ادفع بالتي هي أحسن
متب/ د. عبد المحمود أبو
أقر الإسلام الكرامة الإنسانية للجميع كما ورد في الآية “70” من سورة الإسراء. وهذا التكريم يقتضي التعامل مع الإنسان بالأسلوب الذي يحفظ هذه الكرامة، ونهج الإسلام في هذا المجال يقوم على أسس تحقق في جملتها العدل في التعامل مع التنوع وذلك وفق الأسس الآتية:
الأساس الأول: المحافظة على البراءة الأصلية لكل الناس، مهما كانت عقائدهم، فاختلاف العقيدة لا يبيح ظلم المخالف، أو اتهامه بما لم يفعل، وفي نصوص القرآن جاءت براءة اليهودي عندما اُتهم ظلمًا من قبل أحد المسلمين؛ كما في قصة طعمة بن أبيرق؛ التي وردت في سورة النساء، وفيها براءة اليهودي وإدانة المسلم.
الأساس الثاني: قبول ما يأتي من المخالف إن كان حقًا، ولا تحول العقيدة من الاعتراف بالفضل، إذا صدر ما يوجب ذلك، كما جاء في سورة المائدة: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ” [المائدة:8]، وآية آل عمران: “وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَن يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ” [آل عمران:115].
الأساس الثالث: التسامح والتّراحُم، مهما اختلفت العقائد، فقد أجاز الإسلام للمسلم، أن يتزوج من نساء أهل الكتاب، وبالتالي تُصبح الكتابية زوجته، وأم أولاده، وإخوانها نَسَائِبُه، وأخوال أولاده، وأمها بمثابة والدته، وهي جدة لأولاده، وأبوها جَدًّا لهم، وهكذا، فيصبح بين المسلمين وأهل الكتاب مصاهرة وقرابة لها حقوق ونفقات وتكافل. وقد أمر القرآن الكريم بالإحسان إلى الوالدين حتى ولو جاهدا على إضلال أولادهما. فقال تعالى: “وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ” [لقمان:15].
الأساس الرابع: الالتزام بالآداب الراقية عند الجدال، حيث خصَّ الله تعالى الجدال مع أهل الكتاب؛ بأن يكون بالأحسن صورة، وشكلًا، وأسلوبًا، ولغة، ومنطقًا، فقال تعالى: “وَلاَ تُجَادِلُوا أَهْلَ الكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ” [العنكبوت:46]، فقد طبق الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك في حواراته معهم، وفي تعامله معهم؛ حيث كان يزورهم، ويحسن إليهم، ويعود مرضاهم، بل يسمح لهم أن يصلوا صلاتهم في مسجده عرضًا، فقد روى علماء السيرة بسندهم “أنه لما قدم وفد نجران على رسول الله صلى الله عليه وسلم دخلوا عليه مسجده بعد صلاة العصر، فحانت صلاتهم، فقاموا يصلون في مسجده، فأراد الناس منعهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم دعوهم فاستقبلوا المشرق فصلوا صلاتهم”.
بل أكثر من ذلك، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم قبل هدايا أهل الكتاب، واحترمهم حتى كان يقف عندما تَمُرُّ جنازة أحدهم، وعندما سُئِل عن ذلك قال: “أليست نفسًا” فقد روى البخاري ومسلم بسندهما عن جابر بن عبد الله، قال: “مرَّت بنا جنازة، فقام لها النبي صلى الله عليه وسلم فقمنا به، فقلنا: يا رسول الله: إنها جنازة يهودي، قال: “إِذَا رَأَيْتُم الجَنَازَةَ فَقُومُوا”، وروي كذلك، عن سهل بن حنيف، وقيس بن سعد: أن النبي صلى الله عليه وسلم مرت به جنازة فقام، فقيل له: إنها جنازة يهودي، فقال: “أَلَيْسَتْ نَفْسًا؟”، قال الحافظ بن حجر: “ومقتضى التعليل بقوله “أليست نفْسا” أن ذلك يُسْتَحَبُّ لكل جنازة”.
ويقوم التاريخ شاهدًا على تنزيل هذه المبادئ والقيم إلى واقع ملموس، إذ ضم العالم الإسلامي في أراضيه على امتدادها وفساحتها، كمًّا هائلًا من الجنسيات والأعراق، واللغات، والمذاهب، والآراء، والمعتقدات والأديان، وتفاعلت فيما بينها وتلاقحت، وتحاورت، وتجادلت، وشاركت كلها في صنع الحضارة الإسلامية، في علومها وفنونها ونظمها ومؤسساتها المختلفة، وإن ظهرت فيما بينها بين الحين والآخر نزاعات وصراعات وحروب، فهي استثناء لا أصل.
إن الإسلام لا العنصرية، أو التمييز بين البشر على أساس الدين والمعتقد، أو الشكل واللون، أو القبيلة والعشيرة أو اللغة واللهجة، وذلك على قاعدة الأصل الواحد لبني آدم وأن مقصد الاختلاف هو التعارف وليس التفاضل، ومبدأ “إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على أعجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود، ولا أسود على أحمر إلا بالتقوى”، “إنَّ الله قَدْ أَذْهَبَ عَنكُم عُبِيَّة الجَاهِليَّة وفَخْرَها بالآباء، مؤمنٌ تقي، وفاجر شَقِيّ، أَنتُم بنو آدم وآدم من تراب. ليَدَعَنَّ رجال فَخْرَهُم بِأقْوَام، إنَّما هُم فَحَمٌ من فحم جهنم، أو ليَكُونُنَّ أَهْوَنُ على الله من الجعلان”.
وإذا كان هذا هو الجانب النظري في تاريخ الحضارة الإسلامية، فإن الجانب العملي يسير في كنفه لا يفارقه أو يبتعد عنه، اللهم إلا في القليل النادر أو الشاذ الضئيل، ولا يكون هذا سوى في فترات انحدار الأمة وبعدها عن المنهج القويم. فالكرامة مكفولة لجمع الناس مهما اختلفت ألوانهم وعقائدهم وثقافتهم وأفكارهم “ولقد كرمنا بني آدم”.

