الصراع على الفضاء العام
الحلقة الخامسة: عهد البشير، القمع الممنهج وبناء الظل (1989–2013)
بقلم أ/ آدم راشد
مقدمة
في الحلقة الرابعة، تتبعنا مسيرة المجتمع المدني السوداني بعد الاستقلال، من 1956 إلى 1989. رأينا كيف انخرط في السياسة، وكيف واجه الديكتاتوريات، وكيف قاد انتفاضتين ناجحتين أسقطتا نظامين عسكريين، وكيف أخفق في ترجمة هذه الانتصارات إلى نظام ديمقراطي مستقر. انتهت تلك الحلقة بانقلاب 30 يونيو 1989، الذي جاء بحسن البشير إلى السلطة، وفتح عقدًا كاملًا من الديكتاتورية، سيكون الأقسى في تاريخ السودان الحديث.
هذه الحلقة الخامسة هي حلقة المفارقة الكبرى. فيها سنرى كيف واجه المجتمع المدني أقسى أنواع القمع على مدى ثلاثين عامًا، وكيف حافظ على نفسه في الظل، وكيف بنى من تحت الرماد شبكات مقاومة ستكون الأساس لثورة ديسمبر. لكننا سنرى أيضًا الوجه الآخر: كيف انخرطت قطاعات من المجتمع المدني في المحاصصات والتعينات السياسية، وكيف انزلقت من موقع الرقابة والمعارضة إلى موقع الكوتة والمشاركة في نظام لم تتغير طبيعته الجوهرية.
نظرًا لطول المادة وتشعبها، ارتأينا تقسيم هذه الحلقة إلى أربع حلقات، في هذه الحلقة الخامسة، نتناول:
القمع الممنهج وبناء الظل (1989-2013)
مع وقفة عند أبرز المفكرين الذين أطّروا للمجتمع المدني السوداني، وفي مقدمتهم الراحلون: د. عبد الرحيم بلال، د. حسن عبد العاطي، ود. حيدر إبراهيم علي، الذي رحل عن دنيانا قبل يومين، تاركًا إرثًا فكريًا ونضاليًا كبيرًا.
القمع في سنواته الأولى: تصفية المجتمع المدني
وصل البشير إلى السلطة في 30 يونيو 1989، بتحالف بين الجيش والجبهة الإسلامية القومية بقيادة حسن الترابي. وكان أول ما فعله هو تصفية المجتمع المدني. ففي الأشهر الأولى، حُلّت النقابات المستقلة، وأُغلقت الصحف المعارضة، واعتقل الآلاف من الناشطين والنقابيين والمهنيين والطلاب. وبدأت حملة تطهير في الجيش والجامعات والمؤسسات العامة، تحت ذريعة “تصفية النظام القديم”
وهكذا، انتقل المجتمع المدني السوداني من موقع الفاعل العلني إلى موقع المقاومة السرية. فالنقابات التي كانت قادرة على تنظيم إضرابات عامة في الثمانينيات، وجدت نفسها مضطرة للعمل في الظل. والصحافة الحرة التي كانت منبرًا للنقد، أصبحت إما صامتة أو مهاجرة. والأحزاب التقليدية، التي كانت تتنافس على السلطة في الديمقراطية الثالثة، وجدت نفسها في السجون أو المنافي.
وقد استمر هذا القمع بدرجات متفاوتة على مدى ثلاثين عامًا. لكنه لم يكن قمعًا أعمى. كان قمعًا انتقائيًا وذكيًا، يهدف إلى تفكيك البنية التنظيمية للمجتمع المدني، وليس فقط قمع الأصوات المعارضة. فقد صدر قانون المنظمات لعام 2006، الذي قيّد التمويل والنشاط، وجعل تسجيل أي منظمة مدنية رهينًا بموافقة مفوضية الشؤون الإنسانية، التي كانت تتبع الأجهزة الأمنية.
لكن هذا القمع الممنهج، رغم قسوته، لم يقضِ على المجتمع المدني. بل على العكس، دفع إلى ظهور أشكال جديدة من التنظيم، أكثر مرونة، وأقل رسمية، وأقرب إلى القواعد الشعبية.
أبرز المفكرين الذين أطّروا للمجتمع المدني السوداني
قبل أن ننتقل إلى مرحلة بناء الظل، لا بد من التوقف عند المفكرين الذين أطّروا للمجتمع المدني السوداني، والذين رحلوا عن دنيانا تاركين إرثًا فكريًا كبيرًا.
د. عبد الرحيم بلال (1936–2025): أب المجتمع المدني
يُعد الدكتور عبد الرحيم بلال واحدًا من أبرز المؤسسين الفكريين للمجتمع المدني في السودان. عمل لسنوات في مؤسسة فريدريش إيبرت، حيث قاد نقاشات شجاعة مع القوى السياسية حول دور الجمعيات والتعاونيات، في وقت كانت فيه تلك المؤسسات تُحارَب وتُشكك فيها من قبل الأنظمة السلطوية.
