الخميس, أكتوبر 1, 2026

جثث في قنوات الري وقرى محترقة.. تحقيق استقصائي يوثق اتهامات بقتل جماعي خلال استعادة ود مدني

سودانا _ تحقيقات

كشف تحقيق مشترك أجرته CNN وغرفة الأخبار الاستقصائية «لايتهاوس ريبورتس» عن أدلة تشير إلى حملة قتل واستهداف عرقي نفذتها القوات المسلحة السودانية وميليشيات متحالفة معها ضد مدنيين في ولاية الجزيرة بالتزامن مع استعادة الجيش مدينة ود مدني من قوات الدعم السريع في يناير 2025.

واستمر التحقيق عدة أشهر، واستند إلى مراجعة مئات مقاطع الفيديو وتحليل صور الأقمار الصناعية وتتبع إفادات مبلغين وشهادات ناجين ومسؤولين كانوا موجودين في المنطقة أثناء العمليات. وخلص التحقيق إلى أن الأدلة تشير إلى عمليات قتل جماعي وإحراق قرى وإلقاء جثث في قنوات الري، فضلاً عن استهداف مدنيين اتُّهموا بالتعاون مع قوات الدعم السريع.

وقال تحقيق CNN ولايتهاوس ريبورتس إن مصادر عدة أبلغته بأن أوامر الحملة صدرت من مستويات عليا في القوات المسلحة السودانية. ولم ترد القوات المسلحة أو مكتب الفريق عبد الفتاح البرهان على طلبات CNN للتعليق على النتائج.

وكانت القوات المسلحة السودانية قد قالت في يناير 2025 إن ما وصفته بـ«انتهاكات فردية» وقعت عقب استعادة ود مدني وأعلنت فتح تحقيق بشأنها.

 

جثث في قنوات الجزيرة

بدأت القوات المسلحة السودانية وحلفاؤها هجوماً لاستعادة ود مدني في 8 يناير 2025، وتمكنت من دخول المدينة عاصمة ولاية الجزيرة، في 11 يناير.

ووثق تحقيق CNN ولايتهاوس ريبورتس مقاطع فيديو ظهر فيها مقاتلون يصفون مدنيين بأنهم «متعاونون» مع قوات الدعم السريع.

وقالت جوي نغوزي إيزيلو، العضو في بعثة الأمم المتحدة المستقلة لتقصي الحقائق بشأن السودان، إن استخدام هذا الوصف يمكن أن يتحول إلى اتهام بلا أساس يُستخدم لتبرير استهداف المدنيين على أساس عرقي.

وفي منطقة بيكا، قال ضابط في جهاز المخابرات العامة السوداني كان موجوداً أثناء العمليات إن مقاتلين قتلوا أشخاصاً اتهموهم بالتعاون مع قوات الدعم السريع وألقوا جثثهم في المياه. وأكد ضابط آخر من الجهاز كان يقود قوات في المنطقة خلال الفترة نفسها وقوع هذه الممارسة، وفقاً لتحقيق CNN ولايتهاوس ريبورتس.

وبعد أيام، بدأت جثث تظهر في قنوات الري الممتدة شمالاً من المنطقة. وأظهر مقطع فيديو نُشر في 18 يناير وحدد تحقيق CNN موقع تصويره ما لا يقل عن ثماني جثث عالقة في المياه. وكانت الجثث إما عارية أو ترتدي ملابس مدنية، فيما بدا أحد الضحايا مقيد اليدين خلف ظهره.

ولم يتمكن تحقيق CNN ولايتهاوس ريبورتس من التحقق بصورة مستقلة من هوية الضحايا أو كيفية وصولهم إلى القنوات. لكنه أشار إلى أن اتجاه تدفق مياه القنوات بين بيكا وموقع العثور على الجثث يتوافق مع روايات مصادر قالت إن الجثث جرفتها المياه من مناطق قريبة من ود مدني.

وقال لورانس أوينز، عالم الأنثروبولوجيا الشرعية الذي راجع المقاطع لصالح CNN، إن حالة الجثث بدت متوافقة مع وفاة أصحابها قبل نحو أسبوع، وهي فترة تتزامن مع العمليات العسكرية لاستعادة المدينة.

 

صور الأقمار الصناعية

عزز تحليل صور الأقمار الصناعية الذي أجراه تحقيق CNN ولايتهاوس ريبورتس ما ورد في الشهادات ومقاطع الفيديو.

