سودانا _ تقارير

مع دخول الحرب في السودان عامها الرابع تبدو البلاد أمام مفترق طرق أكثر خطورة من أي وقت مضى: إما أن تستغل أطراف الصراع والقوى الإقليمية والدولية نافذة ضيقة بدأت تفتح أمام وقف إطلاق النار أو أن يتحول القتال إلى حرب طويلة الأمد يصعب معها إعادة بناء دولة موحدة.

وترى مجلة «إيكونوميست» البريطانية أن الظروف التي أحاطت بالحرب منذ اندلاعها في أبريل 2023 بدأت تتغير بما قد يتيح فرصة محدودة لإحياء المسار السياسي. لكن المجلة تحذر في الوقت نفسه من أن هذه الفرصة ليست مفتوحة إلى ما لا نهاية وأن إهدارها قد يدفع السودان نحو مزيد من التشظي على غرار دول أخرى استنزفتها الحروب الأهلية لسنوات.

وتقدم الخرطوم الصورة الأكثر وضوحاً لحجم الكارثة. فالمدينة التي كانت مركزاً سياسياً واقتصادياً وثقافياً نابضاً بالحياة قبل الحرب تحولت إلى مساحات واسعة من الركام، بعدما دُمرت أحياء ومبانٍ حكومية وسكنية بفعل المعارك. وفي أنحاء البلاد أنتج القتال أزمة إنسانية هائلة مع مقتل أعداد ضخمة من المدنيين والعسكريين ونزوح ملايين السودانيين في واحدة من أكثر الأزمات الإنسانية تدميراً في أفريقيا خلال العقود الأخيرة.

لكن «إيكونوميست» ترى أن المأساة الإنسانية وحدها لم تكن كافية لدفع طرفي الحرب إلى التسوية. فخلال السنوات الماضية ظل كل طرف يعتقد أن بإمكانه تحسين موقعه عسكرياً وتحقيق نصر يحسم الصراع وهو ما جعل التفاوض يبدو بالنسبة إليه تنازلاً غير ضروري.

حسابات الحرب

تتغيرالمعادلة وفق المجلة بدأت تتبدل تحت تأثير عاملين رئيسيين.

الأول إقليمي. فاستمرار الحرب السودانية لم يعد شأناً داخلياً معزولاً في ظل تصاعد المخاوف بشأن أمن البحر الأحمر والملاحة الدولية وتداخل الأزمة السودانية مع صراعات ومصالح إقليمية أوسع ومع اتساع رقعة الأزمات في المنطقة يصبح احتواء الحرب في السودان أكثر إلحاحاً بالنسبة للقوى الخارجية التي تخشى أن يتحول النزاع إلى مصدر دائم لعدم الاستقرار على أحد أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم.

أما العامل الثاني فيتعلق بموازين القوى داخل السودان فالتطورات العسكرية الأخيرة التي عززت موقع الجيش قد تمنحه بحسب المجلة شعوراً موقت بأنه بات في وضع أفضل للتفاوض وهو الموقف الذي ظل يطالب به طوال الحرب، الدخول إلى أي عملية سياسية من موقع قوة لا تحت ضغط عسكري.

لكن المفارقة أن التحسن العسكري إذا لم يُستثمر سياسياً قد يتحول إلى عامل يطيل الحرب بدلاً من إنهائها.

فكلما طال أمد القتال لا يقتصر الأمر على استنزاف الجيش وقوات الدعم السريع بل تتسع المساحة أمام الجماعات المسلحة الأصغر وشبكات المصالح المرتبطة باقتصاد الحرب. ومع الوقت يصبح استمرار القتال مصلحة قائمة بذاتها بالنسبة إلى أطراف تستفيد من الفوضى والموارد غير الرسمية ما يجعل تفكيك الحرب أكثر صعوبة حتى لو تغيرت السيطرة على المدن والمناطق.

