سودانا_ تقارير
في بلد أنهكته الحرب لأكثر من ثلاث سنوات أصبح الذهب أحد أهم مصادر العملة الأجنبية، لكن الأرقام الرسمية تكشف فجوة واسعة بين ما ينتجه السودان وما يدخل عبر قنوات التصدير الحكومية، ما يثير أسئلة متزايدة بشأن مسارات الثروة التي يُفترض أن تمول الاقتصاد والخدمات ودور الذهب في اقتصاد الحرب.
قال وزير التعدين والطاقة السوداني الأسبق عادل إبراهيم ل”العين الإخبارية” إن عائدات الذهب لا تصل إلى الحكومة، أو إلى بنك السودان المركزي إذا كانت السلطة القائمة هي الجيش، مستنداً إلى بيانات رسمية قال إنها تظهر تصدير 14.7 طن فقط من الذهب خلال 2025 من إجمالي إنتاج قدره نحو 70 طناً.
وقال إبراهيم إن الكمية التي سجلتها الحكومة وأدخلتها في حساباتها بما في ذلك ما يخصص للمجهود الحربي، هي في حدود 14 طناً، بينما جرى تهريب نحو 56 طناً إلى خارج البلاد. واتهم مسؤولين حكوميين وجهات مرتبطة بقيادات في الجيش بالاستفادة من عمليات التهريب، قائلاً إن الأموال الناتجة عنها تُودع خارج السودان ولا تعود إلى الاقتصاد المحلي.
ولم يقدم إبراهيم في التصريحات المتاحة تفاصيل توثق هوية المسؤولين أو الجهات التي قال إنها تقف وراء عمليات التهريب، كما لم تتضمن المعلومات المتاحة رداً من الجيش على هذه الاتهامات.
وتكتسب تصريحاته وزناً أكبر عند مقارنتها بأحدث أرقام بنك السودان المركزي. فقد بلغت صادرات الذهب الرسمية في النصف الأول من 2026 نحو 1.135 مليار دولار، من تصدير 8,031.56 كيلوغرام، أي أكثر قليلاً من ثمانية أطنان. وشكل الذهب نحو 62.5% من إجمالي صادرات البلاد خلال الفترة التي بلغت 1.816 مليار دولار.
وكانت صادرات الذهب قد بلغت 370.7 مليون دولار في الربع الأول قبل أن تقفز إلى نحو 764.5 مليون دولار في الربع الثاني، مع ارتفاع الكمية المصدرة من 2,471.3 كيلوغرام إلى نحو 5,560.3 كيلوغرام.
لكن هذه الأرقام الرسمية تبدو محدودة مقارنة بتقديرات الإنتاج التي أعلنتها السلطات نفسها.
ففي يوليو 2026، قال وزير مالية سلطة الأمر الواقع جبريل إبراهيم إن السودان ينتج نحو 199 طناً من الذهب سنوياً، بقيمة تتجاوز 26 مليار دولار وإن معظم هذا الإنتاج لا يدخل خزينة الدولة، بل يجري تهريبه واصفاً الوضع بأنه «مخيف».
وتكشف المقارنة بين إنتاج سنوي مقدر بنحو 199 طناً وصادرات رسمية بلغت نحو 8 أطنان في نصف عام عن فجوة كبيرة، وإن كانت أرقام الإنتاج تقديرية ولا تعني بالضرورة أن كامل الإنتاج السنوي كان متاحاً للتصدير خلال الفترة نفسها.
بالنسبة إلى إبراهيم لا تمثل المشكلة مجرد خسارة إيرادات عامة. فهو يرى أن استمرار خروج الذهب من القنوات الرسمية يحرم الاقتصاد من مورد كان يمكن استخدامه لتمويل الزراعة والخدمات والسلع الأساسية في وقت تراجعت فيه قدرة الدولة على توفير هذه الاحتياجات بفعل الحرب.
وقال إن الذهب مورد قابل للنضوب بينما تمثل الزراعة مورداً أكثر استدامة، داعياً إلى توجيه عائدات المعدن النفيس نحو دعم الإنتاج الزراعي وبناء اقتصاد قادر على الصمود بعد الحرب.
لكن استمرار الحرب يجعل الذهب أكثر من مجرد مورد اقتصادي. فهو أصل ثمين يمكن نقله وبيعه خارج النظام المصرفي، فيما تتداخل شبكات التعدين والتجارة والتهريب مع مصالح الأطراف التي تملك النفوذ والقدرة على الوصول إلى الأسواق الخارجية.
وهنا تكمن المفارقة الأوسع: السودان يمتلك ثروة ذهبية تقدر بعشرات المليارات من الدولارات، لكن الدولة لا تملك إلا جزءاً محدوداً من عائداتها في وقت تتسع فيه الحاجة إلى الغذاء والخدمات والعملة الأجنبية.
وبينما تكافح الخزينة العامة لتوفير موارد الحرب والإنفاق المدني تظل الفجوة بين الذهب الذي يُنتج والذهب الذي يظهر في الحسابات الرسمية واحدة من أكثر علامات اقتصاد الحرب وضوحاً ثروة تخرج من باطن الأرض، لكن جزءاً كبيراً منها لا يجد طريقه إلى خزينة الدولة أو إلى حياة السودانيين.
المصدر العين الإخبارية

