كتب/ مليح يعقوب حماد
يعتبر التهميش من أكبر القضايا التي تؤرق المجتمع السوداني. وينعكس في شتي المجالات. ومن ضمنها الثقافة والفنون، والتراث، والاعراق، والأطعمة، والأزياء واللغات. لم تستفيد الدولة السودانية من التنوع كمصدر لحيويتها ونشاطها او كمدخل لوحدتها وثباتها.صنعت منه مداخل للفرقة والشتات،عندما انتهجت سياسات فرق تسد كبديل للتنمية، وكوسيلة لنهب الموارد، مع التهرب من دفع الحقوق.ولقد فشلت الحكومة فشلا ذريعا في ادارة التنوع الذي يتميز به السودان. والذي يعتبر كنز من كنوز التراث، وأرض خصبة للتجارب الثقافية، ومهد للحضارات القديمة. في الواقع الأعم، مارست الدولة علي مواطنيها شتى أشكال الظلم ،والاستهبال. نشبت الحرب الأهلية في الجنوب، عندما حزمت حكومة الأزهري أمتعتها نحو الجامعة العربية. أوصدت الأبواب تماما أمام كافة خيارات الشعب، وشرخت هوياته الوطنية والثقافية والدينية واللغوية والعرقية والخ. لعل الجميع يتذكر المقولة التي انتشرت آنذاك “بيروت تكتب والخرطوم تقرأ” فتلك المقولة أدت إلى التعزيز من الشعور بالدونية عند الكثير من الكتاب والأدباء السودانيين. والذين سعوا لأثبات العكس؛ أيمانا منهم بأن التنوع الموجود في السودان، يساوي أضعاف ما هو موجود في لبنان. ومن وجه نظري انه لابد لنا من إقحام قضايا الثقافة والفنون في مشروع العدالة الانتقالية؛ وذلك عن طريق التعويض، وجبر الضرر المادي، والأدبي، والتنموي. مع انتهاج سياسات عادلة، ويتم تطبيقها بتناغم وانسجام ومرضي للجميع، من أجل بلورة الفعل الثقافي وبوتقته في دائرة الحراك، ونقله إلى مربع الإنتاج والعمل. ينبغي أن يكون ذلك من خلال التوافق على مشروع ثقافي قومي لا ينفصل عنه المواطن. تعتبر الثقافة من احد أركان الصراع الطبقي والاجتماعي، وعلي جميع مستوياته الراسية والبينية، كما يمكن تقسيمها إلى أركان: سياسية/ واقتصادية/ واجتماعية/ ثقافية / دينية/ لغوية. و تعتبر الثقافة والفنون من الملفات الشائكة والحساسة، وغالبا ما تتهرب الدولة من مناقشتها؛ لارتباطها المباشر بصراع السلطة والهوية. كما تعتبر قضايا الثقافة والفنون محورية في كيفية ترسيم القوميات أو تشبيكها مع بعضها البعض. ليس هنالك من مسوق منطقي يجعل الدولة تتهرب من معالجة هذه المشاكل، فالحقوق تنتزع من الحكومة ولا، يتم منحها من أي جهة . تمت الإشارة لقضايا الثقافة والفنون في جدلية المركز والهامش ومنهج التحليل الثقافي؛ ونظرية الامتياز التاريخي.و يعاب علي أصحاب تلك البحوث بانهم قاموا بتشخيص المشكلات،و بتمليك الناس ادوات الصراع، ودون اكتشافهم للحلول المعالجة لجذور الأزمات، حيث ساهموا بطريقة او باخري في اشعال الصراع بين الثقافات، و في شرخ العلاقات التاريخية بين القوميات السودانية ذات القواسم الثقافية والعرقية المشتركة، حيث صار الجميع يطالب بالعدالة الاجتماعية، وهو لا يعلم بانه بات يصارع مثل الاعمي و بدون عكاز، ويتبني مشروعا جهويا لايستوعب مفهوم التنوع، ولايعترف احيانا بوجود الاخر. كما نلاحظ كثير من اصحاب تلك النظريات قد تمردوا علي مناهجهم، عندما اكتشفوا ان نتائجها غير متوافقة مع تطلعاتهم، كامثال محمد جلال احمد هاشم، والذي حاول مؤخرا سواقة الناس بالخلا ،مدعيا محاربته لدولة 56.