الخميس, أكتوبر 1, 2026

رحلة عبر ثلاثة آلاف عام من التنظيم الذاتي والصراع على الفضاء العام

الحلقة الثالثة: جذور المجتمع المدني في السودان، من الخلوة والمسيد إلى مؤتمر الخريجين

بقلم أ/ آدم راشد

مقدمة الحلقة

في الحلقتين الأولى والثانية من هذه السلسلة، وضعنا الأساس النظري والمفاهيمي للمجتمع المدني، ثم تتبعنا تطوره التاريخي في العالم، من ميلاده الحديث في القرن الثامن عشر، إلى تحوّله العالمي في القرن العشرين، إلى مرحلته الرقمية في الألفية الثالثة. رأينا كيف أن هذا الفضاء، رغم هشاشته، كان دائمًا قوة التغيير في لحظات التحول الكبرى، وكيف أن إنجازاته لم تكن هدايا من السلطات، بل ثمرات نضال طويل.

لكن هذه الرحلة العالمية كانت تمهيدًا ضروريًا لرحلة أخرى، هي قلب هذا العمل كله: السودان. في هذه الحلقة الثالثة، نبدأ الدخول إلى التجربة السودانية. لكننا لن نبدأ من عام 1956، ولا من عام 1938، ولا حتى من عام 1821. سنبدأ من قبل ذلك بكثير. سنبدأ من الجذور العميقة، من المؤسسات التي نشأت في السودان قبل أن تُعرف كلمة “المجتمع المدني” نفسها، وقبل أن تُصاغ المفاهيم الحديثة. هذه المؤسسات، رغم أنها لا تُصنّف بالمعنى الأكاديمي الصارم ضمن المجتمع المدني، شكلت البنية التحتية الاجتماعية التي سينمو عليها لاحقًا. ومن دون فهمها، لا يمكن فهم كيف نشأ المجتمع المدني السوداني، ولا كيف تفاعل مع الدولة، ولا كيف قاوم، ولا كيف بنى.

هذه الحلقة، إذن، هي حلقة الجذور. سنتتبع فيها ثلاث مراحل كبرى: ما قبل 1821، حيث كانت المؤسسات التقليدية تحكم حياة الناس؛ ثم عهد التركية المصرية والمهدية بين 1821 و1898، حيث بدأت أشكال جديدة من التنظيم الديني والسياسي؛ ثم عهد الحكم الثنائي بين 1898 و1956، حيث وُلد المجتمع المدني السوداني الحديث بأشكاله المعاصرة: الجمعيات الأدبية، ومؤتمر الخريجين، والنقابات العمالية، والصحافة، والجمعيات النسائية والطلابية. وفي ختام الحلقة، سنقف عند لحظة الاستقلال عام 1956، لنرى كيف كان المجتمع المدني السوداني قد نضج بما يكفي ليكون قوة فاعلة في الدولة الجديدة، وقوة مقاومة في وجه الديكتاتوريات القادمة.

ما قبل 1821: المؤسسات التقليدية

قبل دخول التركية المصرية إلى السودان عام 1821، كان السودان يعجّ بأشكال من التنظيم الذاتي، لم تكن تُسمّى مجتمعًا مدنيًا، لكنها كانت تؤدي وظائف مشابهة: تنظيم التعليم، ورعاية الفقراء، وحل النزاعات، وإدارة الموارد، ونقل المعرفة، والحفاظ على الهوية. هذه المؤسسات كانت متجذرة في النسيج الاجتماعي والديني والاقتصادي، وكانت تعمل في مساحات لا تسيطر عليها السلطة المركزية، لأن السلطة المركزية نفسها كانت ضعيفة أو غائبة في كثير من المناطق.

أولى هذه المؤسسات كانت الخلوة والمسيد. الخلوة هي المدرسة القرآنية التقليدية، حيث يحفظ الأطفال القرآن ويتعلمون مبادئ القراءة والكتابة والفقه. والمسيد هو مؤسسة أوسع، تضم الخلوة وغرفًا للطلاب والمشايخ، وتعمل كمركز تعليمي وروحي واجتماعي. في مجتمع لم تكن فيه مدارس نظامية، كانت الخلوة والمسيد هما الوسيلة الوحيدة للتعليم. وقد خرّجا أجيالًا من العلماء والكتّاب والقضاة، وشكّلا شبكة تعليمية غير رسمية امتدت من شمال السودان إلى غربه ووسطه. هذه الشبكة كانت مستقلة عن الدولة، تعتمد على أوقاف وأعمال خيرية وتبرعات، وكانت تُدار ذاتيًا. وهذا، بمعنى من المعاني، شكل من أشكال المجتمع المدني قبل المصطلح.

