قرأة في كتاب العدالة الانتقالية ح(1)
بقلم: الاستاذ/ آدم راشد المحامي
في أعقاب الحرب العالمية الثانية، صاغ العالم “عقده الاجتماعي الجديد” بحروف من دم ودموع، معلناً أن كرامة الإنسان ليست منحة من السلطان، بل حقاً أصيلاً لا يقبل المساومة. ومنذ ذلك الحين، شهدت قارات العالم — من رعب الديكتاتوريات في أمريكا اللاتينية إلى مجازر التطهير العرقي في يوغوسلافيا ورواندا — مخاضاً عسيراً لتطوير آليات تحمي البشر من بطش “جرائم الدولة”. واليوم، يقف السودان في قلب هذا الاختبار التاريخي، حيث تتقاطع جراح الماضي مع واقع النزاعات الراهنة، مما يطرح تساؤلاً وجودياً: هل يمكن للدروس الدولية أن تخرج السودان من دائرة العنف المفرغة؟
مختبرات الألم والمآسي: ما الذي تعلمناه من التجارب العالمية؟
لقد أثبتت تجارب التاريخ أن الانتهاكات الجسيمة ليست قدراً محتوماً، بل هي نتيجة طبيعية لغياب المحاسبة. فمن ذكرى “الأخوات ميرابال” في الدومينيكان، “الفراشات الثلاثة” التي باتت أيقونة عالمية لمناهضة العنف ضد المرأة، تعلمنا أن الانتهاكات تبدأ حين يُنظر للفرد كأداة لا كغاية. ومن حروب البلقان وأفريقيا، استخلص العالم دروساً قاسية :
المسؤولية عن الحماية: لم يعد أمر منع قمع الشعوب شأناً داخلياً؛ فالمجتمع الدولي اليوم يمتلك — نظرياً — تفويضاً بالتدخل حين تعجز الدولة عن حماية مواطنيها
مركزية العدالة: إن السلام الذي يُبنى على الإفلات من العقاب هو “هدنة مؤقتة” تتهيأ للانفجار في أي لحظة، العدالة وإن تأخرت، ستظل هي المطلب الأكثر إلحاحاً لتضميد جراح وطنٍ طال انتظاره للسكينة.
سلطة القواعد الآمرة: إن حظر التعذيب والإبادة الجماعية ليس مجرد نص قانوني، بل هو “قاعدة آمرة” تعلو فوق أي قوانين محلية أو حصانات سياسية .
السودان: أزمة الدولة والعدالة المعطلة
إن ما شهده السودان، منذ أزمة دارفور وصولاً إلى النزاع المسلح الحالي، يمثل تجسيداً لكافة التحديات التي واجهت حركة حقوق الإنسان عالمياً. إن معضلة السودان تكمن في “تغول المؤسسة العسكرية” على حساب الدولة المدنية، واستخدام العنف كأداة للسيطرة، مما جعل من الانتهاكات الجسيمة جزءاً من هيكل الصراع لا عرضاً جانبياً له .
لقد أخفقت اتفاقيات تقاسم السلطة السابقة بين الحكومة ومعارضيها من حملة السلاح لأنها تجاهلت “العدالة وجبر الضرر” وركزت على توزيع المناصب بين أمراء الحرب، مع استمرار انكار المظالم، وفي الشأن اذكر هناك عدد من الاتفاقات بدءا من (اتفاقية الخرطوم 1997 وحتى اتفاق جوبا لسلام السودان 2020) وهنا تبرز الحاجة الملحة للاستفادة من آليات “العدالة الانتقالية” التي جربتها دول مثل جنوب أفريقيا والارجنتين وتشيلي؛ حيث الحقيقة ليست وسيلة للتشفي، بل هي الجسر الوحيد الذي يمكن للفرقاء عبوره للوصول إلى مصالحة وطنية حقيقية.
سبل الخروج: نحو خارطة طريق للإنقاذ
لإخراج السودان من هذا النفق، يجب الانتقال من “الخطابات المطالب الحقوقية” إلى “التدابير الإجرائية” الملموسة :
أولاً: تفعيل الرقابة الدولية المباشرة: إن دور “الإجراءات الخاصة” للأمم المتحدة — من مقررين خواص وفرق عمل ومكتب مفوضية حقوق الانسان بالسودان — يجب أن يكون دورا محورياً، فالسودان له تاريخ طويل مع الاجراءات الخاصة منذ تعيين أول مقرر خاص لحالة حقوق الانسان في السودان عام 1993ووضعه تحت ولاية “البند الرابع” واليوم يحتاج إلى “عين دولية” دائمة وشفافة لا تكتفي بالتقارير، بل ترفع “نداءات عاجلة” تضع الضغط على الأطراف المتقاتلة لوقف الانتهاكات فوراً.
ثانياً: العدالة كشرط للسلام: لا ينبغي أن يكون القضاء على “جرائم الدولة” مؤجلاً لما بعد الاستقرار. إن توثيق الانتهاكات الآن، وربط أي عملية سياسية بملف المساءلة، هو الضمانة الوحيدة لمنع تكرار المآسي.
ثالثاً: حماية الفئات المستضعفة: إن العنف الجنسي الذي يُستخدم كسلاح في النزاعات السودانية يجب أن يُقابل بآليات حماية دولية صارمة، تدمج قضايا المرأة ليس كضحايا، بل كشريكات في صناعة السلام وبناء المؤسسات التي تضمن الحماية وعدم التكرار وانتاج دورات العنف.
رابعاً: الإصلاح المؤسسي: لا مخرج دون إصلاح هيكلي للقوات الأمنية والقضاء، بحيث تتحول من أدوات “للحماية الشخصية للسلطة” إلى مؤسسات “لخدمة العدالة وسيادة حكم القانون.”
خاتمة: العدالة ليست ترفاً في الطلب
إن الدرس الأهم الذي يمنحنا إياه التاريخ هو أن “العدالة هي شرط للسلام، لا نقيض له”. إن السودان ليس في حاجة إلى مزيد من الاتفاقيات الهشة التي تعيد إنتاج الأزمات، بل هو في حاجة إلى “إرادة وطنية” مسنودة بـ “ضمانات دولية” تحترم القواعد الآمرة للقانون الدولي.
إن الطريق نحو استقرار السودان طويل، لكنه يبدأ بخطوة شجاعة: الاعتراف بأن الجروح التي لا تُعالج بالعدالة لا تلتئم، بل تتعفن لتنتج حروباً جديدة. لقد حان الوقت لأن يتحول التضامن العالمي مع ضحايا السودان من “تعاطف إنساني” إلى “فرض واقع حقوقي” يجعل من كرامة المواطن السوداني خطاً أحمر لا يمكن تجاوزه تحت أي ظرف سياسي.
والى اللقاء في الحلقة القادمة.

