الخميس, أكتوبر 1, 2026

رحلة عبر ثلاثة آلاف عام من التنظيم الذاتي والصراع على الفضاء العام

الحلقة الثانية: التطور التاريخي للمجتمع المدني في العالم، من المحلية إلى العالمية

بقلم أ/ آدم راشد

مقدمة الحلقة:

في الحلقة الأولى من هذه السلسلة، وضعنا الأساس النظري والمفاهيمي للمجتمع المدني. عرّفناه، وميّزناه عما ليس منه، وتتبعنا جذوره الفكرية من الأغورا الأثينية إلى العقد الاجتماعي، ومن توكفيل إلى غرامشي وهابرماس. رأينا كيف أن الفلاسفة والمفكرين، كل من زاويته، حاولوا الإجابة عن سؤال مركزي: ما موقع الناس المنظّمين طوعًا في مواجهة السلطة؟ وهل يمكن لهذا التنظيم أن يكون حصنًا للحرية، ومدرسة للديمقراطية، ومجالًا للصراع على الوعي؟

لكن الأفكار وحدها لا تصنع التاريخ. فالمجتمع المدني، قبل أن يكون مفهومًا نظريًا، كان ممارسة فعلية: جماعات بشرية نظمت نفسها لتحقيق أهداف مشتركة، وواجهت سلطات، وحققت إنجازات، ودفعت أثمانًا. في هذه الحلقة الثانية، ننتقل من النظرية إلى التاريخ. سنتتبع كيف وُلد المجتمع المدني الحديث في القرن الثامن عشر والتاسع عشر، وكيف تحوّل من المحلي إلى العالمي في القرن العشرين، وكيف أصبح في الألفية الثالثة ظاهرة رقمية وعابرة للحدود. ثم نختم بتمهيد للانتقال إلى قلب موضوعنا: السودان، الذي سنبدأ رحلته في الحلقة الثالثة.

هذه الحلقة، إذن، هي الجسر بين الفكرة والتجربة، بين الغرب الذي صاغ المفهوم، والعالم الذي تبنّاه وأعاد تشكيله، وبين النظرية التي وضعت الأساس، والسودان الذي سنرى كيف تفاعل معها بطريقته الخاصة.

ميلاد المجتمع المدني الحديث: القرن الثامن عشر والتاسع عشر

شهد القرن الثامن عشر والتاسع عشر ميلاد المجتمع المدني الحديث بأشكاله المعاصرة. لم تكن الجمعيات والنقابات والحركات جديدة تمامًا، فقد رأينا جذورها في العصور الوسطى، لكن ما حدث في هذين القرنين كان مختلفًا في الحجم والتنظيم والتأثير. لأول مرة، أصبح بإمكان الناس العاديين، لا النخب وحدها، أن ينظموا أنفسهم خارج إطار الدولة والكنيسة، وأن يضغطوا من أجل تغيير قوانين وسياسات ومؤسسات.

أولى هذه الظواهر الكبرى كانت جمعيات مناهضة الرق. في بريطانيا عام 1787، تأسست جمعية إلغاء تجارة الرق، التي قادت حملة طويلة ومنظمة، استخدمت العرائض والمنشورات والمقاطعة والمحاضرات. وقد أثمرت هذه الحملة عن قانون إلغاء تجارة الرق عام 1807، ثم عن قانون إلغاء الرق نفسه في المستعمرات البريطانية عام 1833. وفي الولايات المتحدة، لعبت الجمعيات المناهضة للرق دورًا محوريًا في النقاش العام الذي أدى في النهاية إلى إلغاء الرق عام 1865. كان هذا أول انتصار كبير لمجتمع مدني منظم على مستوى وطني، وأثبت أن الضغط الشعبي المنظم يمكن أن يغيّر قوانين ظلت قرونًا تبدو ثابتة.

وإلى جانب مناهضة الرق، ظهرت النقابات العمالية. في بريطانيا وفرنسا وألمانيا، نظم العمال أنفسهم للمطالبة بظروف عمل أفضل. كانوا يواجهون قمعًا شديدًا، واعتقالات، وقوانين تحرّم التنظيم، لكنهم استمروا. وأدت نقاباتهم، بعد عقود من النضال، إلى قوانين تحديد ساعات العمل، ومنع تشغيل الأطفال، والحق في الإضراب، وتشكيل النقابات. هنا بدأ العمال، الذين كانوا مهمّشين تمامًا، يتحولون إلى قوة اجتماعية وسياسية لا يمكن تجاهلها.