لم تكن فكرة المجتمع المدني عند بلال مجرد شعار، بل كانت مشروعًا فكريًا وميدانيًا. من أبرز مؤلفاته “القضية الاجتماعية والمجتمع المدني” (2004)، الذي يُعد مرجعًا أساسيًا في هذا المجال. كان يرى أن دور المجتمع المدني لا يقتصر على بناء السلام فحسب، بل يمتد ليشمل صناعته والمحافظة عليه، مؤكدًا أن المجتمع المدني هو ضمير المجتمع ونبضه الحي.
د. حسن عبد العاطي (1957–2020): مناضل المنتدى المدني القومي
الدكتور حسن عبد العاطي هو واحد من أبرز رموز حركة المجتمع المدني في السودان والمنطقة العربية. كان أستاذًا للجغرافيا في جامعة الخرطوم، والأمين العام للمنتدى المدني القومي في السودان، كما شغل منصب الأمين العام للشراكة الجديدة لتنمية إفريقيا (نيباد).
ساهم عبد العاطي بشكل كبير في صياغة مسار التحول الديمقراطي بالسودان، وكان أحد أبرز الرموز المؤسسة لقوى إعلان الحرية والتغيير. من أبرز إسهاماته تحرير كتاب “السودان: السلام القريب البعيد” (2008)، بالاشتراك مع جلال الدين الطيب. رحل عبد العاطي في حادث مفاجئ عام 2020 أثناء قيامه بعمل ضمن تعزيز السلام والحوار الديمقراطي في السودان.
د. حيدر إبراهيم علي (المفكر):
الدكتور حيدر إبراهيم علي هو أحد أبرز المفكرين السودانيين والعرب، وقد أسس مركز الدراسات السودانية في القاهرة، الذي أصبح منبرًا مهمًا للبحث والتحليل في الشأن السوداني. اهتم في مشروعه الفكري بدراسة المجتمع المدني وعلاقته بالدولة والثقافة والسياسة، من خلال قراءة نقدية تأخذ في الاعتبار الإرث الاستعماري وما بعد الاستعماري.
من أبرز مؤلفاته “المجتمع المدني والتحول الديمقراطي في السودان” (1996)، و”المجتمع المدني والمجتمع التاريخي في السودان” (2001). يرى حيدر إبراهيم أن دور المجتمع المدني في عملية التغيير مشروط بحداثة القوى المكونة له، أي بقدرة هذه القوى على تجاوز البنى التقليدية والجهوية والطائفية.
وقد ظل فاعلًا في النقاش العام حتى السنوات الأخيرة، حيث أطلق مبادرة “الميثاق القومي للسلام والتنمية” عام 2025 محذرًا من أن المجتمع المدني ونشطاء التحول الديمقراطي في السودان يعيشون”حالة ركود مطلق وبيات شتوي غير محدود.
رحل الدكتور حيدر إبراهيم علي عن دنيانا قبل يومين اي يوم الجمعة الماضي الموافقلا25/9/2026، تاركًا إرثًا فكريًا كبيرًا، ومسيرة حافلة بالعطاء، فله الرحمة والمغفرة.
د. عطا البطحاني: أكاديمي وناقد
البروفيسور عطا البطحاني، أستاذ العلوم السياسية في جامعة الخرطوم، هو أحد أبرز الأكاديميين الذين درسوا المجتمع المدني السوداني. ركز في أعماله على العلاقة بين نشأة الأحزاب السياسية وتطور المجتمع المدني، موضحًا أن نشأة الأحزاب أدت إلى نمو وتطور المجتمع المدني المستقل عن السلطة السياسية.
كما أشار البطحاني إلى ثلاثة مراحل مر بها المجتمع المدني السوداني: مرحلة النشأة المرتبطة بالحركة الوطنية، ثم مرحلة التفسخ والانقسام، ثم مرحلة أحكام الدولة القيود عليه. ويرى أن سيطرة النمط الحزبي التقليدي أضعفت روح الثورة، لأن هذا النمط أعاد إنتاج المحاصصة والجهوية بدلًا من بناء مؤسسات مدنية حقيقية.
المبادرات المحلية ومجموعات المطالبة (2013–2018)
بعد احتجاجات 2013 التي قمعها النظام بوحشية، قُتل فيها أكثر من مئتي متظاهر، بدأت تظهر في السودان أشكال جديدة من الفعل المدني. لم تكن جمعيات ولا نقابات ولا أحزابًا، بل مبادرات محلية ومجموعات مطالبة، نشأت في الأحياء والمدن والقرى، بعيدة عن العاصمة، وبعيدة عن السياسة الحزبية.
