كتب أ/ آدم راشد
قراءة قانونية في اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية وآليات التحقيق والمساءلة الدولية والمآلات المحتملة على ضؤ الاتهامات حول استخدام الجيش اسلحة كيميائية في الحرب الجارية في سلسلة مقالات واولها هذا المقال.
عاد ملف الأسلحة الكيميائية إلى واجهة الاهتمام الدولي مجدداً بعد البيان الذي ألقاه المندوب الدائم للمملكة المتحدة أمام المجلس التنفيذي لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية، والذي شدد فيه على ضرورة مساءلة كل من يستخدم هذه الأسلحة، ودعا السودان إلى نشر النتائج النهائية للتحقيقات المتعلقة بادعاءات استخدام أسلحة كيميائية. ويطرح هذا التطور جملة من الأسئلة الجوهرية: ما هي اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية؟ وكيف يجري التحقيق في مثل هذه الادعاءات؟ وما هي النتائج القانونية إذا ثبت يقيناً استخدام هذه الأسلحة؟ وهل يمكن أن يقود ذلك إلى تدخل مجلس الأمن الدولي أو إلى مساءلات جنائية دولية؟ وما هي الدروس المستفادة من التجارب الدولية السابقة؟ هذه الأسئلة لا تهم القانونيين وحدهم، وإنما تمس الأمن الوطني ومستقبل الدولة السودانية ومكانتها الدولية، لأن الأسلحة الكيميائية تعد من أخطر الأسلحة المحظورة في القانون الدولي، ويُنظر إلى استخدامها باعتباره انتهاكاً بالغ الخطورة للنظام القانوني الدولي .
اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية
تُعد اتفاقية حظر استحداث وإنتاج وتخزين واستعمال الأسلحة الكيميائية وتدمير تلك الأسلحة، التي دخلت حيز النفاذ عام 1997، واحدة من أكثر اتفاقيات نزع السلاح شمولاً،وهي تحظر بصورة مطلقة تطوير أوإنتاج أو حيازة أو نقل أو استخدام الأسلحة الكيميائية،كما تُلزم الدول الأطراف بتدمير مخزوناتها ومنشآتها ذات الصلة،وإنشاء نظام وطني للرقابة والتعاون مع (OPCW) منظمة حظر الأسلحة الكيميائية وتتولى منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، ومقرها لاهاي، تنفيذ الاتفاقية من خلال نظام متكامل للتفتيش والتحقق والرصد وبناء القدرات، وتتمتع بخبرة تقنية عالية في جمع وتحليل الأدلة الكيميائية والبيئية والطبية.
كيف يجري التحقيق في مزاعم استخدام الأسلحة الكيميائية؟
عند ظهور ادعاءات باستخدام أسلحة كيميائية، لا تعتمد المنظمة على التقارير الإعلامية أو المواقف السياسية، وإنما على منظومة دقيقة من الإجراءات الفنية والقانونية، تشمل :
ــ جمع العينات البيئية والطبية وفق معايير علمية صارمة.
المحافظة على سلسلة حيازة الأدلة لضمان سلامتها وعدم العبث بها.(Chain of Custody)ــ سلسلة الحيازة
ــ إجراء التحاليل في مختبرات معتمدة دولياً.
ــ مقابلة الضحايا والشهود والكوادر الطبية.
ــ تحليل بقايا الذخائر ووسائل الإطلاق.
ــ مقارنة النتائج بالبيانات الاستخباراتية والصور الفضائية والمصادر المفتوحة .
ــ إعداد تقارير فنية مستقلة ترفع إلى أجهزة المنظمة.
ــ ويقوم التحقيق على معيار الإثبات العلمي، وليس على الافتراضات أو الاتهامات السياسية.
آليات التفتيش والتحقق
تمنح الاتفاقية منظمة حظر الأسلحة الكيميائية صلاحيات واسعة للتحقق، من أبرزها:
أولاً: عمليات التفتيش الروتينية للمنشآت الصناعية ذات الصلة بالمواد الكيميائية.
ثانياً: التفتيش بناءً على طلب دولة طرف عندما تثار شكوك جدية بشأن وجود مخالفة.
ثالثاً: بعثات تقصي الحقائق للتحقق من وقوع استخدام للأسلحة الكيميائية.
رابعاً: فرق التحقيق وتحديد المسؤولية عندما يكون ذلك متاحاً وفق الولاية الممنوحة للمنظمة. ويمثل التعاون الكامل مع المنظمة عاملاً أساسياً في بناء الثقة الدولية، بينما قد يؤدي رفض التعاون أو عرقلة التحقيقات إلى زيادة الشكوك وإثارة ردود فعل دولية أكثر صرامة.
إذا ثبت الاستخدام… ما هي النتائج القانونية؟
إذا ثبت بصورة يقينية، ومن خلال تحقيق دولي مستقل، استخدام أسلحة كيميائية بواسطة أي طرف في النزاع السوداني، فإن ذلك يترتب عليه عدد من النتائج القانونية الخطيرة.
أولها، أن استخدام الأسلحة الكيميائية يشكل انتهاكاً لاتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية، وما يترتب عليها من مسؤولية دولية للدولة إذا ثبتت نسبته إليها وفق قواعد القانون الدولي.
وثانيها، أن استخدام السموم أو الأسلحة السامة أثناء النزاعات المسلحة يشكل جريمة حرب بموجب القانون الدولي الإنساني، ولا سيما في النزاعات المسلحة التي تنطبق عليها قواعد اتفاقيات جنيف والبروتوكولات الإضافية ذات الصلة.