وإلى جانب الخلوة والمسيد، كانت الطرق الصوفية. القادرية، والتيجانية، والسمانية، والختمية، وغيرها من الطرق، لم تكن مجرد جماعات دينية، بل كانت شبكات اجتماعية وروحية واقتصادية. لكل طريقة زاويتها، وأتباعها، وشيخها، وتقاليدها، ومواسمها. وكانت الطرق تؤدي وظائف متعددة: تعليم، ورعاية، ووساطة في النزاعات، وتحفيز اقتصادي، ونقل ثقافي. وكانت أيضًا قادرة على تعبئة جماهيرية واسعة، كما حدث في مواجهة الاستعمار لاحقًا. وهكذا، شكلت الطرق الصوفية بنية تحتية اجتماعية موازية للدولة، أو مكمّلة لها، لكنها محافظة على استقلالها النسبي.

وثالثة هذه المؤسسات كانت النظارة الأهلية. النظارة نظام إداري قبلي تقليدي، حيث يتولى الناظر إدارة شؤون القبيلة أو المنطقة: حل النزاعات، وتوزيع الأراضي، وجمع الضرائب، وتمثيل القبيلة أمام السلطة. ورغم أن النظارة كانت مرتبطة بالدولة أحيانًا، إلا أنها كانت في جوهرها مؤسسة أهلية، تعتمد على الشرعية التقليدية والقبول الاجتماعي، لا على القوة وحدها. وقد لعبت النظارة دورًا مهمًا في الحفاظ على الاستقرار الاجتماعي في غياب مؤسسات دولة قوية.

ورابعة هذه المؤسسات كانت الجمعيات القبلية. وهي أشكال من التعاون والتكافل داخل القبيلة أو القرية: صناديق التكافل، ومواسم الحصاد، وطقوس العبور، ومساعدة الأسر المحتاجة، وتنظيم الأعمال الجماعية. هذه الجمعيات لم تكن منظمة بيروقراطيًا، لكنها كانت فعالة، لأنها قامت على الثقة والقرابة والالتزام الأخلاقي، وقد أوفى المرحوم الدكتور فضل الله علي فضل هذا الجانب بحثا من خلال “العبور بالعودة الى الجذور”.

هذه المؤسسات الأربع، الخلوة والمسيد، والطرق الصوفية، والنظارة الأهلية، والجمعيات القبلية، شكلت البنية التحتية الاجتماعية للسودان قبل 1821. ورغم أنها لا تُصنّف اليوم ضمن المجتمع المدني بالمعنى الحديث، إلا أنها كانت تؤدي وظائف المجتمع المدني: تنظيم ذاتي، ورعاية اجتماعية، وتعليم، ووساطة، وحفاظ على الهوية. وأهم من ذلك، أنها شكلت التربة التي سينمو عليها المجتمع المدني السوداني لاحقًا، عندما يدخل السودان عصر الدولة الحديثة والاستعمار والاستقلال.

التركية المصرية والمهدية: 1821–1898

في عام 1821، دخلت التركية المصرية إلى السودان، بقيادة إسماعيل بن محمد علي. كانت هذه أول محاولة جدية لبناء دولة مركزية حديثة في السودان، لكنها كانت أيضًا أول صدام بين الدولة المركزية والمؤسسات التقليدية. فقد حاولت التركية فرض ضرائب، وتجنيد، وإدارة مركزية، فقاومتها القبائل والطرق الصوفية. وفي هذه المقاومة، برزت الطرق الصوفية كقوى سياسية منظمة، قادرة على تعبئة الجماهير. وهكذا، تحولت الطرق من مؤسسات دينية واجتماعية إلى قوى سياسية، وهو تحول سيكون له أثر عميق في تاريخ السودان.

