الجمعة, يوليو 24, 2026

كتب/  خالد عمر يوسف

المصدر: Washington Examiner

خلال الحرب العالمية الثانية، قال ونستون تشرشل أن «الحقيقة ثمينة إلى درجة أنها ينبغي أن تكون دائمًا محاطة بحرس من الأكاذيب». وفي السودان، حجبت سنوات من التضليل حقيقةً محورية: فقد لعبت جماعة الإخوان المسلمين دورًا حاسمًا في إشعال الحرب في البلاد. لكن هناك حقيقة أكثر أهمية تستحق قدرًا أكبر من الاهتمام.

إن مشروع جماعة الإخوان المسلمين في السودان ليس مجرد صراع داخلي على السلطة، بل هو مشروع إسلاموي يلتقي استراتيجيًا مع الطموحات الإقليمية لإيران، بما يعزز جهودها لتوسيع نفوذها عبر البحر الأحمر وأفريقيا. وبالنسبة لطهران، يمثل السودان قيمة استراتيجية لا تُقدّر بثمن. فهو يوفر منفذًا إلى أفريقيا، وأكثر من 500 ميل من السواحل على البحر الأحمر، وموقعًا يساعد على ربط شبكة إيران الممتدة من العراق ولبنان إلى الحوثيين في اليمن. وتوضح التهديدات الإيرانية الأخيرة بتعطيل كل من مضيق هرمز وباب المندب كيف يمكن أن تتحول السيطرة على الممرات المائية الاستراتيجية إلى أداة نفوذ جيوسياسي. ومن شأن حركة إسلاموية حليفة تسيطر على السودان أن تعزز هذه الاستراتيجية بصورة كبيرة.

ولا تقتصر أهمية السودان على موقعه الجغرافي. فهو يقع عند تقاطع القرن الأفريقي والشرق الأوسط ومنطقة الساحل، ويضم احتياطيات كبيرة من الذهب، ومعادن نادرة، وإمكانات زراعية هائلة. ومع ذلك، فمنذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، انحدرت البلاد إلى واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في العالم، حيث قُتل عشرات الآلاف، وشُرد الملايين. وغالبًا ما يُصوَّر الصراع على أنه مجرد مواجهة بين جنرالين متنافسين. لكن هذا التفسير يتجاهل الأزمة السياسية الأعمق في السودان.

فبعد حكم استمر ثلاثة عقود، استولت جماعة الإخوان المسلمين على الدولة، تاركةً مؤسساتها متشابكة بعمق مع إيران وشبكات الإسلام السياسي العابرة للحدود، بينما حالت بصورة منهجية دون نشوء نظام وطني جامع. ويعود التعاون بين طهران والإسلامويين في السودان إلى ثمانينيات القرن الماضي، عندما أقاموا علاقات استراتيجية عقب الثورة الإسلامية في إيران. وبعد استيلائهم على السلطة عام 1989، أعاد الإسلامويون في السودان تشكيل المؤسسات الأمنية في البلاد وفق النموذج الإيراني، وعززوا التعاون العسكري والاستخباراتي مع طهران.

كما أصبح السودان مركزًا لشبكات الإسلام السياسي الدولية، واستضاف أسامة بن لادن خلال تسعينيات القرن الماضي. وأسهمت هذه البيئة في تصنيف السودان من قبل الولايات المتحدة دولةً راعيةً للإرهاب، وأصبحت جزءًا من المنظومة التي مكنت من تنفيذ هجمات إرهابية كبرى ضد الولايات المتحدة، بما في ذلك تفجيرات السفارتين الأمريكيتين في كينيا وتنزانيا، والهجوم على المدمرة الأمريكية كول، وفي نهاية المطاف هجمات الحادي عشر من سبتمبر.

شكّلت ثورة عام 2019 قطيعة حاسمة مع ذلك المسار. فقد سعت الحكومة الانتقالية المدنية في السودان إلى تنفيذ إصلاحات ديمقراطية واقتصادية، وأبعدت البلاد عن ماضيها الإسلامي، وأعادت العلاقات مع الولايات المتحدة، وانضمت إلى اتفاقيات أبراهام. لكن انقلاب أكتوبر 2021 الذي نفذه الجيش السوداني وقوات الدعم السريع عكس ذلك التقدم، وأعاد النفوذ الإسلامي داخل مؤسسات الدولة. ومنذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، توسع هذا النفوذ داخل المؤسسات الخاضعة لسيطرة السلطات التي يهيمن عليها الجيش السوداني، في الوقت الذي تعافت فيه العلاقات مع إيران بسرعة.

