سودانا _ تقارير

تجد السعودية نفسها في واحدة من أكثر اللحظات تعقيداً في سياستها الخارجية منذ سنوات بعدما تحولت رهاناتها على الاستقرار الإقليمي إلى اختبار أمني مفتوح في وقت تواجه فيه الحوثيين على حدودها الجنوبية وإيران وشبكة حلفائها في محيطها الإقليمي، بينما تبدو خياراتها العربية أقل مما كانت عليه في السابق.

ويرى الكاتب والمحلل السياسي الأميركي ستيفن أ. كوك أن جانباً مهماً من هذا المأزق لا يعود إلى خصوم الرياض وحدهم بل إلى سلسلة من القرارات التي اتخذتها القيادة السعودية خلال العقد الماضي وإلى تقديرات استراتيجية لم تعد تتناسب مع التحولات المتسارعة في الشرق الأوسط.

المفارقة أن السعودية أمضت سنوات في محاولة شراء مساحة من الهدوء تسمح لولي العهد محمد بن سلمان بالمضي في مشروعه الاقتصادي والاجتماعي الطموح «رؤية 2030». وكانت المصالح السعودية واضحة: خفض التوتر مع إيران، إنهاء الحرب في اليمن، جذب الاستثمارات وتنويع الاقتصاد بعيداً عن النفط.

لكن حرب غزة التي اندلعت بعد هجوم حماس على إسرائيل في أكتوبر 2023 قلبت الحسابات. فقد أعادت القضية الفلسطينية إلى قلب التنافس الإقليمي وفتحت جبهات جديدة مرتبطة بإيران من لبنان والعراق إلى البحر الأحمر واليمن لتجد الرياض نفسها أمام معادلة حاولت لسنوات تفاديها: لا يمكن بناء الاستقرار الاقتصادي بمعزل عن ميزان القوى العسكري والسياسي في المنطقة.

إعادة فتح الجبهة اليمنية

في هذا السياق يعتبر كوك أن قرار السعودية قصف مدرج مطار صنعاء الدولي في 13 يوليو كان نقطة تحول غير ضرورية.

فالضربة وفق روايته، استهدفت منع طائرة تابعة لشركة «ماهان إير» الإيرانية من الهبوط في صنعاء بعدما نقلت وفداً حوثياً عائداً من مراسم تشييع المرشد الإيراني علي خامنئي.

ولا ينكر كوك أن «ماهان إير» مرتبطة تاريخياً بنقل الدعم الإيراني إلى حلفاء طهران، وأن وجودها في صنعاء يمكن أن يثير مخاوف أمنية سعودية مشروعة. لكنه يرى أن السؤال لم يكن ما إذا كانت الرحلة تحمل دعماً إيرانياً بل ما إذا كان تدمير مدرج مطار مدني يستحق إعادة فتح جبهة كانت قد هدأت نسبياً.

بالنسبة إلى كوك، كانت الرياض قد تعاملت خلال السنوات السابقة مع استفزازات أكثر خطورة من الحوثيين وإيران دون الذهاب إلى هذه النقطة ولذلك كان بإمكانها في تقديره احتواء الحادث بدلاً من تحويله إلى مواجهة مباشرة. وكانت المخاطرة أكبر لأن السعودية لم تكن تواجه الحوثيين فقط، بل شبكة إقليمية يمكنها الرد من أكثر من جبهة.

الحدود السعودية ساحة رد إقليمي

لم يتأخر الرد الحوثي. فقد طالت الهجمات بحسب الرواية التي يستند إليها كوك، مطار أبها ومنشآت نفطية في جازان بالتزامن مع ضغوط على الملاحة السعودية في البحر الأحمر وباب المندب.

وفي العراق دخلت فصائل مسلحة موالية لإيران على خط التصعيد مستهدفة منشآت مرتبطة بقطاع الطاقة السعودي بما في ذلك منشآت أرامكو في ينبع ومجمع بقيق لمعالجة النفط أحد أكثر المواقع حساسية في منظومة الطاقة العالمية.

