كتب/ أ. آدم راش
قراءة في المسؤولية الجنائية الدولية، ومسؤولية القيادة، وسوابق القضاء الدولي،
إذا كانت الأسلحة الكيميائية تمثل أخطر صور الانتهاكات المحظورة في القانون الدولي، فإن السؤال الأكثر أهمية لا يتعلق بالسلاح نفسه، وإنما بمن يتحمل المسؤولية الجنائية عن استخدامه. فمن الذي يُحاسب؟ هل هو الجندي الذي ضغط على الزناد؟ أم القائد الذي أصدر الأمر؟ أم المسؤول الذي وفر المواد الكيميائية؟ أم العالم الذي طور المادة السامة؟ أم الدولة التي أخفت الأدلة أو امتنعت عن التعاون مع التحقيقات؟
لقد تجاوز القانون الدولي الجنائي منذ عقود فكرة المسؤولية الجماعية للدول إلى مبدأ أكثر عدالة وفاعلية، وهو مبدأ المسؤولية الجنائية الفردية، بحيث لا يفلت أي شخص من العقاب بسبب منصبه أو رتبته أو صفته الرسمية.
أولاً: المسؤولية الجنائية الفردية… حجر الأساس في العدالة الدولية
كرس نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية مبدأ أن المسؤولية تقع على الأشخاص الطبيعيين الذين يرتكبون الجرائم الدولية أو يساهمون فيها، وليس على الدول وحدها. ولذلك فإن من يمكن مساءلتهم قانوناً لا يقتصرون على المنفذين المباشرين، بل قد يشملون: القائد العسكري الذي أصدر الأمر، و القائد الذي علم باستخدام السلاح ولم يمنعه، والمسؤول السياسي الذي أجاز استخدامه والمسؤول عن إنتاج أو نقل أو توفير المادة الكيميائية مع العلم بالغرض غير المشروع، من ساعد أو حرض أو سهل ارتكاب الجريمة، من تستر على الجريمة أو أتلف الأدلة بقصد عرقلة العدالة إذا انطبقت عليه أركان الجرائم ذات الصلة.
وهذا ما يجعل دائرة المسؤولية أوسع بكثير من مجرد الشخص الذي نفذ الهجوم.
ثانياً: مسؤولية القيادة… عندما يصبح الصمت جريمة
يعد مبدأ مسؤولية القيادة أحد أهم التطورات في القانون الدولي الجنائي. فالقائد العسكري قد يتحمل المسؤولية ليس فقط عندما يصدر أمراً باستخدام الأسلحة الكيميائية، وإنما أيضاً عندما يعلم ـ أو كان ينبغي له أن يعلم ـ بأن قواته ترتكب مثل هذه الجرائم، ثم يمتنع عن اتخاذ الإجراءات اللازمة لمنعها أو معاقبة مرتكبيها.
ولا تقوم هذه المسؤولية على مجرد وقوع الجريمة، بل تتطلب توافر عناصر قانونية محددة، منها وجود علاقة قيادة وسيطرة فعلية، والعلم الفعلي أو العلم المفترض وفق الظروف، والإخفاق في اتخاذ التدابير المعقولة لمنع الجريمة أو إحالتها إلى الجهات المختصة. وقد أصبح هذا المبدأ أحد الأعمدة الرئيسة للمحاسبة الدولية، لأنه يمنع القيادات العليا من الاحتماء خلف التسلسل العسكري أو الادعاء بعدم المشاركة المباشرة.
ثالثاً: هل تسقط الحصانة؟
كان الاعتقاد السائد في الماضي أن رؤساء الدول وكبار المسؤولين يتمتعون بحصانة مطلقة، إلا أن تطور القضاء الدولي أكد، في العديد من الحالات، أن المنصب الرسمي لا يمنح حصانة أمام المحاكم الجنائية الدولية المختصة، وأن الحصانة لا تُعد سبباً لإباحة الجرائم الدولية أو للإعفاء من المسؤولية الجنائية والملاحقة القضائية.
