الإثنين, أغسطس 17, 2026

كتب: حيدر المكاشفي

حالة الحكومة النص كم وشبه الدولة التي تكابدها البلاد منذ انقلاب أكتوبر 2021 والتي تواصلت بل وتفاقمت مع استمرار الحرب، أنتجت الكثير جدًا من المشاهد العبثية التي لا توصيف ولا تعريف لها إلا كونها حالة من الاستهبالات المتعددة والمستمرة، استهبالات سياسية واستهبالات دينية واستهبالات قانونية وعدلية واستهبالات اقتصادية واستهبالات أمنية وعسكرية، والاستهبال الديني هو أخطرها كما قال عنه ابن خلدون (الفتن التي تتخفى وراء قناع الدين تجارة رائجة جدًا في عصور التراجع الفكري للمجتمعات).. سيل متدفق من الاستهبالات لا ينقطع في كافة المجالات، تسمع وتقرأ اليوم عن استهبال سياسي، وغدًا عن استهبال ديني واليوم الذي يليه عن استهبال قانوني وهكذا دواليك حتى غرقت البلاد في دوامة من الاستهبالات غير المعقولة وغير المقبولة حتى وصلت حد السخف، فمنذ أن بدأت موجة الاستهبالات مع انقلاب الإنقاذ عام 1989، الذي دشن عهده المشؤوم بالمقولة الاستهبالية الذائعة (اذهب إلى القصر رئيسًا وسأذهب إلى السجن حبيسًا)،

ما زال المد الاستهبالي متواصلًا إلى يوم السودان المنكوب هذا، ومثل عبارة (اذهب إلى القصر رئيسًا وسأذهب إلى السجن حبيسًا)، دشن البرهان انقلابه بعبارة استهبالية مخاتلة (تصحيح مسار الثورة)، ثم توالت وتواترت الحركات الاستهبالية، نذكر منها على سبيل التمثيل للاستهبال السياسي، كنكشة وتشبث موقعي اتفاق جوبا بمقاعد السلطة في كل الحالات، في حال حل الحكومة أو بقائها، وفي حال تكوين حكومة من كفاءات مستقلة لا تنتمي سياسيًا ولا حركيًا، فمن استهبالهم أنهم يعتمرون أكثر من طاقية ويدخلون المحاصصة بأكثر من صرفة، يعني بالدارجي (طالعين ماكلين نازلين ماكلين) كالمنشار، مرة يعتمرون طاقية سلام جوبا ويتركشونها كمان، بعد أن ضمنت لهم محاصصاتهم ومخصصاتهم ووضعوها في جيوبهم وتوهطوا في وظائفهم الدستورية، ومرة أخرى يخلعون طاقية جوبا ويستبدلونها بطاقية المشاركة والانخراط في الحرب إلى جانب الجيش وتقديم التضحيات والشهداء، ومن آخر الاستهبالات السياسية ولا نقول أخيرها حوار البرهان المزمع ولك أن تقول المزعوم..

