تشكيلات مسلحة متحالفة مع الجيش في مشهد يعكس استمرار عسكرة المجال العام، ويثير تساؤلات بشأن قدرة المؤسسة العسكرية في السودان على احتكار استخدام القوة مع دخول الحرب عامها الرابع.
وتقول سلطات الأمر الواقع العسكرية إن الإجراءات تهدف إلى إعادة فرض الأمن وإنهاء المظاهر المسلحة غير أن الواقع الميداني وفق مشاهدات متداولة وتقارير إعلامية يشير إلى استمرار ظهور مجموعات مسلحة تتحرك بصورة علنية داخل المدن، بعضها يمتلك آليات قتالية وأسلحة متطورة، الأمر الذي يطرح أسئلة حول مستقبل العلاقة بين هذه الفصائل والقيادة العسكرية بعد انحسار المعارك في العاصمة.
تحالفات في الحرب
في تقرير بثته إذاعة مونت كارلو الدولية، أشارت الصحفية ريتا خوري إلى وجود عدد من التشكيلات المسلحة التي تقاتل إلى جانب الجيش من بينها القوة المشتركة وقوات درع السودان ومنشقين عن قوات الدعم السريع، إضافة إلى كتيبة البراء بن مالك ذات التوجه الإسلامي. وذكر التقرير أن بعض هذه التشكيلات يمتلك قدرات عسكرية متقدمة تشمل الطائرات المسيّرة وأنظمة تسليح ذات تأثير كبير في سير العمليات.
ويرى محللون أن هذه القوى لعبت دوراً مهماً في تعزيز القدرات القتالية للجيش خلال مراحل مختلفة من الحرب إلا أن تنوع مرجعياتها السياسية والعقائدية والقبلية يجعلها لاعباً مستقلاً يمتلك مصالحه الخاصة وهو ما قد يفرض تحديات معقدة في مرحلة ما بعد الحرب.
سلاح خارج المؤسسة
يقول مراقبون إن أحد أبرز التحولات التي أفرزتها حرب ١٥ أبريل يتمثل في انتقال جزء من القوة العسكرية إلى تشكيلات لا تنتمي بصورة مباشرة إلى المؤسسة العسكرية النظامية، بل تستند إلى قياداتها وهياكلها الخاصة.
وبينما يوفر هذا الواقع مكاسب ميدانية في أوقات الحرب إلا إنه يطرح معضلة سياسية وأمنية لاحقاً، إذ يصبح من الصعب إعادة جميع القوى المسلحة إلى مظلة قيادة مركزية دون اتفاقات سياسية وأمنية معقدة، خاصة إذا شعرت تلك الفصائل بأنها دفعت ثمناً كبيراً في القتال وتستحق دوراً في ترتيبات السلطة المقبلة والقيادة.

دروس من التاريخ
لم تكن هذه المرة الأولى التي تعتمد فيها السلطة المركزية في الخرطوم على حلفاء مسلحين لتحقيق أهداف عسكرية. فقد شهد السودان خلال العقود الماضية تحالفات متعددة انتهى بعضها إلى صراعات مفتوحة بعد تغير موازين القوى أو تضارب المصالح او الانحناء إلى مشروعات أيديولوجية ظلت تخترق جدران القوات المسلحة السودانية لعقود من السنوات.
ويستحضر كثير من المراقبين تجربة العلاقة بين الجيش وقوات الدعم السريع الأكثر تنظيما، وقبلها فصائل من جنوب السودان، حيث بدأت كشراكة أمنية قبل أن تتحول إلى حرب شاملة في أبريل 2023، معتبرين أن التحالفات التي تُبنى على ضرورات الحرب أكثر هشاشة من تلك التي تقوم على مؤسسات راسخة ورؤية سياسية مشتركة. وعلى الرغم من وجود تشريعات تعرف القوتين في إطار القانون إلا ان المواجهة العسكرية وقعت نسبةً لوجود أيديولوجيون يتحكمون في قيادة العسكرية والقرارات داخل الجيش وفقا لتوجهات سياسية.
معضلة ما بعد الحرب
مع هدؤ العمليات العسكرية في أجزاء من الخرطوم في الوقت الحالي يبرز تحدٍ جديد يتمثل في مستقبل آلاف المقاتلين المنضوين تحت رايات مختلفة وما إذا كانوا سيُدمجون داخل القوات المسلحة أم سيحتفظون باستقلالهم العسكري أم يتحولون إلى مراكز نفوذ جديدة.
ويقول خبراء في شؤون النزاعات إن تجارب العديد من الدول تُظهر أن إنهاء الحرب لا يعني بالضرورة انتهاء العنف، بل تبدأ في كثير من الأحيان مرحلة أكثر تعقيداً عنوانها إعادة ترتيب موازين القوة بين الحلفاء السابقين.
مخاوف من الشارع
ويعبر عدد من السكان في مناطق سيطرة الجيش عن مخاوف متزايدة من استمرار انتشار السلاح داخل المدن، معتبرين أن وجود تشكيلات متعددة ذات ولاءات مختلفة قد يرفع احتمالات الاحتكاك بينها، خصوصاً إذا برزت خلافات حول النفوذ أو إدارة المناطق أو تقاسم الموارد.

ويعتقد بعض المراقبين أن استمرار هذه المظاهر قد ينعكس سلباً على جهود إعادة الحياة المدنية حتى وإن تراجعت حدة المواجهات العسكرية مع قوات الدعم السريع وخلص الطرفان إلى تسوية سياسية
اختبار احتكار القوة
يرى محللون أن التحدي الحقيقي أمام أي سلطة سودانية متوافق عليها في المرحلة المقبلة لن يقتصر على إنهاء الحرب، بل سيمتد إلى إعادة بناء المؤسسة العسكرية والأمنية على أسس مهنية تضمن احتكار الدولة لاستخدام القوة.
كلما طال أمد الصراع ازدادت قوة الفاعلين المسلحين خارج المؤسسة النظامية وارتفعت كلفة دمجهم أو نزع سلاحهم وهو ما قد يجعل مرحلة ما بعد الحرب أكثر تعقيداً من الحرب نفسها.
وفي ظل هذا الواقع يبدو أن السؤال لم يعد يتعلق بكيفية كسب المعركة العسكرية لاي طرف من أطراف النزاع، بل بكيفية إدارة السلام الذي يليها. فالتاريخ السوداني يقدم شواهد عديدة على أن الحليف الذي تصنعه ظروف الحرب قد يتحول إلى منافس سياسي أو خصم عسكري عندما تتغير الأولويات وتبدأ معركة السلطة والنفوذ.
ويبقى مستقبل هذه التحالفات رهناً بقدرة القوى السياسية والعسكرية على بناء مشروع دولة يقوم على المؤسسات وسيادة القانون، بدلاً من استمرار معادلة القوة التي فرضتها سنوات الحرب.

