في تاريخ الصحافة السودانية محطات مفصلية غيرت مجرى الحراك الثقافي والسياسي للبلاد ومن بين أبرز هذه المحطات يبرز اسم الصحافي الراحل محمد عباس أبو الريش الذي لم يكن مجرد رئيس تحرير عابر بل كان مؤسسا للصحافة الأدبية المتخصصة في السودان خلال ثلاثينيات القرن العشرين ومكتشفا لجيل من العمالقة الذين قادوا الدولة السودانية لاحقا في مرحلة ما بعد الاستقلال حيث ولد أبو الريش عام 1908 في حي بري العريق بالخرطوم لأسرة ثرية ومتعلمة تنتمي إلى قبيلة المحس ونشأ في بيئة عائلية استثنائية شغفت بالقراءة والعلوم مما صقل وعيه مبكرا والتحق بكلية غوردون التذكارية وتحديدا في قسم الكتبة والمحاسبين ورغم أن طبيعة دراسته كانت ذات طابع إداري ومالي إلا أن شغفه بالأدب كان المحرك الأساسي لمستقبله ويشير المؤرخ الراحل محجوب عمر باشري في كتابه رواد الفكر السوداني إلى أن هذا المناخ الثقافي المحيط بأبو الريش هو ما دفعه فور تخرجه إلى تأسيس مكتبة النهضة عام 1929 في قلب الخرطوم لتتحول إلى صالون ثقافي وملتقى للمثقفين السودانيين وتتميز بجلب أحدث الإصدارات الإسلامية والفكرية المشرقية وتشير مفارقات التاريخ إلى أن موقع هذه المكتبة التاريخية أزيل لاحقا ليتغير ملامح المكان تماما ويقام في محله سوق الذهب الحالي بوسط الخرطوم في حقبة شهدت حراكا وطنيا مكتوما بعد إخماد ثورة 1924 مما جعل المثقفين يلجأون إلى التوعية الثقافية كبديل للعمل السياسي المباشر الذي كان يواجه ببطش الإدارة الاستعمارية
ولادة مجلة النهضة وصناعة قادة المستقبل
حتى عام 1930 كان النشر وإصدار الصحف في السودان يخضع لرقابة بريطانية صارمة وتضييق شديد في منح التراخيص خوفا من إيقاظ المارد الوطني إلا أنه في سبتمبر من عام 1930 أصدرت الحكومة الاستعمارية قانونا جديدا للصحافة اتسم بنوع من التسامح النسبي فتقدم الشاب أبو الريش فورا بطلب لإصدار مجلة تعبر عن تطلعات جيله وحملت اسم النهضة السودانية وقبل الصدور الرسمي كانت المجلة تنسخ باليد وتوزع سرا على نطاق ضيق بين الأصدقاء والمقربين وفي يوم الأحد 4 أكتوبر 1931 خرج العدد المطبوع الأول إلى النور لتسجل كأول مجلة أدبية سودانية متخصصة وحققت المجلة طفرة في التوزيع بمقاييس ذلك الزمان حيث وصل حجم المطبوع منها إلى 3000 نسخة وهو رقم ضخم جدا بالنظر إلى نسب الأمية المرتفعة آنذاك مما يعكس نهم المجتمع للقراءة ولم تكن المجلة مجرد صفحات تقاد بجهد فردي بل تحولت إلى حاضنة للنخبة السودانية فقد نجح أبو الريش في جذب ألمع العقول الشابة في عصره للمشاركة في التحرير والإنتاج ومنهم محمد أحمد محجوب الأديب والمفكر الذي أصبح لاحقا رئيسا لوزراء السودان وإسماعيل العتباني الذي غدا من رواد الصحافة وأحمد يوسف هاشم الملقب بأبو الصحف إضافة إلى عبد الله ميرغني ويوسف مصطفى التني وكان أبو الريش يفرغ وقته بالكامل لكتابة الافتتاحيات الرصينة والتعليق على المعضلات الاجتماعية والاتصال بالأدباء والشعراء لبناء جسور تواصل بين أبناء جيله
النهاية المأساوية والإرث الفكري لرائد الصحافة
لم تدم هذه الشعلة الثقافية طويلا فبعد نحو ثلاثة أشهر فقط من انتظام صدور المجلة أسبوعيا داهم المرض جسد رئيس التحرير الشاب فتنحى مجبرا وتولى رفيق دربه محمد أحمد محجوب أعباء الإدارة والتحرير الميداني محاولا الحفاظ على إرث صديقه وفي مارس 1932 ترجل الفارس حيث توفي محمد عباس أبو الريش متأثرا بمرضه ولم يكن قد تجاوز بعد الخامسة والعشرين من عمره وبوفاته انطفأ المحرك الأساسي للمجلة فلم تصمد النهضة بعده سوى أسابيع معدودة قبل أن تتوقف نهائيا مخلفة وراءها 30 عددا تاريخيا شكلت النواة الأولى للصحافة الثقافية السودانية ويصف المؤرخ محجوب عمر باشري أسلوب أبو الريش وفكره بنظرة تحليلية معمقة قائلا إن أبو الريش يعد من الكتاب الرواد في ميدان الثقافة ورائد الصحافة الأدبية المتخصصة وتلمح في أفكاره نزعة الإصلاح والتدرج والدعوة لحب الوطن والأسلوب الواضح المجرد من المحسنات البديعية المتكلفة ومباشرة مخاطبة القارئ ويضيف باشري ملمحا مهما عن سعة اطلاعه بأن مقالاته توضح أثر القراءة والمتابعة لما يكتبه عمالقة الفكر في مصر أمثال العقاد وطه حسين كما تظهر أنه قد قرأ في الآداب الغربية وتابع ما كانت تنشره مكتبة جامعة إكسفورد وما كانت تختاره دار إفري مان وما تنشره مكتبة المفكرين ليرحل محمد عباس أبو الريش في سن مبكرة جدا بعد أن أثبت في سنوات عمره القليلة أن الريادة لا تقاس بالسنوات بل بعمق الأثر وحجم التغيير الذي يتركه المبدع في مجتمعه
سودانا
اشترك في نشرتنا الإلكترونية مجاناً.