وفي عام 1885، جاءت المهدية، بقيادة محمد أحمد المهدي، لتطيح بالتركية. كانت المهدية حركة دينية وسياسية، لكنها أيضًا شكلت تجربة تعبئة شعبية واسعة، اعتمدت على شبكات الطرق الصوفية والقبائل والخلوات. ورغم أن المهدية أنشأت دولة دينية مركزية، إلا أنها لم تكن مجتمعًا مدنيًا بالمعنى الدقيق، لأنها اعتمدت على سلطة دينية شاملة، لا على تنظيمات طوعية مستقلة. لكنها، مع ذلك، شكلت تجربة تعبئة شعبية واسعة، وأثبتت أن السودانيين قادرون على تنظيم أنفسهم وإسقاط نظام قائم.

وهكذا، كان عهد التركية والمهدية مرحلة انتقالية: من المؤسسات التقليدية إلى أشكال جديدة من التنظيم، دينية وسياسية، ستمهد الطريق للمجتمع المدني الحديث في عهد الحكم الثنائي.

الحكم الثنائي: 1898–1956، الميلاد الحديث

هذه هي المرحلة التأسيسية الحقيقية للمجتمع المدني السوداني الحديث. ففي عهد الحكم الثنائي، بين 1898 و1956، وُلدت الأشكال المعاصرة للمجتمع المدني: الجمعيات الأدبية، ومؤتمر الخريجين، والنقابات العمالية، والصحافة، والجمعيات النسائية، والجمعيات الطلابية. وهذه الأشكال، رغم أنها نشأت في ظل استعمار، إلا أنها سرعان ما تحولت إلى أدوات مقاومة ونضال من أجل الاستقلال.

أولى هذه الأشكال كانت الجمعيات الأدبية، التي ظهرت في عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي. كانت نوادي ثقافية واجتماعية، تجمع المثقفين والموظفين والطلاب، وتناقش الأدب والسياسة والفكر. ومن أبرزها جمعية الاتحاد السوداني عام 1921، وجمعية اللواء الأبيض عام 1924. ورغم أن هذه الجمعيات كانت في ظاهرها أدبية، إلا أنها كانت منابر للنقاش السياسي، ومدارس للوعي الوطني. فيها تعلّم السودانيون كيف ينظمون أنفسهم، وكيف يعبّرون عن آرائهم، وكيف يطالبون بحقوقهم.

ثم جاء مؤتمر الخريجين عام 1938 ليكون أول تنظيم مدني شامل في تاريخ السودان. ضم المؤتمر خريجي المدارس والجامعات، وطالب بالاستقلال والحكم الذاتي، ووضع دستور، وحقوق المواطنة. كان بمثابة “برلمان مدني” قبل الأحزاب، ومنبرًا للتعبير عن مطالب الشعب السوداني. وقد انقسم لاحقًا إلى تيارين: الأشقاء، الذين طالبوا بالاستقلال التام، والاتحاديين، الذين طالبوا بالوحدة مع مصر. ورغم الانقسام، ظل مؤتمر الخريجين رمزًا لأول تنظيم مدني شامل في السودان، ومثالًا على قدرة السودانيين على التنظيم الذاتي.

وفي الأربعينيات، ظهرت النقابات العمالية. نقابات السكة حديد، والميناء، والبريد، والمصانع، نظمت العمال، وطالبت بظروف عمل أفضل، وأجور عادلة، وحقوق نقابية. وفي عام 1948، نظمت أول إضراب عام في تاريخ السودان. وأدت هذه النقابات، بعد نضال طويل، إلى قوانين عمل، وحد أدنى للأجور، ونقابات مستقلة. وهكذا، تحول العمال السودانيون، الذين كانوا مهمّشين، إلى قوة اجتماعية وسياسية لا يمكن تجاهلها.

وفي المجال نفسه، برزت الصحافة. صحف مثل “الرأي العام”، و”الأيام”، و”السودان الجديد”، شكلت رأيًا عامًا ووعيًا سياسيًا. كانت الصحافة منبرًا للنقاش، ومدرسة للقراء، وأداة للضغط. ومن خلالها، تعلم السودانيون أن يطالبوا، وأن يساءلوا، وأن يناقشوا. وهكذا، أصبحت الصحافة جزءًا أساسيًا من المجتمع المدني السوداني.

