الأربعاء, أغسطس 5, 2026

كتب/ بابكر فيصل

أوكلت الرباعية الدولية (أميركا, السعودية, الإمارات, مصر) في إطار سعيها لإنفاذ خارطة الطريق التي طرحتها لوقف الحرب في بيانها الصادر في 12 سبتمبر 2025, للآلية الخماسية (الأمم المتحدة, الإتحاد الإفريقي, الإتحاد الأوروبي, الإيقاد, الجامعة العربية) مهمة تسهيل العملية السياسية التي قالت الرباعية في بيانها أنها يجب أن تكتمل في مدة تسعة أشهر.

أهم ما جاء في البيان المذكور حول العملية السياسية هو تعهد دول الرباعية بدعم (عملية سياسية شاملة يقودها المدنيون بعيداً عن سيطرة أي طرف متحارب) بحيث تؤدي هذه العملية إلى (تلبية تطلعات الشعب السوداني نحو إقامة حكومة مدنية مستقلة ذات شرعية ومساءلة واسعة، وهو أمر حيوي لاستقرار السودان على المدى الطويل والحفاظ على مؤسسات الدولة).

بعد سلسلة من الإجتماعات تم التوافق بين الخماسية التحالفات الرئيسية (صمود, الكتلة الديمقراطية, تأسيس) والأحزاب الأخرى خارج التحالفات, على تكوين لجنة تحضيرية لبحث القضايا الست الرئيسية المتعلقة بالعملية السياسية: تصميم العملية, الأجندة, القضايا, الأطراف, مكان وزمان الإنعقاد, الدور الإقليمي والدولي. بحيث تكون العملية مملوكة للسودانيين بالكامل.

غير أن الخماسية تنصلت عن هذا التوافق وانحرفت عن مسارها بدعوتها لإجتماعات تشاورية شملت تحالفات ليس لها وجود في الساحة السياسة فضلاً عن أشخاص وجماعات لم توضع أي معايير لإختيارهم, وجميعهم يمثلون أحد الأطراف المتحاربة (الجيش) وهو الأمر الذي يُخل بالمبدأ الأساسي الذي نص عليه بيان الرباعية بضرورة عدم سيطرة أحد الأطراف المتحاربة على العملية السياسية.

إن مبدأ ملكية السودانيين للعملية السياسية يعني أنه ليس من حق الخماسية تحديد الأطراف التي تشارك في العملية السياسية, وأن إصرارها على إغراق العملية بتحالفات وأشخاص تتبع لأحد الأطراف المتحاربة يمثل خرقاً واضحاً لهذا البند مما يفقدها الحيادية المطلوبة ويضعها في خانة الجهة الساعية لتجيير العملية لصالح الجيش وحلفاؤه. من ناحيةٍ أخرى, تتوافق توجهات الخماسية الحالية مع خطة قيادة الجيش الهادفة لكسب الوقت وصناعة عملية سياسية مزيفة وقاصرة بهدف جذب الدعم والدولي لصالح موقفها ورؤيتها للحرب وكيفية إيقافها.

تنبني عناصر خطة قيادة الجيش على التالي :

أولاً, الترتيب لهجوم عسكري كبير بهدف إستلام مناطق واسعة في كردفان ودارفور وإجبار الدعم السريع على التراجع الميداني بحيث تضعف سيطرته الحالية على المساحة الشاسعة من الأرض ويكتفي بتواجده في جيوب صغيرة وبالتالي يُعاد تعريف الحرب بأنها قتال بين “الدولة المركزية” وتمرد محدود في مناطق نائية كما كان الحال مع التمرد في حرب الجنوب وحرب دارفور.

ثانياً, نجاح الهجوم العسكري وتقليص السيطرة الميدانية للدعم السريع سيترتب عليه تلقائياً منح الشرعية لسلطة الجيش مما يسمح بإستعادة نشاط السودان في الإتحاد الإفريقي وكذلك الإعتراف بحكومة الجيش من قبل المجتمع الإقليمي والدولي.

ثالثاً, يُصاحب عملية منح الشرعية لسلطة الجيش الشروع في إطلاق عملية سياسية داخل السودان وبالتنسيق مع الخماسية الدولية, وكذلك تعيين مجلس تشريعي من قوى موالية للجيش وقيادته يُمنح صلاحيات واسعة لتغيير هياكل الحكم الحالية وإقامة أخرى تسمح بإنفراد قائد الجيش بالسلطة لفترة طويلة قادمة.

إنَّ إصرار الخماسية على نهج التدخل السافر والتعدي على مبدأ ملكية السودانيين للعملية السياسية سيؤدي في خاتمة المطاف لتماهيها مع خطة الجيش أعلاه, وهو ما يعني عملياً فقدانها لمبدأ الحياد ومخالفتها لبنود بيان الرباعية الذي تم بموجبه إسناد دور الوساطة لها.

ولمواجهة هذا الإنحراف في دور الخماسية والتصدي لمساعي قيادة الجيش لقيام عملية سياسية مزيفة لا تنتج عنها حلولاً جذرية تؤدي لوقف الحرب وتحقق إستقرار البلاد وتضمن التحول المدني الديمقراطي , يتوجب توحيد وإصطفاف القوى المدنية في جبهة عريضة من أجل تكثيف العمل الجماهيري والسياسي والدبلوماسي الهادف لإنهاء الحرب وتحقيق السلام المستدام عبر عملية سياسية حقيقية.