كتب/ حيدر المكاشفي
ليس هناك وصف أكثر قسوة، رغم أنه عين الحقيقة، لواقع السودان اليوم من العبارة التي أطلقها الباحث محمد عثمان، المعني بملف السودان في منظمة (هيومن رايتس ووتش)، حين قال لصحيفة (مداميك) الإلكترونية التي حاورته: (إن أكثر المهن أمانًا الآن في السودان هي أن تكون محاربًا، بينما أسوأ ما يمكن أن تكونه هو مدني، وذلك منذ بداية الحرب وحتى الآن).
وما أشبه الليلة بالبارحة، فعبارة هذا الباحث السديدة تعيد إلى الذاكرة مقولة ذلك (المطوفش) التي رواها ذات مرة الحبيب البروف البوني. قال البوني إنه وجد ذات يوم هذا المطوفش، أيام حكومة الإنقاذ المخلوعة، يحتل إحدى صواني الحركة، وهو يدور حولها ويصرخ في السابلة والراكبين بصوت عالٍ: (ما أسوأ أن تكون شعبًا).
إن عبارة هذا الباحث ليست مجرد عبارة صادمة، بل شهادة تختصر مأساة هذا الوطن المكلوم، بعدما انقلبت كل المعايير، وأصبحت الحياة نفسها امتيازًا نادرًا لمن لا يقف في مرمى النيران. فالمدني لم يعد مجرد ضحية جانبية للحرب، بل أصبح محور خسائرها اليومية. منزله هدف محتمل، ومستشفاه ساحة معطلة، ومدرسته أطلال، وسوقه مكانًا للخوف، وطريق نزوحه مليئًا بالمخاطر. وحتى عندما ينجو من الرصاص، لا ينجو من الجوع أو المرض أو التشرد.
والمفارقة المؤلمة أن المدنيين العزل، الذين لا يحملون السلاح، هم الأكثر دفعًا للثمن. فالمواطن المدني الأعزل لم يعد يبحث عن رفاهية الحياة، بل عن الحد الأدنى منها. فهو يبحث عن ليلة بلا قصف، ومستشفى يجد فيه دواء، ومدرسة يعود إليها أطفاله، وسوق يشتري منه خبزًا دون أن يخشى رصاصة طائشة أو قذيفة عشوائية.
لقد أصبحت النجاة نفسها مشروعًا يوميًا شاقًا، بينما تتواصل الحرب كأنها قدر لا نهاية له، بينما يتحول استمرار الحرب إلى مصدر منفعة وتكسب لفئات تستفيد من اقتصاد الفجيعة، سواء عبر الفساد المحمي بالبنادق، أو عبر تجارة السلاح والمخدرات، أو شبكات التهريب، أو المضاربة في السلع، وبيع مواد الإغاثة في الأسواق، أو غيرها من الأنشطة التي ازدهرت في ظل انهيار مؤسسات الدولة وسيادة الفوضى.
وكلما امتد أمد الحرب، اتسعت هذه المصالح، وازدادت صعوبة إنهائها؛ لأن كل يوم جديد من القتال يفتح سوقًا جديدة للربح، وكلما طال أمد الحرب تضخمت هذه المصالح، وأصبح السلام بالنسبة إليها خسارة لا مكسبًا، بينما يفتح، في المقابل، بيت عزاء جديد، وقافلة نزوح جديدة، ومقبرة جديدة.
فهذه الحرب العبثية اللعينة لم تستمر فقط لأن البنادق تطلق النار، وإنما لأنها خلقت، مع مرور الوقت، مصالح تدفع بعض المستفيدين إلى تفضيل استمرارها على نهايتها. وفي المقابل، لا يملك المدنيون سوى المزيد من الفقد والخسران، يفقدون أبناءهم، ومنازلهم، وأعمالهم، ومستقبل أطفالهم، بينما تتآكل قدرتهم على الصمود يومًا بعد يوم.
ويكشف خبر خبير هيومن رايتس ووتش، الذي نشرته مداميك، جانبًا آخر من المأساة، وهو أن آلاف اللاجئين السودانيين الذين التقتهم منظمات حقوقية في دول الجوار يعيشون أوضاعًا إنسانية بالغة السوء، ومع ذلك لا يحلمون إلا بالعودة إلى قراهم ومدنهم وحياتهم الطبيعية. وهذا وحده يكفي ليدرك العالم أن الإنسان السوداني لا يبحث عن رفاهية اللجوء، وإنما عن حق بسيط اسمه الحياة. لكن حتى حجم الكارثة نفسه لا يزال غامضًا. فغياب الإحصاءات الدقيقة عن أعداد القتلى والمفقودين يجعل المأساة أكبر مما تظهره الأرقام، ويجعل آلاف الأسر معلقة بين انتظار مؤلم وأمل يتضاءل كل يوم.
لقد حولت الحرب الإنسان السوداني إلى رقم في نشرات الأخبار، بينما خلف كل رقم قصة أسرة انهارت، وطفل حُرم من التعليم، وأم تنتظر عودة ابن قد لا يعود، وشيخ فقد كل ما بناه طوال عمره في ساعات قليلة. وفي النهاية، يبقى السؤال الذي يجب أن يلاحق أطراف الحرب، وداعميها، ومناصريها، ونافخي كيرها: كم مدنيًا يجب أن يسقط حتى تقتنعوا أن لا أحد ينتصر في حرب يخسر فيها الوطن كله؟
فالحروب قد تصنع جنرالات، وقد يتكسب ويتربح ويثري منها بعض المنتفعين من اقتصاد النزاع، لكنها لا تبني دولة، ولا تحفظ كرامة، ولا تترك للأجيال القادمة سوى ذاكرة مثقلة بالدموع والخراب.
إن أكبر انتصار يمكن أن يتحقق اليوم ليس تقدمًا في جبهة عسكرية، بل توقف آلة الحرب نفسها، لأن الرصاصة لا تميز بين مستقبل طفل وحلم أم، ولأن الوطن الذي يستهلك أبناءه في ميادين القتال لن يبقى فيه ما يستحق الانتصار عليه. لقد علمتنا تجارب التاريخ أن البنادق تستطيع أن تهدم المدن، لكنها لا تستطيع أن تبني الأوطان. وأن الرصاص قد يمنح صاحبه لحظة تفوق عسكري، لكنه لا يمنحه شرعية أخلاقية، ولا يصنع سلامًا دائمًا.
ويبقى المواطنون المدنيون العزل هم الخاسر الوحيد الذي لم يختر هذه الحرب، ولا ناقة له فيها ولا بعير، ولم يربح منها شيئًا، لكنه دفع ثمنها كاملًا من أمنه، ومن رزقه، ومن صحته، ومن مستقبل أبنائه. أما الذين يحسبون الأرباح والخسائر بميزان الحرب، فعليهم أن يدركوا أن الأوطان لا تقاس بحجم ما يباع فيها من السلاح، بل بحجم ما يصان فيها من حياة الإنسان.
وسيظل دم الأبرياء هو رأس المال الذي لا ينفد، إلى أن ينتصر صوت السلام على ضجيج البنادق

