الثلاثاء, أغسطس 18, 2026

كتب/ د. الوليد آدم مادبو

الجزء الثاني: من أمريكا إلى إثيوبيا: أي فدرالية تصلح للسودان؟

إذا كانت تجربة الإنقاذ قد كشفت أن الفدرالية يمكن أن تصبح غطاءً لمركزية فعلية، فإن التجربة الإثيوبية تطرح التحذير المقابل: ماذا يحدث عندما لا يقتصر الاعتراف بالتنوع على الحقوق الثقافية والسياسية، بل تصبح الهوية القومية نفسها أساسًا دستوريًا للإقليم والسيادة؟ بين هذين الحدين تبرز المقارنة مع الفدرالية الأمريكية، لا بوصفها نموذجًا قابلًا للاستنساخ، وإنما لأنها توضح فارقًا جوهريًا بين تقسيم السلطة بين أقاليم سياسية وتقسيم الدولة بين جماعات قومية.

تقوم الفدرالية الأمريكية، في أصلها الدستوري، على توزيع السلطات بين الحكومة الاتحادية والولايات. فالولايات ليست مجرد وحدات إدارية تنشئها الحكومة المركزية أو تلغيها بإرادتها، بل لها مجال دستوري أصيل من الاختصاص. ومع ذلك، فإن الولاية لا تُعرّف بوصفها وطنًا لجماعة إثنية بعينها؛ فحدودها تحدد نطاق حكومة واختصاصات، لا نطاق سيادة قومية على الأرض. وهذه النقطة مهمة للسودان لأن المشكلة الأساسية في علاقته بالمركز لم تكن غياب الهويات الإقليمية، وإنما غياب توزيع مستقر ومحمي للسلطة والموارد.

ولهذا فإن المبادئ التي أشار إليها المستشار القانوني طارق عبدالعزيز محمد صادق ــ مثل وحدة الدولة، ووجود مستويات حقيقية من الحكم الذاتي، والتوزيع الدستوري للسلطات، ووحدة السيادة والقوات المسلحة ــ ليست في جوهرها تصورًا منفصلًا للفدرالية بقدر ما تنتمي إلى القواعد العامة للنظام الاتحادي. ومن الأنسب منهجيًا أن يُشار إليها ضمن هذا السياق المقارن، لا أن تُعامل باعتبارها إطارًا نظريًا قائمًا بذاته. فقيمة المقارنة الأمريكية هنا أنها تضع المسألة في مستوى أوسع: الإقليم يمكن أن يكون قويًا دستوريًا من دون أن يكون دولة قومية مصغرة.

أما إثيوبيا فقد اتخذت مسارًا مختلفًا. فقد جعل دستور 1995 “الأمم والقوميات والشعوب” وحدات ذات مكانة دستورية، ومنحها حق تقرير المصير الذي يصل، وفق المادة 39، إلى الانفصال. كما ارتبط رسم عدد من الأقاليم بصورة مباشرة بالهوية الإثنية واللغوية. ومن الإنصاف القول إن لهذا التصميم منطقه التاريخي؛ فقد جاء في سياق محاولة معالجة إرث من هيمنة المركز والصراعات القومية، وأتاح اعترافًا سياسيًا ولغويًا واسعًا لجماعات لم تكن ترى نفسها ممثلة بصورة عادلة داخل الدولة القديمة.

لكن هذا الاعتراف حمل معه مشكلة بنيوية لا يمكن تجاهلها. فعندما تتطابق الهوية والإقليم والسلطة السياسية بدرجة كبيرة، يصبح النزاع على الحدود أو الموارد أو التمثيل أكثر من مجرد نزاع إداري. يمكن أن يتحول إلى سؤال حول صاحب الأرض نفسه، وحول من ينتمي إلى الإقليم بوصفه جماعته المؤسسة ومن يعيش فيه بوصفه أقلية أو وافدًا. ولا يعني ذلك أن الفدرالية الإثنية تؤدي آليًا إلى الحرب؛ فالصراعات الإثيوبية لها أسباب سياسية وأمنية وتاريخية متعددة. لكنه يعني أن النظام الدستوري يجعل الهوية الجماعية جزءًا مباشرًا من المنافسة على الأرض والسلطة، وهو ما يرفع كلفة الخلافات عندما تتفاقم.