وقد شكلت قضايا عديدة، من بينها قضايا تتعلق برؤساء دول وقادة سياسيين وعسكريين، تحولاً مهماً في ترسيخ مبدأ أن سيادة القانون تعلو على المكانة السياسية، مع بقاء مسائل الاختصاص والتنفيذ خاضعة للإطار القانوني لكل محكمة.
رابعاً: ماذا تقول السوابق الدولية؟
إن قيمة القانون الدولي لا تكمن في نصوصه فقط، وإنما أيضاً في كيفية تطبيقه أمام المحاكم الدولية.
( 1) محاكمات نورمبرغ :
بعد الحرب العالمية الثانية، أرست محاكمات نورمبرغ مبدأً تاريخياً مفاده أن تنفيذ الأوامر العسكرية لا يعفي من المسؤولية الجنائية إذا كانت الأوامر غير مشروعة بصورة واضحة، كما أكدت أن القادة السياسيين والعسكريين يمكن أن يحاسبوا شخصياً عن الجرائم الدولية، وقد أصبح هذا المبدأ لاحقاً جزءاً من القانون الدولي العرفي.
(2) المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة:
أسهمت المحكمة الجنائية الدولية الخاصة ليوغسلافيا السابقة في تطوير مفهوم “المشروع الإجرامي المشترك” ومسؤولية القيادة، وأكدت أن المسؤولية قد تمتد إلى من يخطط أو ينسق أو يسهل ارتكاب الجرائم، حتى وإن لم يكن موجوداً في موقع التنفيذ.
(3) المحكمة الجنائية الدولية لرواندا:
وسعت المحكمة مفهوم التحريض والمسؤولية عن الجرائم الجماعية، وأوضحت أن القرارات الصادرة من مستويات القيادة العليا قد تكون أساساً للمساءلة إذا ثبت ارتباطها المباشر بالجرائم المرتكبة.
(4) المحكمة الجنائية الدولية:
من خلال قضايا متعددة، رسخت المحكمة مبادئ المسؤولية الفردية، ومسؤولية القيادة، والمشاركة الجنائية، وأكدت أن العدالة الدولية لا تستهدف الدول أو الشعوب، وإنما الأشخاص الذين تثبت مسؤوليتهم الجنائية وفق معايير الإثبات القانونية.
خامساً: ماذا عن الأسلحة الكيميائية تحديداً؟
تمثل الأسلحة الكيميائية وضعاً قانونياً خاصاً، لأنها محظورة بموجب اتفاقية دولية تكاد تكون عالمية، كما أن استخدامها في النزاعات المسلحة يعد من أخطر الانتهاكات بموجب القانون الدولي الإنساني. ولهذا فإن التحقيق في استخدامها لا يقتصر على إثبات وقوع الهجوم، وإنما يمتد إلى أسئلة معقدة، منها:
من أصدر القرار؟، من وفر المادة الكيميائية؟، من نقلها؟، من أشرف على استخدامها؟، ومن تستر على الواقعة؟، وهل كان الاستخدام جزءاً من سياسة أو نمط متكرر؟ ومن هنا تأتي أهمية الأدلة العلمية، وسلسلة حيازة الأدلة، وتحليل بقايا الذخائر، والطب الشرعي، وشهادات الشهود، وصور الأقمار الصناعية، والاتصالات العسكرية، وغيرها من وسائل الإثبات الحديثة.