وهنا تكمن إحدى أخطر رسائل «إيكونوميست» انتصار طرف عسكرياً لا يعني بالضرورة انتهاء الحرب سياسياً.

الأمطار كنافذة للهدنة

وترى المجلة أن موسم الأمطار قد يوفر فرصة عملية نادرة لخفض مستوى القتال وفتح الطريق أمام هدنة إنسانية يمكن تطويرها إلى وقف أوسع لإطلاق النار.

فالتراجع الموسمي المتوقع في وتيرة العمليات العسكرية قد يمنح الوسطاء فترة زمنية محدودة لإقناع طرفي النزاع بوقف النار وتأمين وصول المساعدات إلى ملايين المدنيين ثم تحويل الهدنة المؤقتة إلى بداية لمسار سياسي أكثر شمولاً.

لكن هذه النافذة كما تحذر المجلة قد تكون قصيرة. فإذا استؤنف القتال بوتيرة أعلى بعد انتهاء الموسم فقد تصبح العودة إلى طاولة التفاوض أكثر تعقيداً خصوصاً مع تغير خطوط السيطرة وتنامي عدد القوى المسلحة والمصالح الاقتصادية التي نشأت خلال الحرب.

الدبلوماسية أمام اختبار

في هذا السياق تدعو «إيكونوميست» إلى تحرك دبلوماسي عاجل يركز على جمع طرفي الحرب حول طاولة واحدة بدلاً من استمرار المفاوضات غير المباشرة التي اصطدمت مراراً بالشروط المسبقة وانعدام الثقة.

وتضع المجلة أمام الوسطاء معادلة صعبة لا يمكن انتظار اتفاق كامل قبل وقف القتال لأن استمرار الحرب هو نفسه ما يجعل الوصول إلى الاتفاق أكثر صعوبة.

فاشتراط تحقيق نصر عسكري كامل أو فرض شروط مسبقة قبل بدء الحوار يعني عملياً منح الحرب مزيداً من الوقت لإعادة إنتاج نفسها. وكل شهر إضافي من القتال يعني مزيداً من الدمار والنزوح ومزيداً من الاقتصاد الموازي ومزيداً من القوى التي تصبح مصالحها مرتبطة باستمرار النزاع.

ولا يتعلق الأمر في هذه المرحلة بمجرد تحديد الطرف الذي سيخرج منتصراً من المعركة بل بما إذا كان السودان سيظل قادراً على الخروج من الحرب كدولة واحدة تمتلك مؤسسات قابلة لإعادة البناء.

بين التسوية والانهيار

السودان وفق هذا التصور لا يقف أمام فرصة سلام مثالية بل أمام فرصة سيئة لكنها ربما أفضل من البديل.

فلا توجد ضمانات بأن وقف إطلاق النار سيصمد ولا أن طرفي الحرب مستعدان فعلاً للتنازل كما أن القوى الإقليمية والدولية لا تتحرك دائماً وفق أجندة واحدة. لكن استمرار الرهان على الحسم العسكري يحمل ثمناً متزايداً وقد يقود إلى نتيجة أكثر خطورة من مجرد إطالة الحرب تفكك البلاد إلى مناطق نفوذ ومراكز قوى واقتصادات حرب يصعب جمعها لاحقاً داخل دولة واحدة.

لهذا تبدو الرسالة الأساسية التي تطرحها «إيكونوميست» أقرب إلى إنذار سياسي منها إلى تفاؤل دبلوماسي.

فالفرصة المتاحة أمام السودان ليست واسعة يالقدر المطلوب وقد لا تكون طويلة. وإذا فشل الوسطاء في استغلال تراجع العمليات العسكرية خلال موسم الأمطار وإذا أصر طرفا الحرب على أن السلام لا يأتي إلا بعد انتصار أحدهما، فقد يجد السودانيون أنفسهم أمام سنوات أخرى من العنف والانقسام.