الجمعة, أكتوبر 2, 2026

الحلقة السابعة:

فخ السلطة وضياع البوصلة، من نداء السودان إلى المحاصصة والانقسام (2016-2019)  

بقلم أ/ آدم راشد

مقدمة

في الحلقة السادسة، تتبعنا تجربة نداء السودان، من سياقه، إلى توقيعه في أديس أبابا في ديسمبر 2014، إلى الرد القمعي عليه، إلى أسباب إخفاقه. ورأينا كيف أن هذه التجربة، رغم أهميتها الرمزية، ظلت نخبوية، ولم تتحول إلى حركة جماهيرية. لكننا رأينا أيضًا كيف أنها شكّلت أرضية فكرية وسياسية لظهور قوى جديدة.

في هذه الحلقة السابعة، ننتقل إلى محطة مفصلية أخرى ظهور قوى المجتمع المدني الجديدة، وعلى رأسها تجمع المهنيين السودانيين ولجان المقاومة، ثم أي كيفية تحول المجتمع المدني من رقيب إلى شريك في السلطة.

هذه الحلقة هي حلقة الصعود والانزلاق معًا. وسنخصص حيزًا كبيرًا لنقد هذا الانخراط، مستندين إلى شهادة مبكرة لأحد أبرز الأصوات الحقوقية في السودان.

تجمع المهنيين السودانيين: من الظل إلى الطليعة

البدايات: أساتذة جامعة الخرطوم وثلاثة مكونات أخرى

في عام 2012، بدأت الفكرة الأولى لتجمع المهنيين السودانيين. كان تجمع أساتذة جامعة الخرطوم، الذي يضم نحو مئتي أستاذ، هو البداية. وفي عام 2016، اتسعت الفكرة، وظهر تجمع المهنيين السودانيين لأول مرة في مايو من ذلك العام. وقد تأسس بشكله الحالي في أكتوبر 2016، بكتابة أول ميثاق للمهنيين بين ثلاثة مكونات: لجنة أطباء السودان المركزية وشبكة الصحافيين السودانيين وتحالف المحامين الديمقراطيين ثم انضمت إليها لجنة المعلمين المركزية، ليصبح عدد المكونات أربعة، وكان السبب المباشر لتأسيس التجمع هو أن قانون النقابات السوداني كان لم يسمح بتشكيل نقابات مهنية مستقلة. فجاء التجمع ليكون بديلًا عن النقابات الرسمية التي يسيطر عليها النظام.

الهيكل والتنظيم: سرية ومرونة ولامركزية

كان تجمع المهنيين، في بنيته، مختلفًا عن الأحزاب التقليدية. لم يكن له هيكل تنظيمي صارم، ولا قيادة مركزية معلنة. كان يعتمد على العمل الجماعي، وكان سريًا في بداياته، خوفًا من ملاحقة الأجهزة الأمنية. لم يعلن التجمع عن أسماء أعضاء مجلسه، بل اكتفى بتحديد أسماء ناطقين رسميين داخل السودان وخارجه. هذا التوزيع الجغرافي للناطقين الرسميين كان تحديًا حقيقيًا للأجهزة الأمنية، حيث جعل من الصعب محاصرة أنشطة التجمع وتحجيم دوره الإعلامي، وبحلول مايو 2019، بلغ عدد الكيانات المنضوية تحت تجمع المهنيين سبعة عشر تنظيمًا نقابيًا، شملت لجنة المعلمين، ولجنة أطباء السودان المركزية، وشبكة الصحفيين السودانيين، والتحالف الديمقراطي للمحامين، وتجمع أساتذة الجامعات، وغيرها. لكن هذا التوسع السريع كان يحمل في طياته بذور التشرذم.

لجان المقاومة: نسيج الثورة في الأحياء

إذا كان تجمع المهنيين هو العقل الذي قاد الثورة، فإن لجان المقاومة كانت القلب الذي ضخ الحياة فيها. نشأت لجان المقاومة، أو “لجان الأحياء”، مع بداية ثورة ديسمبر 2018، كتكوينات شعبية في الأحياء والقرى، شكلها الشباب في أثناء الاحتجاجات.

كانت لجان المقاومة تقوم بكل شيء: تنظيم المظاهرات، وحماية الأحياء من تسلط الاجهزة الامنية والميليشيات، وتقديم الخدمات، ونقل المعلومات، ورعاية الجرحى. كانت هي التي جعلت الثورة مستدامة، لأنها لم تكن محصورة في العاصمة أو في مركز واحد، بل كانت لامركزية موجودة في كل حي، وفي كل قرية، وفي كل منطقة، مما عزز وجودها اجتماعيا.