وقد اكتشف الناس بانه من ضمن منسوبيها الذين يسعون لاعادة انتاج أبناء الهامش في داخلها.ليصبح شأنه كشأن الكثير من السياسيين القاصرين الذين يختزلون الصراع في الثقافة، ويجهلون بانها ركن من اركانه اي مجرد جزء من الكل. ورغما عن كثرة تداول قضايا الثقافة والفنون في الكتب والمراجع وفي المنتديات الثقافية الخاصة والعامة، إلا أن استجابة الدولة العميقة كانت ضئيلة للغاية، وغير مقنعة البتة، ويمكننا القول بأن الدولة السودانية ما زالت تتحكم في إرادة الجماهير وشخصيته منذ الاستقلال إلى يومنا هذا. لقد فشلت أغلب الحكومات العسكرية والمدنية المتعاقبة في ايجاد معايير منطقية لإدارة التنوع الثقافي والديني والعرقي. بسبب الأخطاء البنيوية الكبيرة التي صاحبت تأسيس الجيوش والأحزاب والسلطة والمؤسسات. فجميع مؤسسات الدولة العسكرية والمدنية لاذالت مقسمة في داخلها إلى مركز وهامش (تابع ومتبوع)، وجميعها محتاجة لإعادة هيكلة وإصلاح بلا استثناء، لا يستقيم الظل والعود اعوج. لطالما عجزت تلك الموسسات في إدارة التنوع في داخلها؛ فلابد إنها ستفشل في إدارته علي المستوى الديموغرافي وبسبب جميع هذه الأسباب عانت البلاد من الفراغ الأمني والسياسي، وصار غالبية المواطنين مستقلين برايهم وفكرهم، وليست لهم انتماءات سياسية لأي جهة. وفي اعتقادي سيظل الجميع في حالة ترقب وانتظار إلى أن يأتي البديل السياسي المناسب، القادر علي سد الفراغ، وكسر الدائرة الجهنمية المحصورة بين العساكر والأحزاب التي استمرت منذ استقلال السودان في عام 1956م. الجدير بالذكر أن فشل الدولة في إدارة التنوع تسبب في التصدع والانشقاق انعكس على وجه الخصوص في انفصال الجنوب ونشوب الحرب في دارفور والنيل الأزرق وجنوب كردفان.كما تعتبر الحرب الدائرة حاليا بين الجيش وقوات الدعم السريع. ماهي إلا انعكاس لهذه السلسلة الطويلة من التهميش، وسوء إدارة التنوع، وامتدادا طبيعيا لتجارب الماضي المريرة. لابد من تشكيل الواقع السياسي الجديد لنصنع مستقبلا مشرقا للسودان، وقد يكون تشكيل هذا الواقع من خلال رؤية قوات الدعم للحل الشامل في السودان التي فاقت كل التصورات وأدهشت العالم ببسالتها وانتصاراتها ، كما جاءت رؤيتها متوافقة مع تطلعات الشعب الصابر على جمر القضية ، وخاطبت جذور المشكلة، فأي مقترح بديل قد يكون تنازلا عن الطموحات الكبيرة، والحلول الناجعة، ويعتبر مضيعة للوقت وإعادة لعقارب الساعة إلى الوراء. نافلة القول أن رؤية الدعم السريع العميقة خاطبت قضايا التنوع والثقافة والسلطة والهوية، و من الضروري بمكان أن تسعي الدولة لترسيخ هذه المفاهيم التي أسهبت في شرحها؛ ولتكون بوتقة لتطهير دنس الماضي.
مليح يعقوب: شاعر وملحن وباحث في التراث


