الخميس, يوليو 23, 2026

سودانا _ تقارير

مشروع سياسي جديد

أعادت وثيقة رسمية مسربة نُسبت إلى مكتب قائد الجيش عبد الفتاح البرهان وتحمل تاريخ 16 يونيو2026، الجدل بشأن مستقبل العملية السياسية في السودان، بعد أن كشفت عن تصور لإعادة هيكلة السلطة خلال مرحلة انتقالية تقودها المؤسسة العسكرية.

وبحسب ما أورده الصحفي أواب عزام، فإن الوثيقة تتضمن مقترحاً يقضي بتولي البرهان قيادة مرحلة انتقالية تمتد لخمس سنوات عبر حكومة عسكرية تتولى إدارة البلاد مع تشكيل حكومة تكنوقراط في وقت تُثار فيه تساؤلات بشأن موقع القوى المدنية في أي ترتيبات سياسية مقبلة.

تشير مضامين الوثيقة وفقاً لما ورد في التسريب إلى رفض أي مخرجات تصدر عن مؤتمرات أو منصات حوار تُعقد خارج السودان والدعوة إلى إدارة عملية سياسية داخلية تحت إشراف السلطة القائمة.

ويرى مراقبون أن الوثيقة تعكس ثلاثة أهداف رئيسية تتمثل في تعزيز موقع البرهان داخل هرم السلطة وتوفير مظلة سياسية للقيادة العسكرية في مواجهة الاتهامات المتعلقة بالحرب إضافة إلى حصر المشاركة السياسية في القوى المتحالفة مع السلطة مع استبعاد الأطراف المناوئة لها. ويعتبر محللون أن هذه الرؤية تمثل الإطار السياسي الذي سبق سلسلة التحركات التي قام بها البرهان خلال الأسابيع التالية والتي كان أبرزها زيارته إلى العاصمة الإريترية أسمرا.

أسمرا.. اجتماعات مغلقة

بحسب المعلومات المتداولة شهدت أسمرا لقاءات مغلقة جمعت البرهان بعدد من القيادات الإسلامية بينهم المدير الأسبق لجهاز الأمن صلاح قوش في اجتماعات وصفت بأنها خُصصت لمناقشة ترتيبات المرحلة المقبلة وآليات إطلاق مبادرة للحوار السياسي.

وتقول مصادر مطلعة إن تلك الاجتماعات ناقشت أيضاً شكل السلطة خلال المرحلة الانتقالية والقوى التي ستشارك في العملية السياسية إلى جانب بحث مستقبل عدد من الشخصيات العسكرية التي يُنظر إليها باعتبارها قد تعرقل المشروع السياسي الجديد.

ترتيب موازين القوة

وتشير التسريبات إلى أن النقاشات شملت مستقبل عضو مجلس السيادة مالك عقار والفريق شمس الدين كباشي اللذين يُعتقد أنهما لا يحظيان بدور محوري في التصور الجديد.

ويستند هذا التقدير إلى التغييرات التي شهدتها قيادة الجيش خلال الأشهر الماضية ومن بينها إعادة تكليف كباشي بمهام تتعلق بالبناء والتخطيط الاستراتيجي بعد إنهاء مهامه نائباً للقائد العام وهي خطوة اعتبرها بعض المراقبين مؤشراً على إعادة توزيع مراكز النفوذ داخل المؤسسة العسكرية.

أهداف الحوار

وعقب عودته من أسمرا بدأ البرهان سلسلة لقاءات مع قيادات ما يعرف بـ”الكتلة الديمقراطية” معلناً عزمه إطلاق حوار سياسي شامل. غير أن توقيت الإعلان أثار تساؤلات في الأوساط السياسية، إذ جاء بينما لا تزال العمليات العسكرية مستمرة وفي ظل غياب أي مؤشرات على قبول هدنة إنسانية أو استئناف مسار تفاوضي شامل لوقف الحرب.

يرى مراقبون أن المبادرة المطروحة تختلف عن المبادرات الإقليمية والدولية الهادفة إلى إنهاء النزاع، إذ تستند إلى حوار يُدار داخل السودان وبإشراف السلطة العسكرية وهو ما يراه منتقدون محاولة لطرح مسار سياسي موازٍ للمسارات الدولية.

وبحسب هذه القراءة فإن المشروع يهدف إلى إنتاج شرعية سياسية جديدة عبر عملية حوار لا تشمل جميع القوى المؤثرة في المشهد وعلى رأسها تحالفات مدنية بارزة وأطراف عسكرية فاعلة، الأمر الذي قد يحد من فرص الوصول إلى تسوية تحظى بقبول واسع.

اختبار الحركات المسلحة

ويعتقد محللون أن أحد الأبعاد غير المعلنة للمبادرة يتعلق بإعادة تشكيل العلاقة مع الحركات المسلحة المتحالفة مع الجيش والتي شهدت علاقتها بالقيادة توترات متكررة بسبب تقاسم السلطة والنفوذ.

ويشير هؤلاء إلى أن الانقسامات داخل تلك الحركات قد توفر فرصة لإعادة ترتيب المشهد السياسي والعسكري عبر استقطاب بعض مكوناتها بصورة منفردة بما يؤدي إلى إضعافها كتحالفات موحدة دون اللجوء إلى مواجهة عسكرية مباشرة.

مستقبل المبادرة

ويرى مراقبون أن نجاح أي مبادرة سياسية سيظل مرهوناً بقدرتها على استيعاب مختلف الأطراف الفاعلة وربط العملية السياسية بوقف إطلاق النار وإجراءات بناء الثقة.

وفي المقابل يحذر آخرون من أن أي حوار يُنظر إليه باعتباره إقصائياً أو يهدف إلى إعادة إنتاج السلطة القائمة سيواجه رفضاً داخلياً وتحفظاً دولياً بما يحد من فرص حصوله على اعتراف سياسي واسع ويزيد من تعقيد المشهد السوداني في ظل استمرار الحرب وتباعد مواقف الأطراف المتنازعة.