الخميس, أكتوبر 1, 2026

كتب/ صلاح شعيب

تعاظم الحديث السوداني عن تأثير الذكاء الاصطناعي في مجالات الموسيقى والغناء، شاغلاً العاملين في المجال، وكذلك المتلقين بقدر كبير من الاختلاف والاتفاق. وكأنما تاريخ التجديد في الإنتاج الغنائي والموسيقي يعيد نفسه بين فترة وأخرى، فيُحرج الموسيقيين الذين يحاولون معرفة هذا التطور واللحاق به بعد تفهم حتميته، والوقوف على أسرار إتقانه.

ليس هذا الإحساس بالغربة أمام الأداة الجديدة جديداً على المشهد الموسيقي السوداني. ففي النصف الأول من التسعينيات، واجه نظام “التراكس” معارضة قوية من بعض الموسيقيين الفاعلين، وعدد كبير من المستمعين على حد سواء. وكان إنتاج شركة حصاد، بإشراف الأستاذ يوسف الموصلي، قد وجد في البداية تحديات عظيمة. إذ لم تألف الأذن السودانية تركيب صوت المغني معملياً لوحده ثم بناء الآلات عليه آلةً تلو أخرى. أي صناعة الأغنية بالتجزئة عوضاً عن إنتاج العمل مرة واحدة بمشاركة كل الآلات المصاحبة لصوت الفنان في جلسة حية منظورة.

كانت الاعتراضات آنذاك تدور حول برودة الصوت، وفقدان الروح الجماعية التي تمنح العمل الأوركسترالي رونقه. باختصار، كان التخوف من أن يتحول الإنتاج إلى عمل صناعي فاقد لروح الحضور الكامل للجوقة الموسيقية هو ما ميز حجة الموسيقيين آنذاك أكثر من البحث عن السمات الإيجابية الأخرى للتجربة. لكن بعد أن أدرك مبدعونا الموسيقيون المغامرون طبيعة هذا التحول العلمي الذي يسبقنا فيه العالم دائماً، جربوه وتدربوا عليه حتى أصبح أداة راسخة لا غنى لأي مبدع في الحقل عن خوض توظيفها. وعندئذ اتضح لمبدعينا جلياً أن الآلة الجديدة ليست هي التي تشوه الفن السوداني، وإنما يكمن الإشكال في العقلية التي ترفضها قبل أن تتواضع لمعرفة توظيفها لصالح ترقية الأداء الغنائي والموسيقي.

اليوم يتكرر المشهد نفسه، لكن بوتيرة أسرع وأدوات أعمق تأثيراً. لم يعد الأمر متعلقاً بتسجيل منفصل للصوت والآلات، كما هو في حالة حصاد، بل بقدرة معطيات خوارزمية على توليد لحن كامل، وتوزيع، وأداء صوتي، بل وحتى كلمات، من مجرد وصف نصي. وصار بقدرة كل شخص في هذه الدنيا، لو تدرب على هذه التطبيقات، أن يخلق برؤاه موسيقاه، ومن ثم يعرضها لجمهوره المتابع. أي أن الوضع أشبه بدور تطبيقات فيسبوك ويوتيوب التي أتاحت لكل من لا صوت له في السابق أن يتقمص دور الصحفي، والمحلل السياسي، والمحاور التلفزيوني، والمنتج للبرامج الإذاعية. وإذا كان الإعلام قد تحرر من المسيطرين عليه منذ بدء الخليقة، فإن إنتاج الموسيقى سيتحرر حتماً من منتجيه مع مرور الأيام. وكل من لا صوت له غنائياً سيكون منتجاً بالكيفية التي يريد، بصرف النظر عن تأثيره جماهيرياً أم لا، وكذلك بصرف النظر عن القيمة التي يضيفها للتراث الغنائي أم لا.

-2-

‎المهم الذي يجب التركيز عليه هنا أن ما خلقه الإنترنت من تحولات في مجال الإعلام والكتابة والتوثيق، فإن موسيقى الذكاء الاصطناعي ستخلق تحولاً خطيراً في الحقل مماثلاً في الكم، وبمعطيات أقل من ناحية الكيف. وقد بدأت الآثار الأولى لهذا التحول في الغرب الحضاري، وذلك بشكل ينتج فيه موقع واحد أكثر من ثلاثين ألف أغنية!. وخلقت هذه المواقع نجومها من الموسيقيين والفنانين الذين صار لهم متابعون بالملايين ويكسبون الملايين من الدولارات.

لقد تعرف هواة من الشباب السوداني، كما هو حال نظرائهم في العالم، على منصات مثل “سونو” و”يوديو” وغيرها حتى أصبحوا قادرين على إنتاج عشرات المقاطع يومياً، حتى باتت الموسيقى المولَّدة بالذكاء الاصطناعي تمثل نسبة كبيرة من المحتوى الجديد الذي يُرفع يوميًا على بعض منصات التلقي السوداني. وبرغم ضآلة مجهود الشباب السوداني في التجريب على هذه المنصات مقارنةً بنظرائهم في المكسيك وكندا والنرويج ومصر ونيجيريا، فإن الهواة التكنولوجيين من شبابنا أعملوا ذهنهم في إنتاج موسيقى الكاشف وأحمد المصطفى والجابري وألحقوا أعمالهم بأصوات خليجية مستنسخة ضمن شغفهم بالتجديف في نهر الذكاء الاصطناعي. ولكونهم غير مبدعين، فإنهم من جهة لم يفكروا في إنتاج ألحان جديدة وتنفيذها عبر أوركسترا الذكاء الاصطناعي، كما فعل الشباب الأميركان والأوروبيون من المبدعين. كذلك لم يسعَ هذا الشباب الذي اكتسب تجربة في التعامل مع الخوارزميات الموسيقية لاستنساخ أصوات رجالية ونسائية لفنانين سودانيين حتى يأتي نطقها متطابقاً للهجة السودانية. لكن هذا الاستنساخ يتطلب قدراً من القدرات التقنية التي هي من أشغال مؤسسات ومعاهد موسيقية مدعومة من شركات ذات رساميل ضخمة.

