الخميس, أكتوبر 1, 2026

الحلقة السادسة: نداء السودان، لحظة الوحدة الموعودة وخيبة الأمل

بقلم أ/ آدم راشد

مقدمة

في الحلقة الخامسة، تتبعنا المرحلة الأولى من عهد البشير، من 1989 إلى 2013. رأينا كيف واجه المجتمع المدني أقسى أنواع القمع في سنواته الأولى، وكيف تفككت بنيته التنظيمية، وكيف انتقل من الفاعل العلني إلى المقاومة السرية. لكننا رأينا أيضًا كيف أن هذا القمع لم يقضِ عليه، بل دفعه إلى إعادة تشكيل نفسه بأشكال جديدة: مبادرات محلية، ومجموعات مطالبة، وورش تدريب، وشبكات ناشطين. ورأينا كيف أن هذه الأشكال الجديدة ستكون الأساس لثورة ديسمبر.

في هذه الحلقة السادسة، ننتقل إلى محطة مفصلية في تاريخ المعارضة السودانية:

نداء السودان:

في ديسمبر 2014، وفي العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، وقعت قوى سياسية ومدنية ومسلحة سودانية اتفاقًا أُطلق عليه اسم “نداء السودان”.

كان هذا أول اتفاق يجمع بين المعارضة السياسية والأحزاب والشخصيات المستقلة ومنظمات المجتمع المدني والحركات المسلحة في دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق كان لحظة نادرة في تاريخ المعارضة السودانية وحدة بين المدني والعسكري، بين الحزبي والمستقل، بين المركز والهامش، ولكن هذه اللحظة، رغم أهميتها الرمزية، لم تنج من غدر الاستهداف، فبعد ثلاثة أيام فقط من التوقيع، اعتقلت قوات الأمن أبرز قيادات النداء، سرعان ما عادت الانقسامات الأيديولوجية إلى السطح، وتفكك التحالف، وظل النداء لحظة موعودة لم تكتمل بعد. وفي هذه الحلقة، سنتناول قصة نداء السودان: سياقه، وتوقيعه، والرد عليه، وأسباب إخفاقه، وكيف مهّد الطريق لظهور قوى المجتمع المدني الجديدة داخل “قوى الحرية والتغيير.

السياق: حوار وطني تحت القمع

في يناير 2014، أطلق البشير مبادرة “الحوار الوطني”، ثم أتبعها في أغسطس بمبادرة “الحوار المجتمعي” لإشراك منظمات المجتمع المدني والطرق الصوفية والإدارة الأهلية والشباب والمرأة. كان الهدف المعلن هو الوصول إلى توافق وطني، لكن الهدف الحقيقي كان امتصاص الغضب الشعبي بعد احتجاجات 2013، وتفكيك المعارضة، وإعادة إنتاج شرعية النظام، حى يتسنى له الاستمرار في الحكم، وجاءت هذه المبادرة في ظل ظروف بالغة التعقيد. فبعد انفصال جنوب السودان في 2011، فقد النظام جزءًا كبيرًا من موارده النفطية، وارتفعت أسعار المواد الأساسية، وتراجع سعر الجنيه السوداني. وفي عام 2013، شهدت البلاد احتجاجات واسعة بعد رفع الدعم عن المحروقات، قمعها النظام بوحشية، فقتل أكثر من مئتي متظاهر، واعتقل الآلاف.

وفي هذا السياق، انقسمت منظمات المجتمع المدني إلى قسمين. قسم قرر المشاركة في هذا الحوار، ورأى فيه فرصة للتأثير من الداخل. وقسم آخر، وهو الأكثر استقلالية، رفض هذا الحوار من الأساس، ورأى فيه فخًا يهدف إلى تثبيت النظام. وكان من بين هؤلاء أمين مكي مدني، المحامي والحقوقي البارز، الذي كان يرأس تجمع مؤسسات المجتمع المدني المستقلة. هؤلاء قرروا أن المقاومة يجب أن تكون من خارج الحوار، لا من داخله.

توقيع “نداء السودان”: لحظة وحدة تاريخية

في 3 ديسمبر 2014، وفي العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، وقعت قوى سودانية معارضة ومنظمات مجتمع مدني أتفاقًا أُطلق عليه اسم “نداء السودان” لوقف الحرب وتفكيك دولة الحزب وتحقيق السلام الشامل والتحول الديمقراطي ووقع على الوثيقة كل من الامام الصادق المهدي، زعيم حزب الأمة القومي، وفاروق أبو عيسى، رئيس تحالف قوى الإجماع الوطني، ومني أركو مناوي ممثلًا للجبهة الثورية التي تضم تحالف حركات دارفور والحركة الشعبية – — قطاع الشمال كما وقع على النداء القانوني المعروف الدكتور أمين مكي مدني ممثلًا لمنظمات المجتمع المدني ورئيس مبادرة المجتمع المدني التي صارت من المكونات الاساسية لنداء السودان.

وقد نصت الوثيقة على أهداف كبرى وقف الحرب، وتفكيك دولة الحزب الواحد، وتحقيق السلام الشامل، والتحول الديمقراطي، وتأسيس دولة المواطنة، والتزمت بمنح الأولوية لإنهاء الحروب والنزاعات وبناء السلام على أساس عادل وشامل بجانب الالتزام بالحل الشامل بوقف الصراع في دارفور وجنوب كردفان وجنوب النيل الأزرق.

كانت هذه لحظة نادرة في تاريخ المعارضة السودانية: وحدة بين المدني والعسكري، بين الحزبي والمستقل، بين المركز والهامش. وقد اعتبرها كثيرون فرصة تاريخية لتوحيد صفوف المعارضة، وبناء جبهة وطنية قادرة على إسقاط النظام.