وفي المجال نفسه تقريبًا، بدأت الحركات النسائية. في البداية، طالبت بحق التعليم، ثم بحق العمل، ثم بحق التصويت. وفي عام 1893، كانت نيوزيلندا أول دولة في العالم تمنح المرأة حق التصويت، تلتها أستراليا عام 1902، ثم فنلندا عام 1906، ثم النرويج عام 1913. كان هذا إنجازًا هائلًا، حققته حركات نسائية نظمت نفسها عبر جمعيات ومؤتمرات وصحف ومظاهرات، رغم السخرية والقمع.

وإلى جانب هذه الحركات، ظهرت الصحافة الحرة كمنبر للرأي العام والنقد السياسي. لم تكن الصحافة مجرد وسيلة إعلام، بل كانت فضاءً مدنيًا بحد ذاته: مكانًا يلتقي فيه الكتّاب والقراء، ويتشكل فيه الرأي العام، ويُمارَس فيه النقد. ومن خلال الصحافة، تعلم الناس أن يطالبوا، وأن يساءلوا، وأن يناقشوا.

في هذه المرحلة، تشكّلت البنية الأساسية للمجتمع المدني الحديث: جمعيات، ونقابات، وحركات، وصحافة، ومنظمات خيرية، وتعاونيات. ولم تعد هذه الكيانات محصورة في العواصم، بل امتدت إلى المدن الصغيرة والأرياف. وهكذا، تحوّل المجتمع المدني من ظاهرة نخبوية إلى ظاهرة جماهيرية.

القرن العشرون: من المحلية إلى العالمية

إذا كان القرن التاسع عشر قد شهد ميلاد المجتمع المدني الحديث، فإن القرن العشرين شهد تحوّله من ظاهرة محلية ووطنية إلى ظاهرة عالمية. في النصف الأول من القرن، بين 1900 و1945، توسعت النقابات والحركات النسائية وحركات التحرر الوطني في المستعمرات. وتأسست عصبة الأمم عام 1919، ومنظمة العمل الدولية في العام نفسه، وهي أول وكالة دولية تعنى بحقوق العمال. ورغم أن هاتين المؤسستين كانتا حكوميتين، إلا أن ضغط المجتمع المدني كان وراء إنشائهما.

ثم جاءت الحرب العالمية الثانية، وبعدها تأسست الأمم المتحدة عام 1948، وصدر الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في العام نفسه. كان هذا الإعلان ثمرة نضال طويل خاضته منظمات مدنية وحقوقية من كل أنحاء العالم، وقد نص على حقوق أساسية: الحياة، والحرية، والمساواة، وحرية التعبير، وحرية التجمع، والحق في التعليم والصحة والعمل. ومنذ ذلك الحين، أصبح الإعلان العالمي مرجعًا لكل منظمات حقوق الإنسان في العالم.

وفي هذه المرحلة أيضًا، ظهرت منظمات دولية غير حكومية لعبت أدوارًا كبرى. تأسست العفو الدولية عام 1961، لتعمل على توثيق انتهاكات حقوق الإنسان والضغط من أجل إطلاق المعتقلين السياسيين. وتأسست أطباء بلا حدود عام 1971، لتقديم الرعاية الطبية في مناطق النزاعات والكوارث، بغض النظر عن الانتماءات السياسية. وهاتان المنظمتان، ومثلهما المئات غيرهما، أصبحتا نموذجًا للمجتمع المدني العابر للحدود.

وفي الوقت نفسه، استخدمت حركات الاستقلال في آسيا وإفريقيا تنظيمات مدنية: نقابات، وجمعيات، وصحف، وأحزابًا، وحركات شبابية ونسائية. وفي كثير من الحالات، كانت هذه التنظيمات هي التي قادت النضال من أجل الاستقلال، ثم أصبحت بعد الاستقلال جزءًا من النسيج المدني للدولة الجديدة، أو واجهت قمعًا من الأنظمة الوطنية التي جاءت بدلًا من المستعمر.