هذا التدفق الهائل في إعادة إنتاج الفنانين القدامى أثار مخاوف حقيقية حول تشويه التراث الغنائي السوداني. وكذلك شمل التخوف مستقبل الموسيقيين المحترفين، وقيمة الإبداع البشري مقابل إبداع الآلة، وحقوق الملكية الفكرية. على أن هذه المخاوف والاحتجاجات السودانية

ستظل عديمة الجدوى إذا لم تقابلها مساعٍ عملية حثيثة لإيقاف الذين ينتجون أعمال المبدعين بأصوات غير سودانية، مع تغيير في مقدماتها وأزماتها وإضافة جمل موسيقية جديدة لها. كما أن غياب الهم “الرسمي” والأكاديمي، لدراسة هذا التطور التقني، والبحث عن طرق للتعامل معه، لن يجدي في وضع حد لهذا النبش اليومي للأعمال الغنائية السودانية. ذلك في وقت بدأت تتشكل ذائقة من الجانب الآخر لهذا النوع من التنفيذ الموسيقى المتقن.

وعلى الرغم من هذه المخاوف المتعلقة بهذا التطور، فإننا وجدنا أن التاريخ يعلمنا أن كمية الإنتاج ليست هي المعيار النهائي. فكثير من هذا المحتوى الاصطناعي يبقى بلا مستمعين حقيقيين، بينما يستمر الجمهور في البحث عن الصوت الذي يحمل المزايا الإنسانية النابضة. فالمشكلة – أصلاً – ليست في وجود الأداة، بل في كيفية استخدامها. فمن يستخدم الذكاء الاصطناعي كاختصار رخيص لإنتاج أغنية تشبه الأغنية السودانية دون فهم لبنيتها اللحنية (السلم الخماسي على وجه الخصوص) أو لنبرتها الصوتية أو لإيقاعها الوجداني، سينتج عملاً مسطحاً بلا عمق. أما من يتعامل معه كأداة مساعدة في التوزيع الأوركسترالي، أو التجريب، أو تسريع المراحل التقنية للإنتاج، مع الاحتفاظ بالاستلهام الفني والصوت البشري والهوية الثقافية، فقد يجد فيه فرصة لتوسيع إمكانياته وخلق إضافة مميزة لتراث الغناء.

-3-

‎إن التجربة السودانية مع نظام التراكس تذكّرنا بأن الرفض المبدئي لا يمنع التحول، وأن الإتقان هو الذي يحوّل الأداة محل الجدل من مصدر قلق إلى وسيلة ترقية. فالذكاء الاصطناعي اليوم ليس استثناءً. هو امتداد لسلسلة طويلة من الأدوات التي دخلت الاستوديو: من المسجل متعدد المسارات، إلى السامبلر، إلى برامج التوزيع الرقمي. كل واحدة منها قوبلت في حينها بالريبة، ثم أصبحت جزءً من “العدة” الإنتاجية نفسها. فضلاً عن ذلك، فالحقيقة البائنة أننا الآن في فجر تاريخ الذكاء الاصطناعي، وعلينا التفكير حول تطوره، وما يخلقه من مساحات إبداعية أكثر في ظرف العقدين القادمين، على أقل تقدير.

التحدي الحقيقي أمام الموسيقي والمغني والملحن والموزع السوداني ليس في محاربة هذه الخوارزمية المبدعة، والخارقة، في أصلها، بل في ترويضها. أن يتعلم كيف يوجهها لتخدم الأشكال الغنائية والموسيقية السودانية لا أن تذوبها في قوالب عالمية جاهزة، وكيف يحافظ على خصوصية الأداء الصوتي السوداني في زمن يسهل فيه استنساخ الأصوات، وكيف يستخدم سرعتها دون أن يتخلى عن العمق الذي يجعل الغناء السوداني قادراً على لمس الوجدان بذات التأثير الذي خلقه في السابق وحتى هذه اللحظة.

في النهاية، تظل الحقيقة التي أثبتها تاريخ التجديد الموسيقي في السودان قائمة: الآلة لا تشوه الفن، والعقلية التي ترفض التعلم قبل التجربة هي التي تفعل. ومن يتواضع اليوم ليفهم أسرار هذه الأداة الجديدة، قد يكون هو من يكتب الفصل القادم من تطور الأغنية السودانية، لا من يكتفي بمراقبتها من بعيد وهو يشكو زوال الزمن الجميل.

حاول العثمانيون منع استخدام الطباعة، وصدرت فتاوى في الأربعينيات بتحريم الراديو في مصر، وما تزال هناك جهات تحرم مشاهدة التلفزيون، وتمنع قراءة الصحف، ومشاهدة الفضائيات. أما الإنترنت فكثير من الفتاوى حرمت الاقتراب منه مخافة الوقوع في الآثام. والآن يجاهد حراس القديم في عرقلة التطور البشري الذي أنتج الذكاء الاصطناعي دون النظر للمنافع الكثيرة التي يجلبها للمبدعين في المستقبل، وهؤلاء اعتقد أنهم خرجوا من التاريخ كعقول جاهلة بحركة التطور العلمي.. تنظر للنصف الفارغ من الكوب.