وفي المجال النسائي، تأسس الاتحاد النسائي السوداني عام 1946، ليكون من أولى المنظمات النسائية في إفريقيا والعالم العربي. طالب الاتحاد بحق التعليم، وحق العمل، وحق التصويت، وحقوق المرأة في الأسرة والمجتمع. ورغم أن الاتحاد واجه معارضة اجتماعية قوية، إلا أنه نجح في تغيير كثير من المفاهيم، وفي فتح الطريق أمام أجيال جديدة من النساء.

وفي المجال الطلابي، تأسس الاتحاد العام لطلاب السودان عام 1949، ولعب دورًا محوريًا في الحركة الوطنية. كان الاتحاد مدرسة للعمل السياسي والمدني، وخرّج كثيرًا من القيادات التي قادت السودان بعد الاستقلال. ومن خلال الاتحاد، تعلّم الطلاب كيف ينظمون الإضرابات، والمظاهرات، والحملات، وكيف يضغطون من أجل التغيير.

وهكذا، بحلول منتصف الخمسينيات، كان المجتمع المدني السوداني قد نضج بما يكفي ليكون قوة فاعلة في الدولة الجديدة. فقد كانت هناك جمعيات أدبية، ومؤتمر خريجين، ونقابات عمالية، وصحافة حرة، واتحاد نسائي، واتحاد طلابي. هذه التنظيمات، رغم أنها نشأت في ظل استعمار، إلا أنها كانت مستقلة نسبيًا، وكانت تعبّر عن مطالب الشعب السوداني، وكانت قادرة على التعبئة والضغط والمقاومة. وعندما جاء الاستقلال عام 1956، كان المجتمع المدني السوداني جاهزًا ليكون شريكًا في بناء الدولة، أو معارضًا لها إذا انحرفت عن مسار الديمقراطية، ولعب دور الرقابة.

خاتمة الحلقة الثالثة

في هذه الحلقة الثالثة، تتبعنا جذور المجتمع المدني في السودان، من المؤسسات التقليدية قبل 1821، إلى عهد التركية والمهدية، إلى الميلاد الحديث في عهد الحكم الثنائي. رأينا كيف أن السودان، رغم خصوصيته، لم يكن معزولًا عن المسيرة العالمية للمجتمع المدني. بل إن تاريخه الحديث مليء بمحطات تشبه، في جوهرها، محطات هذه المسيرة: جمعيات ونقابات وحركات، وقمع ومقاومة، وإنجازات وانتكاسات.

فهذه الحلقة كانت فقط البداية. ففي الحلقة الرابعة، سننتقل إلى مرحلة ما بعد الاستقلال، من 1956 إلى 1989. سنرى كيف تفاعل المجتمع المدني مع الدولة الوطنية، وكيف واجه الديكتاتوريات، وكيف قاد الانتفاضات، وكيف دفع أثمانًا باهظة. ثم في الحلقة الخامسة، سنتناول عهد البشير، من 1989 إلى 2019، حيث واجه المجتمع المدني أقسى أنواع القمع، لكنه أيضًا حقق أعظم إنجازاته: ثورة ديسمبر 2018–2019. وفي الحلقة السادسة، سنتناول الواقع الراهن، من 2019 إلى اليوم، حيث تعيش البلاد حربًا مدمرة، لكن المجتمع المدني لا يزال يقاوم.

وهكذا، تستمر السلسلة، حلقة بعد حلقة، لنحيط بأزمة الدولة السودانية المزمنة من زاوية المجتمع المدني، لأننا نرى فيه المفتاح لفهم هذه الأزمة، وأيضًا المفتاح للخروج منها.

***

هذه الحلقة الثالثة من سلسلة تحليلية عن المجتمع المدني في السودان، ضمن دراسة أوسع لأزمة الدولة السودانية المزمنة. السلسلة تهدف إلى تقديم دراسة معمقة ومتسلسلة، تجمع بين التحليل التاريخي والسوسيولوجي والسياسي، لتكون مرجعًا للباحثين والمهتمين، وشهادة على دور المجتمع المدني في تاريخ السودان الحديث.

وإلى اللقاء في الحلقة الرابعة: “المجتمع المدني السوداني بعد الاستقلال: من 1956 إلى 1989، صعود وهبوط”.