الجمعة, أغسطس 14, 2026

كتب/ الجميل الفاضل

ليس في كتاب الكون حرفٌ زائد، ولا في حركة الزمان موعدٌ بلا هدف.

فقد قال تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ﴾ وما بين آيات الآفاق والأنفس، هنا ترابٌ يحفظ، وماءٌ يروي، وجينٌ يكتب ما عجزت المحابر عن كتابته.

لكن متى يُرينا سبحانه ما يريد من بين تضاعيف هذه الأنفس، وما وراء هذه الآفاق؟ فهذا سرّه وشأنه؛ أين ومتى يكشف ويزيح عنه الغطاء؟

ولعلّ من أعجب ما في هذا الزمن أن الأرض، حين اشتدّ عليها البلاء، بدأت تتكلم. يتكلم الجينوم بلغة لا تعرف المراوغة، وتتكلم الحفريات بلسانٍ أقدم من الدول والحدود، لتفتح طبقات الأرض دفاترها القديمة.

كأن السودان، وهو في أشدّ ساعات محنته، يُستدعى إلى ذاكرته الأولى. وكأن هناك من يقول له: لا تنسَ من أنت، وأنت ترى ما حولك يتداعى. كان الباحثون يرون وادي النيل طريقاً تعبره القوافل البشرية، وممراً في خارطة الهجرات الكبرى. ثم جاءت اليوم «سنريهم» ذاتها، فجاء الجينوم، ومعه الحفريات، وملايين البيانات، فبدأت الصورة في ذهن العالم تتبدل.

لم يعد السودان مجرد طريقٍ بين بداياتٍ بعيدة، لكنه صار واحداً من أهم المواضع التي تستحق أن تُقرأ في قصة الإنسان الأولى. إذ في هذا الحوض الذي شقه النيل، تراكمت طبقات الزمن حتى صار التراب نفسه شاهداً على عراقة الحضور البشري.

ومن سنجة قبل مائة وستين ألف سنة، تطل جمجمة إنسانٍ غابر كأنها رسالة مختومة بذات الآية: لقد كان هنا إنسانٌ يحمل آثار الضعف، ويعيش رغم العجز، في جماعةٍ لم تتركه للموت.

هي لمحة تكاد حفريات الإنجليز تتجاوز فيها علم التشريح إلى علم الأخلاق. إذ حين يبقى الضعيف، ولا يُترك وحيداً، يولد معنى أقدم من القوانين: وكأن أولى آيات الإنسانية في سنجة لم تُكتب على حجر، إنما كُتبت في يدٍ امتدت إلى جسدٍ لا يستطيع أن يمدّ يده.

هنا لا يصبح التراب شاهداً على عمر الإنسان فقط، لكنه قد يصبح شاهداً على أن الإنسان لم يبدأ بالافتراس، وإنما بدأ أيضاً بالعناية. ثم انظر إلى الخريطة بعينٍ لا تكتفي بالنظر.

هناك، حيث يأتي النيل الأبيض من جهة الجنوب، ليلتقي بالنيل الأزرق القادم من الشرق، ليقف المقرن كأنه قطرة في بحر، أو نقطة في كتاب. فمجمع البحرين، تسميةٌ سودانية تكاد تلامس التعبير القرآني بدهشةٍ لا تحتاج إلى كثير شرح.

حيث يلتقي الماء بالماء، ويلتقي الظاهر بالباطن، ويلتقي العلم الذي كُتب في الصحف بالعلم الذي أُودع في السريرة.

موسى يسأل، والخضر يعلم. والبحر، في كل مرة، ليس ماءً فقط. إنه حدٌّ بين عالمين، وعتبةٌ بين ظاهرٍ وباطن، وبابٌ يفتح السؤال على ما وراء السؤال. ولذلك ربما لم يكن غريباً أن يكون السودان، في عمق جغرافيته، بلداً من ماءين، ومن لونين، ومن سلالات وثقافات، ومن طرقٍ تتقاطع ثم لا تفنى في بعضها.

فالسودان، في أجلى صوره ومعانيه، ليس خليطاً مضطرباً، إنما هو مجمع، لا يلغي البحرين، وإن أذابهما في مجرى واحد. إذن فما الذي يعنيه أن تتقدم الآن علوم الجينات في زمنٍ تتراجع فيه السياسة؟

أن يفتح العلماء شفرة الإنسان، بينما تُغلق الحرب أبواب السودان أمام أبنائه؟ وأن تنبش الحفريات عن أقدم آثار الحياة، بينما تُدفن في حاضرنا مدنٌ وقرى وذاكرة؟

ربما كان في الأمر مفارقة تستحق التأمل. فالإنسان، عندما يعجز عن معرفة نفسه بالسياسة، قد يجدها في البيولوجيا. فوقت تمحو الحرب ملامح الأرض، تأتي الجينات فتقول: هذه الأرض ليست بلا ذاكرة.