ثم جاءت “الثورة الثالثة” للمجتمع المدني بين 1970 و1990. في هذه الفترة، ظهرت منظمات البيئة، وأبرزها غرين بيس التي تأسست عام 1971، وحركات السلام التي ناهضت التسلح النووي، وحركات المرأة التي طالبت بالمساواة الكاملة، وحركات حقوق المثليين التي بدأت تخرج من الظل. وفي عام 1989، سقط جدار برلين، وكان لحركات “الربيع الأوروبي” في شرق أوروبا، التي قادها مثقفون وعمال وطلاب ونقابات، دور محوري في هذا السقوط. وهكذا، أثبت المجتمع المدني أنه قادر على إسقاط أنظمة ديكتاتورية، لا بالسلاح، بل بالتنظيم والضغط والمقاومة السلمية.

وفي التسعينيات، عولم المجتمع المدني نفسه. فبدأت منظمات دولية غير حكومية تتدخل في قضايا عالمية: الديون، والتجارة العادلة، وتغير المناخ، وحقوق الشعوب الأصلية. وتأسس المنتدى الاجتماعي العالمي عام 2001 كبديل لـ”دافوس”، ليجمع حركات ومنظمات من كل العالم في مواجهة العولمة النيوليبرالية. وهكذا، لم يعد المجتمع المدني محصورًا في دولة واحدة، بل أصبح شبكة عالمية من الشبكات.

الألفية الثالثة: المجتمع المدني الرقمي

مع بداية الألفية الثالثة، دخل المجتمع المدني مرحلة جديدة: المرحلة الرقمية. فقد غيّرت الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي قواعد اللعبة. أصبح بإمكان الناشطين أن ينظموا احتجاجات في ساعات، وأن يوصلوا أصواتهم إلى ملايين، وأن يوثقوا انتهاكات في لحظتها. وفي عام 2011، شهد العالم الربيع العربي، حيث لعبت الشبكات الاجتماعية دورًا كبيرًا في تعبئة الشباب وتنظيم الاحتجاجات. وفي العام نفسه، ظهرت حركة احتلوا وول ستريت في الولايات المتحدة، ثم حركات المناخ منذ 2018، التي قادتها أجيال جديدة من الناشطين، وعلى رأسهم غريتا تونبرغ.

لكن الثورة الرقمية لم تكن فقط أداة تحرير، بل كانت أيضًا أداة قمع. فالحكومات تعلمت هي الأخرى كيف تراقب، وكيف تحجب، وكيف تشوّه. وأصبحت منصات التواصل الاجتماعي ساحة صراع: بين الحقيقة والتضليل، بين التنظيم والتفتيت، بين الحرية والرقابة. وهكذا، فإن المجتمع المدني الرقمي، رغم إمكاناته الهائلة، يواجه تحديات جديدة: كيف يحافظ على مصداقيته في زمن الأخبار المزيفة؟ وكيف يحمي بيانات ناشطيه في زمن المراقبة الشاملة؟ وكيف يحوّل التعبئة الرقمية إلى تغيير حقيقي على الأرض؟

مجالات العمل والإنجازات

عبر هذه القرون، امتد عمل المجتمع المدني إلى مجالات متعددة، وترك بصمات لا يمكن إنكارها. في مجال حقوق الإنسان، كان الإعلان العالمي عام 1948، والمحكمة الجنائية الدولية عام 2002، ومحاربة التعذيب، والدفاع عن المعتقلين السياسيين، كلها ثمرات نضال مدني طويل. وفي مجال حقوق العمال، أدت النقابات إلى تحديد ساعات العمل، والحد الأدنى للأجور، والحق في الإضراب، ومنع تشغيل الأطفال. وفي مجال حقوق المرأة، حققت الحركات النسائية حق التصويت، والمساواة القانونية، ومحاربة العنف، وحقوق الصحة الإنجابية. وفي مجال البيئة، كان بروتوكول مونتريال عام 1987، وبروتوكول كيوتو عام 1997، واتفاق باريس عام 2015، ثمرات ضغط مدني عالمي. وفي مجال السلام، لعبت منظمات مدنية أدوارًا في الوساطة، ونزع السلاح، والمصالحة، ومحاربة الألغام. وفي مجال التنمية، أسهمت منظمات في محو الأمية، والصحة، والمياه، والإسكان، والتمويل الأصغر. وفي مجال الديمقراطية، راقبت الانتخابات، وثقّفت المواطنين، وناصرت الإصلاح.

