قرأة في كتاب العدالة الانتقالية ح(3)

بقلم: أ/ آدم راشد

ليس التاريخ مجرد صفحاتٍ غابرة، بل هو مختبرٌ دائمٌ للكرامة. في كل ركنٍ من العالم، ثمة “دمٌ” سُفك، فصار بدلاً من أن يضيع في رمال النسيان، منارةً تهدي البشرية نحو قوانين أكثر رحمة. من “الفراشات الثلاث” في الدومينيكان، إلى أمهات ميدان مايو في الأرجنتين، وصولاً إلى حلم مارتن لوثر كينغ، لم تكن تلك الأحداث مجرد مآسٍ، بل كانت “مفاصل” تاريخية انحنى لها العالم ليغير مساره.

حينما تصبح “الذكرى” تشريعاً

لقد تعلمنا من مآسي التاريخ أن القوانين الدولية ليست نصوصاً جامدة، بل هي “رد فعل” على الانتهاكات. فعندما اغتالت ديكتاتورية “تروخيو” الأخوات ميرابال، ظنت أنها تقتل أصواتاً معارضة، لكنها في الحقيقة زرعت بذرة يوم عالمي لمناهضة العنف ضد المرأة. وعندما اختفى أبناء الأرجنتين في ظلمات السجون العسكرية، لم تكن أمهاتهم يصرخن من أجل أبنائهن فقط، بل كنّ يؤسسن لمبدأ “الحق في الحقيقة” الذي بات اليوم ركناً أساسياً في أي مسار عدالة انتقالية في العالم.

لعل ما طرحناه هنا قد يمهد الطريق لنقاشٍ أعمق حول “كيف يمكن للسودان الاستفادة من هذه السوابق التاريخية؟”، هل يا ترى أن الذاكرة الوطنية في البلاد قادرة على توحيد الفرقاء حول مشروع عدالة انتقالية، أم أن استقطاب الحاضر لا يزال يطغى على دروس الماضي؟

العدالة الانتقالية: بين “الخلاص” و”التصالح””

إن الدرس الأهم الذي استوعبته البشرية عبر تجارب البلقان وامريكا اللاتينية ورواندا هو أن العدالة الانتقالية ليست “انتقاماً” من الخصوم، بل هي “عملية جراحية” ضرورية لشفاء المجتمع. فالعدالة الحقيقية تتطلب أربعة أركان: الكشف عن الحقيقة (مهما كانت مؤلمة)، المحاسبة (لكي لا يظن القاتل أنه فوق القانون)، التعويض (لجبر الضرر)، وضمانات عدم التكرار (عبر إصلاح مؤسسات الدولة).

لماذا نحن بحاجة لدروس التاريخ؟

اليوم، وبينما يغرق عالمنا في صراعات جديدة، تبدو دروس الماضي أكثر إلحاحاً. إن تحويل “الانتهاك” إلى “معلم تاريخي” ليس ترفاً، بل هو وسيلة تحصين. عندما نتذكر مارتن لوثر كينغ، نحن لا نحتفي بذكرى رجل، بل نحتفي بانتصار “اللاعنف” كأداة تغيير. وعندما ننظر لضحايا النزاعات المسلحة، نحن لا نرثي الموتى، بل نضع “خارطة طريق” للأحياء نحو دولة ديمقراطية لا تتغول فيها السلطة على مواطنيها.

خاتمة: الكرامةُ لا تُوهب

إن مسيرة الشعوب نحو الحرية والانعتاق ليست طريقاً مفروشاً بالزهور، بل هي رحلةٌ شاقةٌ تبدأ من الاعتراف بالانتهاك. إن العدالة، في جوهرها، هي فعلُ ذاكرة. فالمجتمع الذي لا ينسى ضحاياه، هو المجتمع الوحيد القادر على بناء مستقبل لا يترك مكاناً للظالمين.

إن الإيجابية الكبرى من كل ما سبق، هي أن العالم أصبح اليوم “أضيق” على الطغاة. فالانتهاكات التي كانت تُرتكب في الخفاء بالأمس، أصبحت تحت مجهر “الذاكرة العالمية”. لذا، فإن العدالة الانتقالية ليست خياراً سياسياً، بل هي “ضريبة العبور” نحو المستقبل.

والى الملتقى في الحلقة القادمة.