هذه المبادرات استندت إلى تقليد سوداني عميق هو “النفير” ، أي الدعوة للتعبئة الجماعية للعمل الطوعي. فحيث فشلت الدولة في تقديم الخدمات، جاء المتطوعون لسد الفراغ: عيادات مجانية، وبرامج تعليم، ومشاريع مياه، ومساعدة للأسر المحتاجة. وفي الوقت نفسه، رفعت مجموعات المطالبة أصواتها ضد سياسات محددة تضر بمجتمعاتها المحلية.
المهم في هذه المبادرات أنها لم تكن منظمة حول سياسة حزبية أو معارضة مباشرة للبشير، بل حول قضايا محلية. وهذا أعطاها شرعية وقدرة على التحرك في مساحات ضيقة، بعيدًا عن رادار الأجهزة الأمنية. لكنها في الوقت نفسه درّبت الشباب على التنظيم، والتخطيط، والتعبئة. وهذا التدريب سيكون حاسمًا في 2018–2019 .
ورش العمل والتدريب على النضال اللاعنفي
إلى جانب المبادرات المحلية، انتشرت في السودان قبل ثورة ديسمبر ورش عمل وتدريبات في مجال النضال اللاعنفي والمشاركة المدنية، بالاضافة الى حقوق الانسان والعدالة والسلام.
نظمتها منظمات محلية بتمويل ودعم من منظمات دولية، وشملت مئات الناشطين من مختلف المناطق.
هذه التدريبات غطت موضوعات متنوعة: كيفية تنظيم حملة، وكيفية التعامل مع وسائل الإعلام، وكيفية حماية الناشطين، وكيفية الحفاظ على سلمية الاحتجاج. كما نظمت لقاءات بين ناشطين سودانيين ونظرائهم من المحيط الاقليمي، تعلموا منها دروس هامة وتعاون مفيد، وقدمت هذه الورش شبكات وروابط بين نشطين من مناطق مختلفة، كانت معزولة عن بعضها البعض في السابق. وعندما جاءت لحظة الثورة، كانت هذه الشبكات جاهزة للتحرك.
خاتمة الحلقة الخامسة
في هذه الحلقة الخامسة، تتبعنا المرحلة الأولى من عهد البشير، من 1989 إلى 2013. رأينا كيف واجه المجتمع المدني أقسى أنواع القمع في سنواته الأولى، وكيف تفككت بنيته التنظيمية، وكيف انتقل من الفاعل العلني إلى المقاومة السرية. لكننا رأينا أيضًا كيف أن هذا القمع لم يقضِ عليه، بل دفعه إلى إعادة تشكيل نفسه بأشكال جديدة: مبادرات محلية، ومجموعات مطالبة، وورش تدريب، وشبكات ناشطين.
كما تعرفنا على أبرز المفكرين الذين أطّروا للمجتمع المدني السوداني: د. عبد الرحيم بلال، أب المجتمع المدني؛ د. حسن عبد العاطي، مناضل المنتدى المدني القومي؛ د. حيدر إبراهيم علي، المفكر والمؤسس؛ ود. عطا البطحاني، الأكاديمي والناقد. هؤلاء، وغيرهم، أنتجوا فكرًا وممارسة ساهما في تشكيل وعي المجتمع المدني السوداني.
وإذ نودع في هذه الأيام الدكتور حيدر إبراهيم علي، فإننا نستذكر إسهاماته الكبيرة في دراسة المجتمع المدني السوداني، وندعو له بالرحمة والمغفرة. كما نستذكر الراحلين عبد الرحيم بلال وحسن عبد العاطي، الذين تركوا بصمات لا تُمحى في مسيرة المجتمع المدني السوداني.
لكن هذه الحلقة كانت فقط البداية. ففي الحلقة السادسة، سنتناول نداء السودان، تلك المحاولة الجريئة لتوحيد المعارضة السودانية في مواجهة النظام. كيف وُلد النداء؟ ولماذا أخفق في التحول إلى حركة جماهيرية؟ هذا ما سنتناوله في الحلقة القادمة.
هذه الحلقة الخامسة من سلسلة تحليلية عن المجتمع المدني في السودان، ضمن دراسة أوسع لأزمة الدولة السودانية المزمنة. السلسلة تهدف إلى تقديم دراسة معمقة ومتسلسلة، تجمع بين التحليل التاريخي والسوسيولوجي والسياسي، لتكون مرجعًا للباحثين والمهتمين، وشهادة على دور المجتمع المدني في تاريخ السودان الحديث.
وإلى اللقاء في الحلقة السادسة: “نداء السودان: لحظة الوحدة الموعودة وخيبة الأمل