فخ السلطة وضياع البوصلة: نقد انخراط المجتمع المدني في السياسة السودانية

هنا، لا بد من وقفة نقدية شجاعة. فمنذ أن عرف التاريخ الحديث مفهوم “المجتمع المدني”، وُلد هذا الكيان ليضطلع بدور أساسي ووحيد: أن يكون الضمير المستقل، والعين الرقابية، والدرع الحامي لحقوق المواطنين في مواجهة تعسف السلطة وغطرسة السياسيين. فالمجتمع المدني، بطبيعته وتكوينه، ليس حزباً يتطلع إلى مقاعد الحكم، ولا تحالفاً يسعى إلى المحاصصة الحزبية، بل هو الفضاء الأرحب الذي يجمع النقابات، والمنظمات الحقوقية، والروابط المهنية على مبدأ أسمى وهو (الصالح العام) غير أن التجربة السياسية السودانية المعاصرة — وفي منعرجاتها الخطيرة منذ عقد من الزمان وحتى اليوم — شهدت انحرافاً بنيوياً ومقلقاً؛ إذ تحول المجتمع المدني تدريجياً من منصات المناصرة والرقابة المستقلة إلى وحل العمل السياسي المباشر، والانخراط في المحاصصات، والاصطفاف خلف أطراف النزاع، لتتكرر المأساة اليوم بصورة أشد سفوراً ودموية.

من رصد الانتهاكات إلى طاولات المحاصصة

لقد بدأ هذا الانزلاق التدريجي منذ منتصف العقد الماضي، حين تداعت منصات ومبادرات المجتمع المدني لتوقيع “نداء السودان” في أديس أبابا في نوفمبر 2014. ورغم أن تلك الخطوة قُدِّمت حينها تحت يافطة “توحيد قوى المعارضة ضد النظام البائد”، إلا أنها كانت نقطة التحول التاريخية التي نقلت المجتمع المدني من موقع “الحكم والمراقب المحايد” إلى موقع ” اللاعب السياسي الفاعل والخصم الشريك “.

وتوالت الفصول حتى اندلاع ثورة ديسمبر المجيدة؛ حيث انفرط عقد الاستقلالية تماماً، وبرزت قوى المجتمع المدني كأحد كأحد المكونات الرئيسة المشكلة لتحالف”قوى الحرية والتغيير” وهنا وقع المحظور التاريخي: دخلت الأجسام التي كان من المفترض أن تحرس الانتقال الديمقراطي وتراقب أداء السلطة، إلى أروقة الصراع على السلطة، لتتقاسم المقاعد الوزارية والمناصب السيادية والتشريعية.

جرس الإنذار المبكر: صرخة الأستاذ الصادق علي حسن

في خضم هذا الانحراف الخطير، وكراصد واعٍ ومتابع مخلص لتقاليد النضال الحقوقي المدني، انبرى الزميل الأستاذ الصادق علي حسن ليكتب سلسلة مقالات جريئة ومنددة، ولقد حذر مبكراً من هذا الانحراف المدمر، مؤكداً أن ارتماء المجتمع المدني في أحضان المحاصصات السياسية يفقد “كلبه الحارس” أثاره، ويفقد المنظمات مصداقيتها أمام الشارع والضحايا.

لقد أشار الأستاذ الصادق بوعي ثاقب إلى أن تخلّي المجتمع المدني عن دوره الرقابي المستقل يفتح الباب على مصراعيه أمام الفساد السياسي، ويفرغ العمل المدني من محتواه الحقيقي، محذراً من أن الأجسام التي تلهث خلف السلطة تصبح عاجزةً تماماً عن حماية الحريات العامة أو إنصاف المظلومين حين تقع الواقعة.

التشرذم والانقسامات: المجتمع المدني بعد الثورة

الانقسام داخل تجمع المهنيين

كان أول علامات التشرذم هو انقسام تجمع المهنيين نفسه. ففي انتخابات التجمع التي أجريت في 10 مايو 2020، ظهرت الانقسامات السياسية والجهوية بوضوح. وقد استُخدم التمثيل المتساوي بين الأجسام المنضوية، على الرغم من تباينها في عدد الأعضاء وكفاءة الأداء، لتحقيق “الكسب السياسي السلطوي”. وكثرت الأجسام “اللافات” عقب اندلاع الثورة ونجاحها، وأصبح من الصعب جدًا التمييز بين المشاريع النقابية الحقيقية، وبين تلك التي يتم صناعتها بغرض التأثير في صنع القرارات.

الانقسام بين المركز والهامش

لم يكن التشرذم مقتصرًا على تجمع المهنيين. فقد شهد المجتمع المدني السوداني انقسامًا بنيويًا بين نموذج تقليدي متمركز في العاصمة، ونموذج ناشئ في الهامش يتميز بطاقة ثورية عالية لكنه يعاني ضعفًا في الخطاب المدني والسياسي. وظل المجتمع المدني التقليدي المتمركز في الخرطوم محتفظًا بقدر كبير من النفوذ، مستندًا إلى الخبرة التراكمية وشبكات العلاقات الدولية ورأس المال الرمزي. في المقابل، عانى فاعلو الهامش من ضعف التمثيل رغم الكفاءة.

