كتب/ د. عبد المحمود أبو
قبل أسبوعين دشن صديقي الكابتن عادل المفتي كتابه: “حائط برلين الآخر قصة حياة”.
لقد استمتعت بقراءة الكتاب الموسوم بحائط برلين الآخر- حكاوى مغايرة لإنسان مغاير أيما متعة.
واندمجت مع الحكاوى واحدة تلو الأخرى كأني كنت مع المؤلف وهو يعيش الأحداث، وقادني خيالي لأتقمص شخصية الراوي وأعيش أجواء كل قصة من قصص حياته الواقعية التي تشبه الخيال؛ فقد أجَاد التوصيف بأسلوب أدبي سردي يشبه أساليب كبار كتاب الرواية المبدعين؛ كنجيب محفوظ والطيب صالح ويوسف زيدان، مع تميز حكايات المؤلف بواقعيتها ومعايشة أحداثها، وهم قد سبحوا في الخيال فأجادوا وأجاد.
ولفائدة القارئ أسطر خواطري بعد قراءتي الأولية لكتاب الحكاوى في النقاط الآتية:
أولًا: لقد كان المؤلف بارعًا عندما صدّر كتابه بحكاية عقدة الخواجة؛ كأنه يقول لنا إنَّ الخواجة لا يختلف عنا، فهو بشر مثلنا وإن اختلفت الألوان والبيئات، فقط هو عرف مفتاح التقدم وأخذ به فنهض وبهر العالمين؛ مع أن المفتاح بين أيدينا وفي كتاب ربنا ولكنا فرطنا في التدبر والتفكر والاتباع، فأصبح حالنا كحال من وُصِف بقول القائل:
كالعِيسِ في البَيْداء يقتُلها الظَّمأ * والماءُ فوقَ ظُهُورِهَا مَحْمُولُ
وبهرني بتجويد عمله وتخطيطه وإعداده العدة لكل متوقع، وذلك من خلال ملفاته الأربعة المتعلقة بصيانة الطائرة التي كان يقودها وقد أدهش الخواجة وأبطل مغالطاته، فأعطانا الكاتب درسًا في الجودة والجدية والتخطيط لأي عمل نقوم به، فالنجاح سيكون حليفنا، وهذا درس مهم.
ثانيًا: حكاية السفر والقدر، جمعت بين الإيمان بالأقدار والعزيمة، وأكدت أن الإخلاص والصدق والنية السليمة والعزيمة؛ عوامل مهمة في تحقيق الأهداف. فالمؤمن يخطط ويعزم ويبادر ويستغل الفرص ويستجيب لنداء قلبه، ويترك التوفيق لله الذي بيده كل شيء.
إن أحداث حكاية السفر والقدر تمثل خارطة طريق لكل الشباب ليحددوا أهدافهم ويسعوا لتحقيقها ولا يستسلموا لليأس ويصارعوا الأقدار بالأقدار.
ثالثًا: وحكاية “وما تدري نفس بأي أرض تموت”، تؤكد أن الإنسان مهما بلغ من العلم والرقي فإنه عاجز عن إدراك كنه الموت ذلك اللغز الذي قال عنه شاعر المهجر إيليا أبو ماضي:
إن يكُ الموتُ هجوعًا يملأ النفس سلامً
وانعتاقًا لا اعتقالًا وابتداءً لا ختاما
فلماذا أكره الموت ولما أعشق النوم ولا أهوى الحماما
ولماذا تجزع الأرواح منه؟
لست أدري.
إنه لغز تعامل معه المؤمنون باستعداد دائم للِّقاء المحتوم؛ مخاطبين الخالق الرحيم بقولهم: “واجعل لقاءك مأملنا في جميع ساعات الليل والنهار؛ ففازوا عند اللقاء. تمنيت أن يكون صديقنا البرازيلي الذي فاضت روحه في سماء السودان أن يكون من المتشوقين إلى لقاء الله المؤمنين بوحدانيته وإليه المصير.