وثالثها، قد تنشأ مسؤولية جنائية فردية للقادة العسكريين والسياسيين وكل من أمر أو خطط أو ساعد أو نفذ أو تستر على استخدام هذه الأسلحة، وذلك استناداً إلى مبدأ المسؤولية الجنائية الفردية، ومسؤولية القيادة، وعدم جواز التذرع بالأوامر العسكرية غير المشروعة.
هل يمكن أن يتدخل مجلس الأمن؟
الإجابة المختصرة: نعم، ولكن ليس بصورة تلقائية، لتدخل مجلس شروط ومقتضيات سياسية وقانونية، سوف نعود لها. فإذا خلصت التحقيقات الدولية إلى وجود استخدام مؤكد للأسلحة الكيميائية، فإن مجلس الأمن يمتلك، بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، مجموعة واسعة من الخيارات، منها :
ــ إصدار قرار يدين الانتهاك.
ــ المطالبة بوقف استخدام الأسلحة الكيميائية فوراً .
ــ إلزام الدولة بالتعاون مع منظمة حظر الأسلحة الكيميائية.
ــ فرض عقوبات اقتصادية أو دبلوماسية أو قيود على السفر وتجميد الأصول.
ــ إنشاء لجنة تحقيق أو آلية دولية مستقلة.
ــ إحالة الوضع إلى المحكمة الجنائية الدولية إذا توفرت الشروط القانونية ولم تكن المحكمة مختصة بالفعل، واستخدام الفصل السابع مقترنا بالمادة (13/ب) من نظام روما الأساسي.
ــ اتخاذ تدابير إضافية إذا اعتبر أن استخدام هذه الأسلحة يشكل تهديداً للسلم والأمن الدوليين. غير أن ممارسة مجلس الأمن لا تخضع للقانون وحده، بل تتأثر أيضاً بالتوازنات السياسية واستخدام حق النقض (الفيتو)، وهو ما ظهر في عدد من الأزمات الدولية.
ماذا تقول التجارب الدولية؟
شهد المجتمع الدولي عدداً من السوابق المهمة
في سوريا، أجرت منظمة حظر الأسلحة الكيميائية تحقيقات واسعة أثبتت استخدام أسلحة كيميائية في عدة حوادث، وأدى ذلك إلى تدمير جزء كبير من البرنامج الكيميائي السوري، وفرض عقوبات دولية، وإنشاء آليات تحقيق دولية، وإبقاء الملف على جدول أعمال مجلس الأمن والجمعية العامة لسنوات.
وفي العراق بعد عام 1991، أنشئت آليات تفتيش دولية واسعة النطاق انتهت إلى إزالة برامج الأسلحة الكيميائية والبيولوجية تحت رقابة دولية مشددة. وفي قضية تسميم سيرغي سكريبال في المملكة المتحدة باستخدام غاز “نوفيتشوك”، لعبت منظمة حظر الأسلحة الكيميائية دوراً تقنياً في التحقق من المادة المستخدمة، بينما اتخذت الدول إجراءات دبلوماسية وعقابية منفصلة. وتؤكد هذه التجارب أن المجتمع الدولي يتعامل مع الأسلحة الكيميائية باعتبارها من أكثر الانتهاكات خطورة، وأن الاستجابة لا تقتصر على الجانب الجنائي، بل تشمل أيضاً تدابير سياسية واقتصادية ودبلوماسية.
الآثار السياسية والاقتصادية المحتملة
إذا ثبت استخدام الأسلحة الكيميائية في السودان، فإن التداعيات قد تمتد إلى ما هو أبعد من الجانب القانوني : سياسياً، قد تتعرض الدولة لعزلة متزايدة، وتتراجع فرص التسوية السياسية، ويزداد الضغط الدولي للمطالبة بالإصلاح والمساءلة. واقتصادياً، قد تزداد مخاطر فرض العقوبات، وتتأثر حركة الاستثمار، والتعاملات المصرفية، وبرامج التمويل الدولية، وقد ينعكس ذلك سلباً على الاقتصاد الوطني في وقت يواجه فيه السودان تحديات إنسانية وتنموية كبيرة، وغير مسبوقة. أما إنسانياً، فإن مجرد الاشتباه باستخدام هذه الأسلحة يثير مخاوف واسعة بشأن حماية المدنيين، ويزيد من أعباء المنظمات الإنسانية، ويعقد جهود الإغاثة وإعادة الإعمار.
بين الحقيقة والاتهام
ومن الأهمية بمكان التمييز بين الادعاءات وبين الوقائع المثبتة. فالقانون الدولي لا يبني المسؤولية على الاتهامات أو المواقف السياسية، وإنما على الأدلة القاطعة والتحقيقات المستقلة التي تراعي أعلى معايير النزاهة والحياد. ولهذا فإن أي استنتاج قانوني نهائي بشأن مسؤولية أي طرف في السودان يجب أن يسبقه تحقيق مهني مستقل، تتوافر فيه الضمانات العلمية والقانونية، ويحترم حقوق الضحايا وحقوق الأطراف محل التحقيق في آن واحد .
خاتمة
إن الحظر الدولي للأسلحة الكيميائية يمثل أحد أكثر المبادئ رسوخاً في القانون الدولي المعاصر، لأنه يجسد إجماعاً إنسانياً على رفض وسائل القتال التي تسبب معاناة عشوائية وغير مبررة. وإذا كانت التحقيقات المستقلة ستحدد في نهاية المطاف حقيقة ما جرى في السودان، فإن المصلحة الوطنية تقتضي التعاون الكامل مع الآليات الدولية المختصة، وتمكينها من أداء عملها دون عوائق، لأن الحقيقة وحدها هي الأساس الذي تُبنى عليه العدالة، ولأن العدالة، متى قامت على الأدلة والقانون، تظل الضمانة الأقوى لحماية المدنيين، وصون سيادة الدول، وترسيخ السلم والاستقرار، وبلادنا في أمس الحاجة لهذا.

