كتب: عبد الله برير
في قالبٍ موسيقيٍّ مفعم بالرومانسية، يفيض بالشجن والتحدي والأمل الوارف، ينساب لحن الموسيقار حسن بابكر بسلاسة ليدخل حدائق القلب. وينسلّ صوت محمد ميرغني الحنون بين أزاهير الميلودية، مترفًا بالشجن، مستهلًا الأغنية بذلك الاستجداء اللطيف للعينين: «عشان خاطرنا خلي عيونك الحلوات تخاطرنا».
وهنا تتجلّى عبقرية الشاعر المرهف مصطفى سند في الإتيان بجناس، وإن كان غير تام في الدارجة السودانية، بين كلمتي «خاطرنا» و«تخاطرنا». وبعد افتتاح النص بغزل العينين الحلوتين، يسألهما، في خجلٍ رقيق، أن تتوقفا قليلًا، كأنهما غيمٌ راحل، عندما تمران لتسألا عن مشاعرهم، وتعرفا ما يعتريهم من لواعج وصبابة.
ويعود هذه المرة، ولا ينفك متبتلًا في محراب عينيها، مذكّرًا إياها بما غنّاه لهما من أغانٍ: «زمان غنينا لعينيك أغاني تحنن القاسين». وهو عتاب مغلّف بعبارة ودودة هي «تحنن»؛ فالمفارقة أن ما كتبه كفيل بأن يجعل قلوب الجبال ترقّ وتحنّ، غير أنه خجل من وصفها بالقسوة، فترك باب العتاب مواربًا.
وفي قوله: «بنينالك معزتنا ومشينا وراك سنين وسنين»، يظل هائمًا في تعداد طقوس حبه واستعراضها داخل محرابها العنيد. شيّد لها معزته، ومضى في دربها سنواتٍ طويلة، متماهيًا مع مفرداته الرقيقة.
ثم يعود في «بنينالك» ليشيّد مجددًا قصورًا من الشوق، فرش دروبها بالياسمين، في صورة بلاغية زاهية ترسم صروح الشوق المرصوفة بالورود، قربانًا يقدمه لجلالتها، علّها تزورها: «وقلنا عساك تزوريها»، مستخدمًا لفظ «عساك» الموغل في الحنين والترقب والأمل، راجيًا أن ترشّ البهجة في ساحاتهم، وكغيثٍ معطّرٍ بالأريج يتمنى أن تضمّخ بهجة حضورها سوحه القاحلة، وتنيرها بعينيها البراقتين، فتحيل ليلهما البهيم فجرًا وارفًا باللقيا.
وفي قوله: «حلاتك وانتي ماشّة براك»، يناجيها كما يناجي الكبار طفلةً بريئة، فيستعير هذا اللفظ ليرسل إعجابًا مضمخًا بغزلٍ طفولي: «شايلة الدنيا بأسرارها وبالفيها». لقد اختزل الدنيا كلها فيها، في مشيتها، وهي تحتضن الكون بأسره وأسراره الجميلة، فلا يرى في تلك اللحظة سواها، إذ تمثل له العالم كله.
وكفراشةٍ يحوم حولها النسيم، يطارد ضحكاتها: «زمان بارينا ضحكاتك»، فلا يجد سوى صداها قادمًا معها، إذ كل شيء فيها هو هي، بكامل حضورها: «لقينا صداها جايي معاك». إن ارتداد صوت ضحكاتها يتجسد حبًا نقيًا مقبلًا نحوه.
ويواصل سند، ويشاركه ميرغني، استحلافها بذلك اللفظ المهذب، الغائر في الأدب: «وحاتك». ثم يتوسلان إليها: «تاني لما تمري أبقى اقيفي». فكل ما يريدانه هو أن تتوقف هذه السحابة الراحلة قليلًا، تحييهم وتحيي أرواحهم؛ يكفيهما أن تشرق بسمتها عليهم، وتلقي إليهم تحية الصباح والمساء.
ثم تأتي الذروة في قوله: «عشان نتملى من عينيك»، حيث يُهندس محمد ميرغني هذه الجملة في أداءٍ تطريبيٍّ بالغ الجمال، فتخرج محمّلة بالأمل والحلم، شوقًا إلى الارتواء من عينيها. ثم يبلغ التصوير قمته في قوله: «ونلقى الصباح مسحور يعاين في صباح خديك»؛ فأي لوحة شعرية هذه التي تجعل الصباح نفسه مسحورًا، يتأمل صباحًا آخر يتجلى في خديها؟
وفي كلمة «جهرتينا» تنعكس صورتها، شكلًا وروحًا، حتى تغدو هي الدنيا نفسها، وهي روعتهم وعالمهم، لكنها، في المقابل، تمضي غير مكترثة، ساكنةً في دلالها: «ما همّاك».
ويختتم مصطفى سند هذه اللوحة البديعة من الاستجداء والرجاء بتكرار الأمنية والوصية الملحّة: «عشان خاطرنا خلي عيونك الحلوات تخاطرنا».
نقلا عن صوت الأمة

