قرأة في كتاب العدالة الانتقالية – الحلقة (2)
بقلم: أ/ آدم راشد
ثمة لحظات في تاريخ الشعوب، لا يعود فيها السؤال حول “من المنتصر؟”، بل يصبح السؤال الوجودي هو: “كيف نوقف النزيف؟”. إن السودان اليوم، وهو يعيش مخاضاً عسيراً وسط ركام الانتهاكات وجراح النزاعات، يقف على أعتاب اختبار تاريخي يتجاوز صراعات السلطة إلى صراعٍ مع الذاكرة والعدالة. إننا لا نحتاج فقط إلى “اتفاقية سلام” تُوقع في قاعات مغلقة، بل نحتاج إلى “ميثاق إنصاف” يُكتب في ساحات الضحايا.
العدالة الانتقالية: أكثر من مجرد محاكمات
إن العدالة الانتقالية، في جوهرها، ليست عملية محاسبة للانتقام من الجناة، بل هي عملية “جبرٍ أخلاقي” للمجتمع. إنها الجسر الذي نعبره لنتحرر من أثقال انتهاكات الماضي، وترتكز هذه العملية على أربعة أعمدة لا غنى عنها هي:
أولا/ الحقيقة أولاً: إن حق الضحايا في معرفة “ماذا حدث لذويهم” هو حقٌ لا يسقط بالتقادم. نحتاج إلى لجان حقيقةٍ لا تبحث عن إدانةٍ فحسب، بل عن “توثيقٍ تاريخي” يمنع القتلة من تزوير ذاكرة الأمة .
ثانيا/ المحاسبة كضمانة: العدالة التي لا تطال الرؤوس الكبيرة التي أمرت بالانتهاكات، هي عدالةٌ عرجاء. إن المساءلة ليست انتقاماً، بل هي “إعلانٌ رسمي” بأن عهد الإفلات من العقاب قد ولى، وأن كرامة الإنسان أصبحت خطاً أحمر.
ثالثا/ جبر الضرر: لا يمكن لبيتٍ دُمر أو حياةٍ سُلبت أن تعود بمجرد اعتذار. إن الإنصاف يقتضي برامج تعويض، وتأهيل، واعترافاً وطنياً بمعاناة الناجين، ليعودوا مواطنين فاعلين، لا ضحايا معلقين في أروقة الانتظار.
رابعا/ الإصلاح المؤسسي: وهنا مكمن الخطر؛ فلا عدالة في ظل مؤسسات أمنية وقضائية لا تزال تحمل “عقيدة القمع”. إن الإصلاح الحقيقي يبدأ بتفكيك أدوات السلطة المطلقة وإعادة صياغة مؤسسات الدولة لتكون خادمة للقانون، لا سيفاً مسلطاً على رقاب الشعب.
الدستور: العقد الاجتماعي الجديد
إن الدستور الذي يحتاجه السودان لا يجب أن يكون مجرد نصوصٍ قانونية صماء، بل يجب أن يكون “عقداً اجتماعياً” ينبثق من رحم العدالة الانتقالية. إن الديمقراطية ليست صناديق اقتراعٍ فقط؛ بل هي ثقافة تبدأ بالاعتراف بالآخر، واحترام التنوع، وإيمانٍ راسخ بأن المواطنة هي المظلة الوحيدة التي تجمعنا. يجب أن يؤسس الدستور القادم لدولة “الحقوق والواجبات”، حيث لا حصانة لمسؤول ولا شخص فوق القانون، وحيث يكون الدستور مرجعيةً نهائية لحل النزاعات، لا أداة لتبرير الاستبداد.
كيف نعبر إلى ضفة الاستقرار؟
إن خارطة الطريق نحو الديمقراطية تبدو شاقة، لكنها تبدأ بخطوات واضحة :
تمكين الضحايا: يجب أن تكون أصوات المتضررين في دارفور، والخرطوم، وكل شبرٍ من الوطن عانى، هي “البوصلة” التي توجه أي عملية بناء سلام.
الاستعانة بالخبرات العالمية: لقد تعلمنا من تجارب العالم أن “العدالة الهجينة” (التي تدمج بين القضاء الدولي والمحلي) قد تكون الحل الأمثل لمجتمعات مزقتها الحروب، فهي تضمن النزاهة من جهة وتراعي الخصوصية الثقافية من جهة أخرى.
إشراك الشباب والنساء: فهم القوة الأكثر تضرراً، وهم الأكثر إيماناً بالتغيير. لا يمكن صياغة سلامٍ مستدامٍ دون مشاركة حقيقية لهؤلاء في كل مراحل عمليات السلام والانتقال.
خاتمة: خيارنا التاريخي
إننا أمام خيارين: إما أن نظل سجناء لدائرةِ “العفو المقايض” الذي يخفي الحقيقة ويُنتج حروباً لا تنتهي، أو أن نختار طريق “العدالة والإنصاف” الذي، وإن كان طويلاً ومؤلماً، هو الطريق الوحيد لإنتاج سلامٍ مستدام.
إن العدالة ليست ترفاً فكرياً، بل هي “المادة الأسمنتية” التي تربط حجار بناء الدولة. فبدون عدالة، سيظل بنيان الوطن مهدداً بالانهيار عند أول هزة. لنجعل من هذا الحوار بدايةً لعهد جديد، يكون فيه القانون هو السيد، والكرامة هي الغاية، والديمقراطية هي الملاذ.
والى الملتقى في الحلقة القادمة.