هذه الإنجازات لم تكن هدايا من السلطات، بل كانت نتائج نضال طويل، ودفعت فيه منظمات مدنية أثمانًا باهظة: اعتقالات، وقمع، وتشويه سمعة، وحتى قتل. لكنها استمرت، لأنها كانت تؤمن بأن التغيير ممكن، وأن الناس قادرون على صنعه بأنفسهم.

دروس من التجربة العالمية

من هذه الرحلة الطويلة عبر ثلاثة قرون، يمكن استخلاص عدة دروس. أولها أن المجتمع المدني ليس ترفًا، بل ضرورة. فهو صمام الأمان في غياب مؤسسات دولة قوية، ومدرسة للديمقراطية، وحصن ضد الطغيان. وثانيها أن التنوع قوة وضعف في آن: تنوع المنظمات يثري التجربة، لكنه يضعف التنسيق. وثالثها أن الدور مزدوج: مقاومة للديكتاتورية، وشراكة في التنمية، ورقابة على السلطة. ورابعها أن المرأة في القلب: لا يمكن فهم المجتمع المدني دون دور المرأة. وخامسها أن الحرب تختبر المجتمع المدني، لكنها أيضًا تظهر قدرته على الصمود والتكيف.

هذه الدروس ليست خاصة بالغرب. إنها دروس إنسانية عامة، ستتكرر في كل تجربة وطنية، بما فيها التجربة السودانية التي سنتناولها في الحلقات القادمة. فالسودان، رغم خصوصيته، ليس معزولًا عن هذه المسيرة العالمية. بل إن تاريخه الحديث مليء بمحطات تشبه، في جوهرها، محطات هذه المسيرة: جمعيات ونقابات وحركات، وقمع ومقاومة، وإنجازات وانتكاسات.

خاتمة الحلقة :

في هذه الحلقة الثانية، تتبعنا التطور التاريخي للمجتمع المدني في العالم، من ميلاده الحديث في القرن الثامن عشر والتاسع عشر، إلى تحوّله العالمي في القرن العشرين، إلى مرحلته الرقمية في الألفية الثالثة. رأينا كيف أن هذا الفضاء، رغم هشاشته، كان دائمًا قوة التغيير في لحظات التحول الكبرى. ورأينا كيف أن إنجازاته، من إلغاء الرق إلى حقوق العمال والمرأة والبيئة، لم تكن هدايا، بل ثمرات نضال طويل.

لكن هذه الحلقة كانت تمهيدًا. ففي الحلقة الثالثة، ننتقل إلى قلب الموضوع: السودان. سنبدأ من الجذور العميقة، قبل أن تُعرف الكلمة نفسها: الخلوة والمسيد، والطرق الصوفية، والمشيخة والنظارة الأهلية، والجمعيات القبلية. ثم ننتقل إلى الميلاد الحديث في عهد الحكم الثنائي: الجمعيات الأدبية، ومؤتمر الخريجين، والنقابات العمالية، والصحافة، والجمعيات النسائية والطلابية. وهكذا، نبدأ رحلة السودان في هذه السلسلة، وهي الرحلة التي تشكل قلب هذا العمل كله.

هذه الحلقة الثانية من سلسلة تحليلية عن المجتمع المدني في السودان، ضمن دراسة أوسع لأزمة الدولة السودانية المزمنة. السلسلة تهدف إلى تقديم دراسة معمقة ومتسلسلة، تجمع بين التحليل التاريخي والسوسيولوجي والسياسي، لتكون مرجعًا للباحثين والمهتمين، وشهادة على دور المجتمع المدني في تاريخ السودان الحديث.

وإلى اللقاء في الحلقة الثالثة: “جذور المجتمع المدني في السودان: من الخلوة والمسيد إلى مؤتمر الخريجين”