وهنا تكمن المشكلة التي يلفت إليها “كوك” ان  السعودية قد تجد نفسها في مواجهة شبكة مترابطة من الخصوم بينما لا تمتلك الشبكة العربية المقابلة التي كانت الرياض تأمل في بنائها. فالبيانات السياسية شيء والاستعداد لتحمل تكلفة مواجهة الحوثيين شيء آخر.

ويرى كوك أن معظم العواصم العربية إما تفتقر إلى القدرة العسكرية أو لا تملك الحافز السياسي للدخول في مواجهة مفتوحة مع الحوثيين وإيران. أما الإمارات التي تمتلك قدرة وخبرة أكبر في الملف اليمني فقد أصبحت علاقتها بالرياض أكثر تعقيداً بسبب الخلافات حول مستقبل اليمن.

أبوظبي.. الحليف الذي خسرته الرياض

كان يمكن للخلاف السعودي الإماراتي حول اليمن أن يكون تفصيلاً داخل تحالف أوسع لكنه تحول تدريجياً إلى مشكلة استراتيجية.

فحين عزز المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم من الإمارات نفوذه في جنوب اليمن كان أمام الرياض وفق كوك، خيار مختلف: استخدام وجود قوة جنوبية متحالفة مع أبوظبي للضغط على الحوثيين بدلاً من التعامل معها باعتبارها تهديداً لوحدة اليمن. لكن السعودية اختارت مواجهة المجلس الانتقالي وقصفت قواته وأخرجت قياداته من البلاد كما دفعت الإمارات إلى الابتعاد عن الملف اليمني.

قد يكون القرار منطقياً إذا كان الهدف الأساسي هو الحفاظ على وحدة الدولة اليمنية لكنه يصبح أقل وضوحاً عندما يوضع أمام السؤال الأمني الأوسع السؤال المهم: من الذي يستفيد من تفكيك التفاهم السعودي الإماراتي في اليمن؟

إيران والحوثيون

ومن هذه الزاوية يرى “كوك” أن الرياض وضعت الاعتبارات السياسية والمبدئية المتعلقة بوحدة اليمن فوق الحسابات الاستراتيجية المرتبطة بموازين القوى على الأرض. البحر الأحمر والقرن الأفريقي.. فرصة أخرى ضائعة

ولا يتوقف النقد عند اليمن.

ففي قراءة كوك، أخطأت السعودية أيضاً في التعامل مع ملف أرض الصومال عندما عارضت الاعتراف الإسرائيلي بها. فمن وجهة نظره كان يمكن لوجود إسرائيلي في تلك المنطقة أن يمنح الرياض ورقة ضغط إضافية في البحر الأحمر والقرن الأفريقي ولا سيما في مواجهة الحوثيين والحرس الثوري الإيراني.

لكن حسابات الرياض كانت مرتبطة بحسب هذا التفسير أيضاً بخلافاتها مع أبوظبي والتنسيق الإماراتي الإسرائيلي في المنطقة. وهكذا تتكرر المشكلة ذاتها: تنافس السعودية والإمارات لا يبقى محصوراً بين العاصمتين، بل ينعكس على الملفات التي يفترض أن تكون جزءاً من استراتيجية خليجية مشتركة لمواجهة التمدد الإيراني وحماية طرق التجارة والطاقة.

الحليف الذي لم يقدم ضمانات للرياض

إذا كانت أخطاء السعودية أحد وجوه الأزمة فإن كوك يحمل الرئيس الأميركي دونالد ترامب جزءاً كبيراً من المسؤولية. فالسعودية التي عارضت بشدة الاتفاق النووي الذي أبرمته إدارة باراك أوباما مع إيران كانت ترى في ترامب الرئيس الأكثر استعداداً لمواجهة طهران والأكثر قدرة على عقد الصفقات التي تحتاج إليها الرياض في إطار مشروعها الاقتصادي.

لكن حسابات الرياض وفق كوك اصطدمت بواقع مختلف. فبعد أن راهنت على عودة ترامب وجدت نفسها أمام شروط أميركية جديدة، بينها ربط بعض مسارات التعاون النووي المدني بالتطبيع مع إسرائيل في وقت تصر فيه الرياض على أن إقامة دولة فلسطينية شرط أساسي لأي تطبيع.

