كتب – بابكر فيصل
لا أدري مَن هو اللوذعيُّ الذي سطَّر خطاب قائد الجيش الأخير، مستعيراً عبارةً مشكوكاً في نسبتها للزعيم البريطاني الأشهر ونستون تشرشل تقول: “يريدون الرفاهية في اللحظة التي يطلب فيها التاريخ الشجاعة”. ولا يأتي الاستغراب من الاستشهاد بالعبارة بسبب أنها لم تصدر عن صاحب “حرب النهر” فحسب، بل بسبب إيراد اسم الأخير الذي لا شك أنه يستدعي إسقاطاً تاريخياً مهماً يفضح كل جهود الأول في خلق شعبية متوهمة.
لا يخفى على أحد أن قائد الجيش، ربما بنصيحة من أحد الطبالين، ظن أن صناعة الجماهيرية المطلوبة للحفاظ على الكرسي الملعون تأتي عبر تعمُّد التقرُّب من الشعب المغلوب على أمره، بأفعال مثل أكل “البوش” في أحد المحلات الشعبية، أو توصيل بعض تلاميذ المدارس بعربة “بوكس” مظللة، أو غيرها من الحركات البهلوانية.
فعلى الرغم من أن تشرشل أظهر شجاعة فائقة وبسالة مبهرة في الحرب العالمية الثانية حتى تحقق النصر لبلاده تحت قيادته، إلا أن الشجاعة في دحر معسكر المحور لم تكن كافية لأن يكسب ثقة الجماهير في أول انتخابات عُقدت في يوليو 1945، حيث أسقطته ذات الجماهير التي قادها للنصر سقوطاً مدوياً!
فما هي الدلالات والدروس المستفادة من تجربة تشرشل مع الحرب وخسارة الانتخابات؟
لا شك أن أول تلك الدروس يتمثل في حتمية فصل الزعامة عن السياسات، حيث شكر الشعبُ تشرشل على قيادته في الحرب، لكنه لم يثق بقدرته على إدارة السلم وإعمار البلاد بعد الخراب الكبير الذي أصابها أثناء الحرب.
كما أن الشعب البريطاني الحر قرر إنهاء أسطورة “البطل” عبر تحديد دور القائد العسكري الحربي بانتهاء المعركة، ومن ثم بحث الناخب عن قيادة مدنية تستطيع تحمل المهام الجسيمة المتمثلة في أولويات توفير الغذاء، وتحسين الرعاية الصحية، والتعليم، والإسكان، وغيرها من الضروريات؛ وهي الأمور التي تمس حياة المواطن بشكل مباشر بعد الحرب ولا تجدي معها الشجاعة فحسب.
الأهم من ذلك هو أن الشعب البريطاني بعد الحرب تزايد تماسكه وإيمانه بأن الدمار الذي وقع والتضحيات الجسيمة التي تمَّت لا بد أن تؤدي إلى أوضاع أفضل مما كانت عليه في السابق، وأن ذلك يتطلب تقوية المؤسسات وتنظيم المجتمع عبر ترسيخ الحريات والخضوع للرقابة، وليس تمجيد الزعامة.
يسعى حارقو البخور إلى تقنين استمرار قائد الجيش في سدة الحكم لسنوات طويلة بحجة أنه حقق الانتصار في الحرب الحالية. وعلى الرغم من أن الجميع يعلمون أنه لم يتحقق نصر عسكري حاسم حتى الآن، إلا أن هذه الحجة –حتى وإن تحقق النصر الكاسح– لا تبرر ذلك الاستمرار، ولا يجب أن تضع مَن يطلب “الرفاهية” في موضع الخائن، وهو الدرس الأكبر المستخلص من تجربة الشعب البريطاني مع قائده المنتصر.
لا تكفي استعادة السيطرة على الخرطوم ومدني وسنجة وغيرها من المدن لمنح تفويض مفتوح وشيك على بياض للحاكم العسكري، وصناعة طاغية جديد عبر سرقة لسان الشعب بإدعاء أن الأخير قد آمنهم من خوف!
وعندما تنتهي فصول مسرحية الحوار العبثي ويتم تنصيب الجنرال رئيساً أوحد بصلاحيات غير محدودة، سيكتشف الجميع أن فصول المعاناة قد بدأت للتو؛ حينها سيلتفت الشعب المغلوب على أمره للبحث عن رغيف الخبز، والماء النظيف، والعلاج، والتعليم، والمواصلات، ليدرك أن الشجاعة المدَّعاة لم تجلب له حلاً، وأن الرفاهية بعيدة المنال.