هذه النقطة تهم السودان بصورة خاصة. فالسودان شديد الاختلاط السكاني، وتاريخ الهجرة الداخلية والرعي والتجارة والمدن المختلطة يجعل رسم حدود قومية صافية أمرًا صعبًا من الناحية الاجتماعية، وخطيرًا من الناحية السياسية. وإذا أصبح الإقليم معرفًا بأنه إقليم قومية معينة، فإن السؤال الذي يظهر فورًا هو وضع الجماعات الأخرى داخله: هل تتمتع بالحقوق نفسها؟ وهل تصبح الثروة الموجودة في الإقليم حقًا لسكانه جميعًا أم للجماعة التي يعد الإقليم موطنها القومي؟ وهل انتقال المواطن من إقليم إلى آخر انتقال داخل وطن واحد أم دخول إلى مجال سياسي تهيمن عليه جماعة مختلفة؟

هنا تكمن قيمة المقارنة الأمريكية، لا في تفاصيل مؤسساتها وإنما في المبدأ الذي تقوم عليه: الفدرالية تنظم السلطة ولا توزع ملكية الأرض بين الأعراق. ويمكن للسودان أن يعترف بالقوميات واللغات والثقافات اعترافًا واسعًا، وأن يمنح الأقاليم سلطات تشريعية وتنفيذية ومالية حقيقية، من دون أن يجعل أصل السكان الإثني أساس الحق في الإقليم. بعبارة أخرى، يمكن حماية الهوية من دون تحويلها إلى مصدر للسيادة.

وينطبق المنطق نفسه على الموارد. فقد كان احتفاظ المركز السوداني بنصيب مفرط من الموارد أحد جذور أزمة الأطراف، ومن غير المقبول أن تنتج منطقة النفط أو الذهب أو المحاصيل بينما يظل سكانها بلا خدمات أو بنية أساسية. لكن معالجة هذا الظلم لا تقتضي أن تصبح الموارد ملكًا حصريًا للإقليم أو لجماعته الغالبة. الفدرالية المالية المستقرة تحتاج إلى قاعدة تجمع بين حق مناطق الإنتاج في نصيب واضح ومعتبر من العائد، وحق الدولة كلها في جزء من الموارد يضمن التكافل بين المناطق المختلفة. فالعدالة هنا تقوم على قواعد دستورية عامة، لا على تحويل الثروة إلى امتداد للهوية.

أما مسألة القوات المسلحة فتضع حدًا أوضح. يمكن للفدرالية أن تسمح بشرطة إقليمية وترتيبات محلية واسعة للأمن الداخلي، لكن وجود قوات عسكرية سيادية تابعة للأقاليم يحوّل توزيع السلطة إلى توزيع لمصادر السيادة نفسها. وفي بلد يعيش حربًا بين تشكيلات مسلحة تتنافس على مركز الدولة، يصبح هذا الدرس شديد المباشرة: تعدد مستويات الحكم لا ينبغي أن يعني تعدد الجيوش ذات الولاء السياسي المستقل.

أما التجربة السوفييتية في Agro-Industrial Complexes فهي تنتمي إلى مستوى مختلف من النقاش. فهي ليست نموذجًا فدراليًا، بل أسلوب لتنظيم النشاط الزراعي والصناعي وربط الإنتاج الأولي بالتصنيع والخدمات. ويمكن أن تكون مفيدة في التفكير في المناطق السودانية الواسعة قليلة السكان أو في الأحزمة الاقتصادية التي تتجاوز حدود الولايات. وأهم ما تقدمه هنا هو تذكير بأن خريطة التنمية لا يلزم أن تكون هي خريطة الحكم: قد تتعاون عدة أقاليم داخل وحدة اقتصادية متكاملة من دون أن تتحول تلك الوحدة إلى كيان سياسي أو قومي مستقل.

وعند جمع هذه المقارنات، يصبح الخيار السوداني أكثر وضوحًا. تجربة الإنقاذ تبين خطر فدرالية بلا استقلال فعلي للأقاليم؛ والتجربة الإثيوبية تبين مخاطر ربط الإقليم بالهوية القومية إلى درجة يصبح معها سؤال الحكم سؤالًا عن ملكية الأرض والسيادة؛ بينما توضح الفدرالية الأمريكية إمكانية وجود أقاليم قوية دستوريًا من دون أن تكون وحدات إثنية. ولا يعني ذلك أن على السودان استنساخ النموذج الأمريكي، بل إن عليه التمييز بين ما يحتاجه من الفدرالية وما ينبغي أن يتجنبه.

المطلوب، في هذا الإطار، هو دولة اتحادية تكون فيها سلطات الأقاليم محمية دستوريًا ولا يستطيع المركز إعادة تشكيلها لأغراض سياسية، وتكون لها موارد أصلية ونصيب عادل من الثروة، مع بقاء المواطنة والجيش والسيادة في إطار اتحادي واحد. وفي الوقت نفسه ينبغي الاعتراف بالتنوع القومي والثقافي واللغوي، لكن من دون تحويل هذا الاعتراف إلى ملكية سياسية حصرية للإقليم.

وهكذا لا يعود السؤال السوداني: هل نختار المركزية أم الفدرالية؟ بل: **كيف نبني فدرالية تمنع عودة مركز يحتكر الدولة، من دون أن تنتج أقاليم تحتكرها الهويات؟** هذه هي المسافة التي ينبغي أن يتحرك فيها أي تصور دستوري جديد للسودان. وهي أيضًا الخط الفاصل بين فدرالية تعيد توزيع السلطة داخل دولة واحدة، وفدرالية تعيد توزيع مقومات الدولة نفسها بين جماعاتها.