رابعًا: أما حكاية حديقة أوزون فتدل على جمال الروح الذي يتمتع به الكاتب؛ حيث لا يترك ملاحظة تمر دون تأمل واعتبار؛ وجمال الطبيعة أحد نعم الله علينا.
إن التفكير نعمة من نعم الله حُرم منه الغافلون.
خامسًا: وحكاية شهر زاد أكدت نبل الشعب السوداني وتمتعه بالقيم الفاضلة، فشهر زاد نموذج للمرأة السودانية التي تتجسد فيها الإنسانيات السودانية، التي ليس أولها الأمانة ولا آخرها العفة، أفلا يحق لنا أن نفتخر بأننا سودانيون أنجبتنا امرأة سودانية سمراء؟!!!
أنا أفريقي أنا سوداني.
سادسًا: وحكاية “سر الاختلاف” لخص فيها الحكمة من الاختلاف الذي جعله الله آية من آياته للاعتبار، ولتوظيفه في عمارة الأرض بنهج التكامل وليس نهج التضاد.
سابعًا: لقد جاءت حكايته التاسعة عن الأب الراحل الأمير علي يعقوب الحلو “رحمه الله” معبرة عن مشاعرنا كلنا تجاه هذا الرجل العظيم الذي جسد أصالة السلف وإبداع الخَلَف في لوحة سودانية معبرة تمثل خريطة السودان بكل تفاصيلها. إن الأمير على يعقوب الحلو كان أمة. دعواتنا لرب العزة أن يتقبله مع من أحب من سلفنا الصالح في مقعد صدق عند مليك مقتدر.
ثامنًا: أما حكاية جده الحاج مكي عبد الرحيم الشيخ؛ فهي قصة يحتاج إليها هذا الجيل من الشباب الثائر، الذي أعاد الحيوية إلى المجتمع؛ ليمزج بين إقدام الشباب وحكمة الشيوخ وعصارة التجربة، فالحياة الإنسانية قوتها في التجربة المتراكمة، والاستفادة من توجيهات الكبار الذين يتميزون بالرزانة والخبرة والأبوة الحانية.
تاسعًا: وحكاية الإرادة وسر التغيير والتطور؛ تلخص المنهج الصحيح في حياة الإنسان، فَتَحَكُّم الإنسان في نفسه يمكنُه من إحداث التغيير نحو الأفضل. وصدق الله القائل: “إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ”[سورة الرعد:11].
عاشرًا: كيف ننصر الرسول صلى الله عليه وسلم، هذه الحكاية لخصت منهج الاقتداء الصحيح وهي جديرة بالقراءة المتكررة.
حادية عشرة: حكاية الإلحاد والملحدون الجدد؛ تؤكد أن بعض الناس مهما تعلم وساح في الأرض لم يستفيدوا من علمهم ولا من سياحتهم! واغتروا فتجرأوا على خالقهم ولو تأملوا قوله تعالى: “وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ وَالسَّمَوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ”[سورة الزمر:67]، لتواضعوا واستسلموا خاصة وهو يذكرهم قائلًا: “إنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لاَ يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا”[سورة فصلت:40]
ثانية عشرة: أما حكاية جدة غير؛ فهي لخصت رحلة الكاتب مع النجاح (تحديد الهدف – الرؤية – الوسيلة – المعوقات – مواجهة التحديات – العزيمة – النجاح).
وأخيرًا، إن قصة حياته التي تكرم بتسجيلها ونشرها وإتاحتها لكل طلاب النجاح، تعتبر مدرسة مفتوحة لكل من يريد أن يتعلم كيف يحدد أهدافه ويرسم خريطة لبلوغها، وكيف يواجه التحديات والعقبات؛ إنها قصةٌ أساسها الإخلاص والعزيمة والإيمان، وغذاؤها التفاؤل والجدية والقناعة، وأعداؤها المحبطون والمتشائمون والمترددون.
لقد استمتعت بهذه السياحة الفكرية الوجدانية. إنها قصة نجاح جديرة بالقراءة.