الانقسام بين المدني والعسكري

ثم جاء انقلاب أكتوبر 2021 ليكشف أزمة أعمق. فقد قاد الفريق عبد الفتاح البرهان، رئيس مجلس السيادة، حل الحكومة الانتقالية، واعتقال القيادات المدنية، وإعلان حالة الطوارئ. ووجد المجتمع المدني نفسه منقسمًا بين من يدعو إلى المقاومة والاصطفاف مع الشارع، ومن يدعو إلى الحوار والتفاوض مع العسكريين.

وصف الحال : بالبيات الشتوي

يصف الراحل الدكتور “حيدر إبراهيم علي” حال المجتمع المدني السوداني بعد كل هذه الانقسامات بأنه ” حالة ركود وبيات شتوي غير محدود” ويقول إنه “على الرغم من أنه قد أقيمت بعض الورش، ولكن لم يعرف شيء عن مخرجاتها وما تم تنفيذه منها حتى الآن، أي انذاك، ولم تحدث أي متابعة لمثل هذا النشاط المهم، حتى على مستوى النشر، مع اعتبار النشر من أهم نشاطات المجتمع المدني. لذا تحولت الورش إلى مجرد نشاط استهلاكي للوقت والمال”.

المشهد المتكرر اليوم: التشرذم والاستقطاب على أنقاض الوطن

وها نحن اليوم نرى ذات المشهد يتكرر بصورة أشد بؤساً وسفوراً؛ فبدلاً من أن تنتظم قوى المجتمع المدني في جبهة واسعة ومستقلة للضغط من أجل وقف الحرب العبثية وحماية المدنيين، نراها منقسمة متشرذمة، ترتهن لهذا الطرف العسكري أو ذاك، وتتبنى استقطابات سياسية وجهوية ضيقة أفرغت العمل الأهلي والمدني من مضمونه الأخلاقي والإنساني، وإن هذا التشظي لم يعد مجرد خلاف في وجهات النظر، بل أصبح مأساة وطنية عميقة تُعمق جراح السودان، وتترك ملايين النازحين والضحايا بلا سند حقيقي يدافع عن حقوقهم بعيداً عن أجندات جنرالات الحرب وصراعات النخب على السلطة.

نحو رؤية تأسيسية لمجتمع مدني معافى

إن الخروج من هذا النفق المظلم يتطلب منا وقفة نقدية شجاعة تعيد الأمور إلى نصابها الصحيح. إن بناء مجتمع مدني مستقل، معافى من التشرذم والاستقطابات، وبعيد تماماً عن لعنة المحاصصات السياسية، هو الشرط الإلزامي الأول لإنقاذ السودان. وفي المقالات المقبلة، سنفصل تفكيك هذا المشهد، ونستعرض الأدوات العملية لاستعادة استقلالية المجتمع المدني، ليترك صراع السلطة للسياسيين، ويعود هو إلى حصنه الحصين الوقوف الى جانب الشعب، حراسة العدالة، والعمل بلا كلل من أجل وقف الحرب وبناء السلام الشامل والعادل.

خاتمة: الحلقة السابعة

في هذه الحلقة السابعة، تتبعنا مسيرة المجتمع المدني السوداني من 2016 إلى 2019، وهي فترة مفصلية بكل المقاييس. رأينا كيف ظهر تجمع المهنيين السودانيين من رحم القمع، وكيف بنى نفسه في الظل، وكيف تحول إلى قوة قائدة للثورة. ورأينا كيف نشأت لجان المقاومة في الأحياء، وكيف شكلت نسيج الثورة. ورأينا كيف أن هاتين القوتين، معًا، شكلتا العمود الفقري لثورة ديسمبر المجيدة.

لكننا رأينا أيضًا الوجه الآخر! كيف انزلقت قطاعات من المجتمع المدني من الرقابة إلى” الكوتة والمحاصصة، وكيف تحولت من رقيب إلى شريك. ورأينا كيف تشرذم المجتمع المدني بعد الثورة، بين المركز والهامش، بين المدني والعسكري، بين من يدعو إلى المقاومة ومن يدعو إلى الحوار، ورأينا كيف وصف الدكتور حيدر إبراهيم علي هذه الحالة بأنها “بيات شتوي غير محدود”.

وتلك صرخة الأستاذ الصادق علي حسن لا تزال تتردد في أذاننا: إن المجتمع المدني الذي يلهث خلف السلطة يفقد كلبه الحارس، ويصبح عاجزًا عن حماية الحريات العامة أو إنصاف المظلومين.

هذه الدروس ستكون مهمة في الحلقة الثامنة، حيث سنتناول ثورة ديسمبر 2018–2019 بكل تفاصيلها: من الشرارة الأولى في الدمازين، إلى فض الاعتصام في 3 يونيو 2019، إلى الاتفاق السياسي في أغسطس 2019. كيف اشتعلت الثورة؟ كيف قادها تجمع المهنيين ولجان المقاومة؟ وكيف انتهت إلى اتفاق سياسي هش، مهد الطريق للانقلاب في أكتوبر 2021؟ هذا ما سنتناوله في الحلقة القادمة.

***

وإلى اللقاء في الحلقة الثامنة: “ثورة ديسمبر 2018–2019: من الشرارة إلى الاتفاق السياسي”