لقد قلنا من قبل ونعيد ونكرر القول اليوم عن حوار البرهان المزمع، إن من يسمع عن حوار البرهان يبدو له للوهلة الأولى أنه خطوة إيجابية يمكن أن تنقذ ما تبقى من البلاد التي أنهكتها الحرب والدمار والنزوح. لكن المشكلة ليست في مبادرة الحوار نفسها، بل المشكلة في صاحبها وتوقيتها وشروطها والواقع الذي يُفترض أن تُعقد فيه. فالسؤال الأول والمهم جدًا الذي يفرض نفسه، كيف يمكن إجراء حوار سياسي شامل بينما الحرب ما تزال مشتعلة في أجزاء واسعة من البلاد، ففي معظم دول العالم يتوقف إطلاق النار أولًا ثم يبدأ الحوار. فالحوار بطبيعته يحتاج إلى بيئة آمنة، وحريات مكفولة، وإمكانية تنقل، وإعلام حر، وضمانات للمشاركين. وحتى هذه الضمانات التي قدمها البرهان طرحها بطريقة استهبالية استكرادية، جاءت على طريقة الداخل إلى الحوار مولود والخارج منه مفقود، ثم كيف يجلس المتحاورون إلى طاولة الحوار فيما ما تزال المدافع تدوي والطائرات المسيّرة تحصد الأرواح، فذلك والله يشبه دعوة المراكبية الذين يتناولون طعامهم في عرض البحر ويلوحون لمن يقف في الشط أن يشاركهم الطعام، رغم استحالة تلبية هذه الدعوة. وأيضًا تأتي أزمة الثقة في البرهان صاحب الدعوة نفسه وهي الأزمة الأكبر، فمن حق فاقدي الثقة في البرهان أن يسألوا سؤالًا بسيطًا، أي نسخة من البرهان هي التي تدعو إلى الحوار، هل هو برهان 2019 الذي وعد بالانتقال المدني ونكص عن وعده، أم برهان 2021 الذي قرر أن أفضل طريقة لحماية الانتقال الديمقراطي هي الانقلاب عليه، أم هو برهان ما بعد الانقلاب الذي وقع الاتفاقات ثم دخل في خلافات حول الاتفاقات التي وقعها بنفسه، أم إنه برهان الحرب الذي أكد مرارًا أن الحسم العسكري هو الطريق الوحيد، أم هي نسخة جديدة ومنقحة للبرهان الجديد الذي اكتشف فجأة فضائل الحوار الوطني.. إن أزمة البرهان ليست في جمع السودانيين حول طاولة واحدة، بل في إقناعهم بأنه لن يقلب عليهم الطاولة لاحقًا، والمفارقة هنا أن الرجل الذي أمضى قرابة الأربع سنوات في إقناع السودانيين بأن المعارك الكبرى تُحسم بالقوة، إذا به يخبرهم فجأة اليوم بأن الحوار هو الطريق إلى المستقبل، فالبرهان ليس وسيطًا محايدًا بين أطراف متنازعة، بل هو أحد اللاعبين الأساسيين في المشهد الذي قاد البلاد إلى هذا الانسداد الكارثي، فخلال السنوات الثلاث الماضية امتلأت الساحة السودانية بالمبادرات والاتفاقات والوعود التي انتهت إلى لا شيء، أو جرى التراجع عنها عند أول منعطف. فعلى مدى هذه السنوات ظلت القوى السودانية بما فيها سلطة الأمر الواقع نفسها، تنتقل بين جدة والرياض وأديس أبابا والمنامة والقاهرة والمنابر الدولية المختلفة، لذلك لا غرابة بل من الطبيعي أن تُقابل الدعوة الجديدة بقدر كبير من الشكوك والريبة، ذلك أن الحوار الحقيقي والمنتج بحسب التعريف العالمي هو الذي يجمع المختلفين، أما حوار البرهان المزمع فيبدو أقرب إلى جمع المتفقين أصلًا ثم إصدار بيان يؤكد أنهم متفقون. والأكثر إثارة للسخرية أن الحديث عن حوار شامل يأتي مقرونًا بخطاب حربي يتحدث في الوقت نفسه عن مواصلة الحرب. الشاهد أن أيما حوار إذا ما انعقد دون شموله استحقاقات الحوار، سيظل حوارًا منقوصًا ومبتورًا، ولن يحقق الهدف المرجو منه بطي الأزمة المستفحلة. ولابد هنا من اعتراف البرهان بأنهم أدخلوا البلاد في محنة كبيرة في أن يكون لنا وطن معافى أو لا يكون، ولابد لهم كذلك من الاعتراف بأن حربهم التي أسموها زورًا (حرب الكرامة) لازمها الفشل الذريع، ولابد من إنهائها لاستعدال المسار المدني الديمقراطي مجددًا.

ولكي يكون الحوار منتجًا ومثمرًا لابد أولًا أن يتم بين من يكون بينهم خلاف، وإذا ما تم بين المتوافقين سيكون حوارًا مع الذات ولن يكون مفيدًا لحل أزمة بتعقيدات الأزمة السودانية. ولابد للحوار المنتج أيضًا أن يجري مع القوى الفاعلة والمؤثرة، وبغير ذلك لن يعطي النتيجة المرجوة منه. فالحوار ليس غاية بحد ذاته بل هو وسيلة لغاية أرقى وأسمى، وهي الوصول إلى حل الأزمة والخروج من هذا النفق المظلم. فالصحيح أن يبدأ الحوار بناءً على قناعة عدم جدوى الحرب والعنف والإيمان بالحل السياسي، فكيف والحال هذا أن ينعقد حوار في ظل العنف والقتل، فلا فائدة من حوار لا يصل إلى حل الأزمة ويرسم طريقًا واضحًا وواقعيًا للخروج منها، فالناس قد يتحملون خيبات الأمل لكنهم لن يتحملوا فقدان الأمل في حل الأزمة. وبوضوح أكثر يبقى الحوار الذي نحتاجه هو الحوار الذي يصنع الأمل وليس الذي يقتل الأمل. أما نسخة البرهان الحوارية فيبدو أن المطلوب منها أن ينتج الحوار حواريين لتكريس الأمر الواقع وترفيع البرهان إلى منصب رئيس الجمهورية ودعم استمرار الحرب. وفي ظل هذا الوضع الملتبس والمربك الذي سيجري فيه حوار البرهان المزمع، سيثير مخاوف حقيقية من النهايات التي سيخلص إليها، وما إذا كان سيشكل حلًا حقيقيًا للأزمة المتطاولة، أم أنه سيزيد الأزمة تأزيمًا ويدخل البلاد في دوامة تجاذبات جديدة وتظل الأزمة تراوح مكانها..