الرد: الاعتقال والتصعيد

كان رد النظام سريعًا وقاسيًا. ففي 6 ديسمبر، أي بعد ثلاثة أيام فقط من التوقيع، اعتقلت قوات الأمن الاستاذ فاروق أبو عيسى والدكتور أمين مكي مدني فور عودتهما إلى الخرطوم، في ساعة متأخرة من الليل، واحتجزتهما في مكان غير معلوم وقد وصف مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان هذا الاعتقال بأنه “استمرار لسياسات قمعية” طويلة طويلة للحكومة السودانية قُيّدت خلالها حرية الرأي والتعبير والتجمع السلمي والتنظيم بالسودان، وفي الوقت نفسه، أعلن نائب الرئيس حسبو محمد عبد الرحمن أن “نداء السودان” هو “وثيقة خيانة للسودان”، وأمر ولاة الولايات بفتح معسكرات الدفاع الشعبي، وإعلان “التعبئة والاستنفار” في مواجهة موقعي الاتفاق وتوعد قادة النظام الموقعين بـ”هزيمة قاسية”.

كان هذا الرد بمثابة إعلان حرب على المجتمع المدني المستقل. لكنه أيضًا كشف للنظام أن المجتمع المدني، رغم القمع، ما زال قادرًا على التنظيم والتوحيد.

الإخفاق: لماذا لم يتحول النداء إلى ثورة؟

رغم أهميته الرمزية، لم يتحول “نداء السودان” إلى حركة جماهيرية أو انتفاضة شعبية. لقد ظل اتفاقًا بين نخب، وليس مشروعًا شعبيًا وهناك عدة أسباب لذلك.

أولًا: الانقسامات الأيديولوجية بين مكونات النداء: بين الإسلاميين والعلمانيين، بين المركز والهامش، بين الذين فضلوا الحل السياسي والذين رفعوا خيار المقاومة المسلحة، هذه الانقسامات سرعان ما عادت إلى السطح، وأضعفت التنسيق.

ثانيًا/غياب القاعدة الشعبية: لم يكن للنداء وجود في الأحياء والقرى. لم يستطع أن يتجاوز النخبة السياسية والمدنية التي وقعته، ليصل إلى الناس العاديين.

ثالثًا/ القمع: فقد اعتقل النظام أبرز قيادات النداء، وفرض قيودًا على الاجتماع والتنظيم، مما جعل من الصعب بناء حركة وطنية.

رابعًا/ غياب آلية تنفيذية: لم يكن للنداء لجنة تنفيذية قادرة على اتخاذ القرارات وتنفيذها. كان أشبه بـ”جبهة” واسعة، لكنها.

لم يكن للنداء لجنة تنفيذية قادرة على اتخاذ القرارات وتنفيذها. كان أشبه بـ”جبهة” واسعة، لكنها تفتقر إلى مركز قيادة قادر على التنسيق بين مكوناته المختلفة، وهكذا، ظل “نداء السودان، لحظة موعودة لم تكتمل. لكنه، مع ذلك، شكّل أرضية فكرية وسياسية لظهور قوى جديدة.

من نداء السودان إلى قوى الحرية والتغيير: صعود المجتمع المدني

رغم إخفاق النداء كتحالف، فإن التجربة أثبتت أن المجتمع المدني السوداني قادر على التنظيم والتوحيد حين تتوفر الإرادة، وقد ظهر ذلك جليًا بعد ذلك بسنوات، عندما تشكلت.

قوى إعلان الحرية والتغيير:

تكونت قوى إعلان الحرية والتغيير من خمس كتل كبيرة ضمت “تجمع المهنيين، وتحالف نداء السودان، وتحالف قوى الإجماع الوطني، والتحالف المدني (تحالف القوى المدنية)، والتجمع الاتحادي الموحد”.

وكان مجتمع المهنيين السودانيين ومجتمع القوى المدنية من أهم الكتل التي تكون منها قوى إعلان الحرية التغيير وقد مثل تجمع المهنيين الذي ضم نقابة الأطباء وشبكة الصحفيين وتحالف المحامين الديمقراطيين ولجنة المعلمين ” قلب تحالف قوى أعلان الحرية والتغيير، بصفته الجهة التي بادرت بقيادة المظاهرات وهكذا، انتقل المجتمع المدني السوداني من تجربة “نداء السودان” — التي ظلت نخبوية — إلى بناء تحالف أوسع وأكثر تنظيماً، ضم قوى مهنية وشبابية، وأصبح قادراً على قيادة الحراك الجماهيري. وهذا التحالف هو الذي سيقود ثورة ديسمبر 2018–2019، التي سنتناولها في الحلقة القادمة.

خاتمة الحلقة السادسة

في هذه الحلقة السادسة، تتبعنا تجربة نداء السودان، من سياقه، إلى توقيعه، إلى الرد عليه، إلى أسباب إخفاقه. رأينا كيف أن هذه التجربة، رغم أهميتها الرمزية، ظلت نخبوية، ولم تتحول إلى حركة جماهيرية. ورأينا كيف أن الانقسامات الأيديولوجية، وغياب القاعدة الشعبية، والقمع، وغياب الآلية التنفيذية، كلها عوامل أدت إلى تفكك النداء.

لكن هذه التجربة لم تكن عبثية. فقد شكّلت أرضية فكرية وسياسية لظهور قوى جديدة، أكثر جذري.

وإلى اللقاء في الحلقة السابعة إنشاء الله.