وحين يحاول السلاح أن يجعل السودان يبدأ من الصفر، ينهض التراب من تحت الركام ليقول: كان هنا بدءٌ قبل أن تكونوا.

من هنا يبدأ سؤال عرفاني: لماذا كل هذا يحدث الآن؟ لماذا، في هذه اللحظة التي يُستنزف فيها السودان في حربٍ تكاد تنزع عنه اسمه، تتوالى الإشارات العلمية إلى عمق حضوره في قصة الحياة البشرية؟

لا أقول إن العلم جاء ليثبت عقيدةً سياسية، ولا إن الحفريات تحمل وحدها مفتاح الغيب.لكنني أقول: إن تزامن الكشف مع الابتلاء يستحق أن يُقرأ.

فقد يكون العلم حين يكتشف شيئاً في الأرض، هو لا يكتشف مجرد الأرض، لكنه يعيد الأذهان إلى سؤال الهوية. وقد تكون المحنة، في وجهها الآخر، عمليةَ اقتلاعٍ للوهم كي ترى الشعوب جذورها الأعمق.

إنه قانون الابتلاء نفسه: فوقت تضيق الدائرة، تظهر النواة، وحين يسقط الزائد، يبقى الأصل، وعندما تتهاوى الأسماء، تتكلم الحقيقة.

عموماً لقد اعتاد السودان لزمن طويل أن يُقرأ من خارجه: هامشاً، معبراً، ساحةً للصراع، مخزناً للموارد، أو رقعةً قابلة للتقسيم. لكن ثمة قراءة أخرى تفرض نفسها اليوم، تخرج من هذا التراب نفسه.

قراءة تقول: إن هذا البلد ليس هامشاً في قصة الإنسان، بل هو واحدٌ من مواضع مؤثرة في ذاكرته القديمة. ليس لأنه يريد أن يكون الآن مركزاً بديلاً، فالمركزية كحالة لا تُعلن عن نفسها بالأقوال.

فالنهر لا يقول: أنا الشريان، والجذر لا يقول: أنا الأصل، والرحم لا يرفع رايةً ليقول: هنا بدأ الميلاد، إنما هو فقط يحفظ السر. ولذلك فإن السودان، ربما كان كذلك: رحماً يحفظ السر، ونقطةً تلتقي عندها الطرق، وماءين يلتقيان، وتراباً يحفظ ما نسيه الناس.

المهم، حين نرى السودان اليوم في قلب هذا المخاض العنيف، لا ينبغي أن نقرأ المشهد بعين هذه الحرب وتداعياتها فقط. فالحرب تروي الخراب، أما التاريخ فيرى الطبقات، والسياسة تقرأ اللحظة، أما الجغرافيا فتنظر إلى ما وراء آلاف السنين.

وفيما ترى البندقية الإنسان عدواً، يراه الجين كذلك أخاً في شجرة واحدة. على أية حال، هنا تلوح مفارقة كبرى: إذ كلما حاولت الحرب أن تفرّق السودانيين، جاءت الجينات لتذكرهم أنهم أبناء شجرة واحدة.

وكلما حاولت السياسة أن تجعل السودان أطرافاً متنازعة، جاء النهر ليقول لهم: أنا لا أعرف حدودكم. وكلما حاولت اللحظة أن تقنعهم بأنهم بلا مستقبل، فتحت الجبال كتابها المكنون لتقول: أنتم أقدم من هذه المحنة، وإنه ليس كل ما يُدفن يموت، وأن بعض الأشياء تُدفن كي تُنبت.

وأن بعض الأسرار لا يفتحها الله إلا حين تشتد الحاجة إليها. وبالتالي فإني أظن أن السودان اليوم يقف عند عتبة كهذه: بين ترابٍ يحفظ البداية، وماءين يعلنان اللقاء، وجينومٍ يحمل الذاكرة، وشعبٍ يبحث، وسط هذا الركام، عن نفسه.

هنا، عند مجمع البحرين، قد لا يكون السؤال: من نحن؟ بل أيُّ سرٍّ هذا الذي أودعه الله فينا، فبقي محفوراً كل هذا الزمن؟ وقد يكون جواب هذا السؤال مختبئاً في أقدم الأشياء: في التراب، في الماء، في الدم، في الجين، وفي تلك الفطرة الأولى التي لم تستطع الحرب أن تقتلها.