وأظهرت صور التقطت في مايو 2025 ما يبدو أنه عشرات الأجسام في قنوات بمنطقة بيكا، بالقرب من المكان الذي ألقى فيه البرهان خطاباً أمام جنود عقب استعادة ود مدني.

وحلل مختبر الأبحاث الإنسانية التابع لكلية الصحة العامة بجامعة ييل الصور بالتعاون مع CNN، وقال التحقيق إن عدداً من الأجسام البيضاء الظاهرة في قاع إحدى القنوات يتطابق من حيث الحجم والمظهر مع أجسام بشرية ملفوفة.

كما أظهر تحليل صور أخرى وجود أجسام مماثلة في فرع قريب من القناة في 14 يناير.

ولا تثبت صور الأقمار الصناعية وحدها هوية الأجسام أو كيفية وصولها إلى القنوات، لكن تحقيق CNN ولايتهاوس ريبورتس قال إنها تضيف دليلاً بصرياً إلى شهادات المصادر ومقاطع الفيديو المتعلقة بالتخلص من جثث في قنوات الري.

 

قرى تحت النار

امتدت الاتهامات، وفق تحقيق CNN ولايتهاوس ريبورتس إلى قرى عدة في ولاية الجزيرة تعرضت لهجمات خلال تقدم القوات المسلحة السودانية وحلفائها.

وفي قرية دار السلام، قالت امرأة طلبت عدم الكشف عن هويتها خوفاً من الانتقام إن مقاتلين موالين للجيش قتلوا أربعة من أطفالها وشقيقها في 11 يناير. وأضافت أن المهاجمين أطلقوا النار على أفراد من أسرتها وأحرقوا منازل في القرية قبل أن تتمكن من الفرار.

وأظهرت صور أقمار صناعية حللها تحقيق CNN احتراق عدد من المباني في دار السلام بين 11 و12 يناير، بما يتوافق مع رواية إحراق القرية.

وفي قرية طيبة، قال سكان ومصدر مطلع إن مقاتلين من «درع السودان»، وهي ميليشيا متحالفة مع الجيش أطلقوا النار على مدنيين وأحرقوا منازل في 10 يناير.

وقال ضابط في القوات المسلحة السودانية كان موجوداً في المنطقة لـCNN ولايتهاوس ريبورتس إنه شاهد مقاتلي «درع السودان» يطلقون النار على مدنيين بينهم نساء وأطفال وكبار سن.

وكان الاتحاد الأوروبي قد فرض في يوليو 2025 عقوبات على قائد «درع السودان» أبو عاقلة كيكل، متهماً الجماعة بارتكاب انتهاكات.

 

مساران من الانتهاكات

تأتي نتائج تحقيق CNN ولايتهاوس ريبورتس في وقت وثقت فيه منظمات دولية وحقوقية انتهاكات واسعة ارتكبتها أطراف الحرب السودانية التي اندلعت بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع في أبريل 2023.

وفي حين واجهت قوات الدعم السريع اتهامات واسعة بارتكاب عمليات قتل وعنف خصوصاً في دارفور، يقول تحقيق CNN ولايتهاوس ريبورتس إن الجيش وحلفاءه ارتكبوا بدورهم انتهاكات ذات طابع عرقي خلال استعادة ولاية الجزيرة.

وأشار التحقيق إلى أن مدنيين في بعض المناطق أصبحوا أهدافاً بسبب الاشتباه في انتمائهم أو تعاطفهم مع قوات الدعم السريع، استناداً إلى شهادات ومقاطع راجعها الصحفيون.

لكن تحديد المسؤولية الفردية وتسلسل إصدار الأوامر يظل أكثر تعقيداً، خصوصاً في ظل استمرار الحرب وغياب تحقيقات مستقلة شاملة داخل السودان.

 

ذاكرة لا تغادر المكان

تركت عمليات القتل والنزوح والحرق أثراً عميقاً في المجتمعات التي تعرضت لها، فيما ظلت قنوات الري، بحسب شهادات السكان التي نقلها تحقيق CNN ولايتهاوس ريبورتس تحمل آثار العنف لأسابيع بعد انتهاء المعارك.

وقالت إحدى الناجيات من دار السلام: «لا أستطيع العودة. حزني على أطفالي عظيم».

وبالنسبة لأسر القتلى والناجين، تظل معرفة مصير المفقودين وتحديد المسؤولين عن الانتهاكات ومحاسبتهم بعيدة المنال في وقت تستمر فيه الحرب ويصعب فيه الوصول إلى كثير من المناطق التي شهدت أعمال العنف.