وتشير الأدلة إلى أن تلك العلاقات لم تعد تقتصر على الجانب الدبلوماسي. ففي أبريل، وجهت السلطات الأمريكية اتهامات إلى المواطنة الإيرانية شميم مافي بالتوسط في صفقات أسلحة إيرانية تزيد قيمتها على 70 مليون دولار لصالح الجيش السوداني، شملت طائرات مهاجر-6 المسيّرة، وصواعق قنابل، وأسلحة أخرى مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني. وخلصت دراسة صدرت في يونيو عن Century International وبرنامج XCEPT البحثي إلى أن إيران أعادت بناء شراكتها مع الجيش السوداني عبر شبكات إسلاموية، من خلال تزويده بطائرات مهاجر-6 المسيّرة، ودعم إنتاج الطائرات المسيّرة محليًا.

ويحذر التقرير من أن السودان قد يتحول إلى مركز لوجستي لشبكة إيران الإقليمية للطائرات المسيّرة، بينما تستفيد هذه الفصائل من العمل عبر مؤسسات الدولة المعترف بها دوليًا. ويفترض التقرير أن شبكات الإسلامويين في السودان يمكن إبعادها عن إيران عبر تقديم شراكات بديلة لها. لكن أربعة عقود من التاريخ تشير إلى خلاف ذلك. فالعلاقة مع طهران تحركها التوافقات الأيديولوجية والأهداف الاستراتيجية المشتركة، وليس الاعتبارات البراغماتية وحدها.

إن تغيير الراعي الخارجي لن يغير طبيعة المشروع. والأولوية ينبغي أن تكون منع هذه الشبكات من إحكام قبضتها على مؤسسات الدولة السودانية. ولهذا، فإن أي تحرك من جانب بعض الأطراف الدولية لتطبيع سلطة الفريق أول عبد الفتاح البرهان ينطوي على مخاطر استراتيجية. والسؤال الحاسم هو ما إذا كان المجتمع الدولي مستعدًا لقبول دولة تهيمن عليها حركة صنفتها الولايات المتحدة منظمة إرهابية، وترتبط ارتباطًا وثيقًا بالحرس الثوري الإيراني، وتواجه اتهامات ذات مصداقية باستخدام أسلحة كيميائية ضد المدنيين، بينما تسيطر في الوقت نفسه على أحد أهم الممرات البحرية الاستراتيجية في العالم.

ولا يزال أمام السودان مسار آخر. فالإطار موجود بالفعل. إذ تعترف خارطة الطريق التي اتفقت عليها المجموعة الرباعية في سبتمبر 2025 المكونة من “الولايات المتحدة، والإمارات العربية المتحدة، والمملكة العربية السعودية، ومصر” بأنه لا يوجد حل عسكري، ودعت إلى وقف فوري لإطلاق النار لأغراض إنسانية، يعقبه انتقال سياسي شامل بقيادة مدنية، بعيدًا عن هيمنة أي من طرفي الحرب، مع استبعاد الحركات المتطرفة. ارتكب الطرفان جرائم حرب وانتهاكات جسيمة بحق المدنيين. وينبغي للدبلوماسية الدولية أن تمارس ضغطًا منسقًا على جميع الأطراف للمضي في تنفيذ تلك الخارطة، بدلًا من إضفاء الشرعية على الحكم العسكري.

وبالنسبة للولايات المتحدة، فإن الرهانات استراتيجية. فقد دعم الرئيس دونالد ترامب الانتقال المدني في السودان عبر إزالة اسم السودان من قائمة الولايات المتحدة للدول الراعية للإرهاب، وإعادة مكانته الدولية. لكن انقلاب عام 2021 والحرب التي تلته بددا تلك المكاسب. ولا يزال السودان ملفًا غير مكتمل بالنسبة لترامب. والمساعدة في استعادة الانتقال الديمقراطي بقيادة مدنية لن تعالج فقط أكبر أزمة إنسانية في العالم، بل ستحرم إيران أيضًا من موطئ قدم استراتيجي آخر على البحر الأحمر. والدرس المستفاد من صراعات الشرق الأوسط واضح: عندما تستولي الحركات الأيديولوجية على الدولة، تتحول الحروب المحلية إلى تهديدات إقليمية. والسودان هو التالي، ما لم يتحرك العالم الآن.