سادساً: هل يؤدي ثبوت الاستخدام إلى تدخل المحكمة الجنائية الدولية؟
لا توجد إجابة واحدة تنطبق على جميع الحالات، إذ يتوقف الأمر على الأساس القانوني لاختصاص المحكمة. فقد ينعقد اختصاصها إذا كانت الدولة طرفاً في نظام روما الأساسي، أو إذا قبلت اختصاص المحكمة وفق الآليات المنصوص عليها في النظام، أو إذا أحال مجلس الأمن الوضع إليها بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، كما حدث في بعض الحالات. وبالنسبة إلى السودان، فإن مسألة الاختصاص قد تتأثر أيضاً بالإحالة السابقة للوضع في دارفور، وبنطاق تلك الإحالة، إضافة إلى طبيعة الوقائع محل التحقيق ومكان وزمان ارتكابها، وهي مسائل قانونية معقدة تستوجب تقييماً مستقلاً لكل حالة.
سابعاً: هل يقتصر الأمر على المحكمة الجنائية الدولية؟
الإجابة: لا، فقد تلجأ بعض الدول إلى الولاية القضائية العالمية، التي تسمح بمحاكمة مرتكبي بعض الجرائم الدولية الخطيرة أمام محاكمها الوطنية، حتى إذا ارتكبت الجرائم خارج إقليمها، متى توافرت الشروط القانونية في تشريعاتها. وقد شهدت السنوات الأخيرة قضايا في أوروبا استندت إلى هذا المبدأ لمحاكمة متهمين بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية ارتكبت خارج أراضي تلك الدول، وهو ما يعكس اتجاهاً متزايداً نحو مكافحة الإفلات من العقاب.
ثامناً: ما الذي ينبغي أن يحدث إذا ظهرت مزاعم باستخدام أسلحة كيميائية؟
من منظور قانوني ومؤسسي، فإن المصلحة الوطنية والالتزام الدولي يقتضيان: فتح تحقيق وطني مستقل وذي مصداقية ــ التعاون الكامل مع منظمة حظر الأسلحة الكيميائية عند الاقتضاء.
ـ الحفاظ على الأدلة ومنع العبث بها ــ تمكين الخبراء المستقلين من أداء مهامهم ـ حماية الضحايا والشهود.
ـ محاسبة كل من تثبت مسؤوليته وفق القانون، بصرف النظر عن رتبته أو منصبه.
إن هذه الخطوات لا تعزز فقط فرص الوصول إلى الحقيقة، بل تسهم أيضاً في حماية سمعة الدولة ومؤسساتها وترسيخ الثقة في سيادة حكم القانون.
خاتمة: العدالة ليست انتقاماً… بل حماية للمستقبل
لقد تعلم العالم، بعد قرن من الحروب والكوارث الإنسانية، أن أخطر ما يهدد المجتمعات ليس استخدام الأسلحة المحرمة فحسب، وإنما الإفلات من العقاب. فحين يُترك مرتكبو الجرائم الدولية بلا مساءلة، تتآكل هيبة القانون، ويصبح العنف وسيلة مقبولة لحسم النزاعات، ويتحول المدنيون إلى الضحية الأولى.
وفي المقابل، فإن العدالة الدولية ليست أداة للانتقام السياسي، ولا وسيلة لتصفية الحسابات بين الدول، بل هي منظومة قانونية تهدف إلى كشف الحقيقة، وإنصاف الضحايا، وردع الجناة، وصون السلم والأمن الدوليين. ومن ثم، فإن أي ادعاء باستخدام أسلحة كيميائية، في السودان أو في أي مكان آخر، يجب أن يُقابل بتحقيق مهني مستقل، يستند إلى الأدلة العلمية، ويحترم ضمانات المحاكمة العادلة، بعيداً عن التسييس والاستنتاجات المسبقة.
وإذا كان القانون الدولي قد نجح في ترسيخ قاعدة مفادها أن الجرائم الأشد خطورة لا تسقط بالتقادم ولا يحمي مرتكبيها المنصب أو النفوذ، فإن التحدي الحقيقي اليوم لا يكمن في نقص النصوص القانونية، بل في الإرادة السياسية لتطبيقها على الجميع دون تمييز. وعندئذ فقط يصبح حظر الأسلحة الكيميائية قاعدة حية تحمي الإنسان، لا مجرد التزام مكتوب في معاهدة دولية.