ثم جاءت مسألة الرد الأميركي على إيران لتكشف حدود الضمانات التي تتوقعها السعودية من واشنطن. ويشير كوك إلى أن إدارة ترامب لم ترد على الهجوم الإيراني الذي استهدف منشآت أرامكو في سبتمبر 2019 وهو ما اعتبره مؤشراً على تراجع الالتزام الأميركي التقليدي بأمن الخليج.

وبذلك، أصبحت الرسالة بالنسبة إلى دول الخليج أكثر وضوحاً: واشنطن قد تكون شريكاً مهماً  لكنها ليست بالضرورة مستعدة لخوض حرب نيابة عن حلفائها.

من «عقيدة كارتر» إلى الاعتماد على الذات

المشكلة الأعمق وفق هذا التحليل ليست في ترامب وحده وإنما في التحول التاريخي الذي سبق وصوله. فمنذ عقود اعتمد أمن الخليج على مظلة أميركية تقوم على ردع الخصوم وضمان حرية الملاحة وحماية تدفق الطاقة. لكن هذه المعادلة أصبحت أقل وضوحاً مع تغير أولويات الولايات المتحدة.

وفي الوقت ذاته بنت السعودية خلال السنوات الأخيرة قدرات عسكرية واقتصادية ضخمة لكنها لم تنجح بالقدر نفسه في بناء شبكة تحالفات إقليمية قادرة على ترجمة هذه القوة إلى نفوذ استراتيجي مستدام. وهنا تظهر حدود ما يسميه كوك «Riyalpolitik»؛ أي استخدام المال والاستثمارات والمساعدات والنفوذ الاقتصادي لشراء مساحة سياسية واحتواء الخصوم.

فالمال يستطيع شراء النفوذ لكنه لا يستطيع دائماً شراء التحالفات. ولا يستطيع في لحظة أزمة أن يحل محل الردع أو التنسيق العسكري أو الثقة السياسية.

عام كارثي لسياسة الرياض الخارجية؟

في خلاصة حادة، يرى كوك أن 2026 تحول إلى عام شديد القسوة بالنسبة للسعودية وأن الأشهر المقبلة قد تكون أكثر تعقيداً. لكن جوهر المشكلة في هذه القراءة لا يكمن في هجوم حوثي هنا أو خلاف إماراتي هناك ولا في قرار أميركي منفرد.

إنها مشكلة استراتيجية أوسع: السعودية تريد أن تكون قوة إقليمية كبرى لكنها لا تزال تتعامل مع البيئة المحيطة بها أحياناً بمنطق إدارة الأزمات المنفردة لا بمنطق بناء منظومة أمن إقليمي متماسكة.

لقد سعت الرياض إلى المصالحة مع إيران وخفضت التصعيد في اليمن وفتحت أبوابها للاستثمارات العالمية وراهنت على واشنطن وطورت علاقاتها مع الصين وروسيا واستثمرت مليارات الدولارات في أدوات القوة الناعمة لكن هذه الأدوات لم تمنع عودة الصراع إلى حدودها.

والدرس الذي يطرحه كوك أكثر قسوة: المشكلة ليست أن السعودية تفتقر إلى المال أو السلاح أو الطموح، بل أنها قد تفتقر إلى استراتيجية قادرة على تحويل هذه الموارد إلى نفوذ سياسي مستدام. فإذا كانت الرياض تريد أن تصوغ مستقبل الشرق الأوسط فعليها أولاً أن تتوقف عن الاكتفاء بالرد على الأزمات التي يصنعها الآخرون.

وإلا فإن «رؤية 2030» قد تجد نفسها تعمل داخل بيئة إقليمية لا تستطيع السعودية التحكم في مسارها مهما بلغت تكلفة الاستثمار في الاستقرار. وفي منطقة تتغير فيها التحالفات بسرعة قد لا يكون السؤال الحقيقي هو ما إذا كانت السعودية قادرة على شراء النفوذ بل ما إذا كانت قادرة على بناء ميزان قوى يجعل الآخرين بحاجة إلى نفوذها.

وهذه في نهاية المطاف هي الفجوة التي تكشفها أزمات الرياض المتلاحقة بين قوة اقتصادية تتضخم واستراتيجية إقليمية لا تزال تبحث عن اتجاه ثابت.