كتب: حيدر المكاشفي
ليست كل الأيام سواء في ذاكرة الشعوب. فهناك أيام تمر كغيرها، وأيام تتحول إلى علامات فاصلة في التاريخ، تبقى حاضرة مهما تغيرت الحكومات وتعاقبت الأزمات. ومن بين تلك الأيام في السودان، يظل الثلاثون من يونيو أحد أكثر التواريخ رسوخاً في الوجدان الوطني، لأنه اليوم الذي أثبت فيه السودانيون أن الشارع قادر على استعادة المبادرة كلما حاولت السلطة أو السلاح مصادرة إرادة الناس.
والثلاثون من يونيو ليس مجرد تاريخ في الروزنامة السودانية، بل هو اليوم الذي خرج فيه السودانيون ليقولوا كلمة واحدة: إن لا أحد يملك هذا الوطن إلا شعبه. عندما خرجت الملايين الهادرة في ذلك اليوم الأغر وملأت الشوارع بالهتاف، لم يطالبوا بمستحيل، بل خرجوا دفاعاً عن حقهم في وطن تحكمه الإرادة الشعبية لا إرادة البنادق. كانوا يرفضون الاستبداد ويبحثون عن دولة القانون، ويحلمون بسلام دائم وعدالة وانتقال ديمقراطي حقيقي.
لكن المفارقة المؤلمة أن السودان اليوم يقف أمام مشهد أكثر قسوة مما كان عليه آنذاك. فهذه البلاد التي خرج شعبها مطالباً بدولة مدنية، أصبحت اليوم ساحة لحرب مدمرة التهمت المدن، وشردت الملايين، ودمرت الاقتصاد، وأعادت السودان عقوداً إلى الوراء. وأصبح المواطن الذي كان يهتف للحرية يبحث اليوم عن رغيف الخبز، وجرعة الدواء، ومكان آمن يحتمي فيه من القذائف.
كان ذلك اليوم إعلاناً مدوياً بأن الإرادة الشعبية تستطيع أن تكسر جدار الخوف، وأن الشوارع مهما أُغلقت قادرة على أن تفتح أبواب المستقبل. لم يكن الناس يحملون سوى أصواتهم، لكن أصواتهم كانت أعلى من الرصاص وأقوى من كل حسابات السلطة.
ويوم غد الثلاثاء الموافق الثلاثين من يونيو تمر علينا ذكرى هذا اليوم العظيم، ولكن للأسف في الوقت الذي ينزف فيه السودان كما لم ينزف من قبل. المدن التي كانت تمتلئ بالهتافات امتلأت بالركام، والساحات التي ازدانت بالأعلام أصبحت مسارح للقذائف، والأحلام التي رُسمت لدولة الحرية والسلام والعدالة دفنتها حرب لم تترك بيتاً إلا وطرقته، ولا أسرة إلا ومزقتها.
إن أقسى ما في ذكرى هذا العام أنها لا تستحضر انتصار الإرادة الشعبية فحسب، بل تستحضر أيضاً حجم الخسارة التي انتهى إليها الوطن عندما اختُطف مشروع الانتقال، وتحولت السياسة إلى معركة عسكرية، وتحول السودان إلى ساحة تتصارع فيها البنادق بينما يُدفن المواطن تحت أنقاض الشعارات.
لقد أثبتت هذه الحرب اللعينة، بما لا يدع مجالاً للشك، أن البندقية قد تدمر مدينة لكنها لا تبني دولة، وأن القوة قد تفرض سيطرة مؤقتة على الأرض، لكنها لا تمنح شرعية دائمة. فالشرعية لا تولد من فوهة المدفع، وإنما من صناديق الاقتراع، ومن رضا الناس، ومن عقد اجتماعي يشارك في صياغته السودانيون جميعاً، لا المتحاربون.
ولذلك فإن إحياء ذكرى الثلاثين من يونيو ليس حنيناً إلى الماضي، وإنما تذكير بأن الشعب الذي خرج يومها لا يزال موجوداً وإن أثقلته المآسي، وأن السودان الذي رفض الدكتاتورية بالأمس لن يقبل أن يصبح رهينة لحرب بلا أفق، ولا لمعادلة تختزل الوطن في صراع عسكري مفتوح.
إن مأساة السودان اليوم لا تكمن فقط في استمرار الحرب، بل في أن أطرافها ما زالت تتحدث وكأن الزمن متوقف عند بيانات العمليات العسكرية، بينما الواقع يقول إن الدولة تتآكل، والاقتصاد ينهار، والملايين بين نازح ولاجئ، والأطفال يولدون في المخيمات بدلاً من المستشفيات.
والأشد مرارة أن الذين يتحدثون باسم الوطن اليوم هم أنفسهم الذين جعلوا الوطن يدفع أثمان صراعاتهم. أما المواطن، صاحب المصلحة الحقيقية، فقد أُقصي من المشهد، ولم يعد يُطلب منه سوى الصبر، بينما تتوالى عليه فواتير الحرب من دمه ورزقه ومستقبل أبنائه.
في هذا اليوم ينبغي علينا أن نصرخ بالسؤال الأكثر أهمية: ماذا بقي من السودان؟ وما قيمة أي انتصار في الحرب إذا كانت الدولة نفسها تتفكك، وإذا كانت المدن تُفرغ من سكانها، وإذا أصبح السوداني يبحث عن وطن داخل وطنه؟
سيظل هذا اليوم شاهداً على حقيقة لا تستطيع الحرب محوها، هي أن هذا الشعب عندما يقرر أن يستعيد صوته، يصبح أقوى من كل أدوات القهر، وأن التاريخ لا يخلد من امتلك السلاح، بل من امتلك شرعية الناس.
والدرس الأكبر الذي تمنحه ذكرى الثلاثين من يونيو اليوم هو أن السودان لن يخرج من نفقه الذي حشرته فيه الحرب إلا عندما يعود إلى أصحابه الحقيقيين: المواطنين لا البنادق، وإلى السياسة لا ساحات القتال، وإلى دولة القانون لا دولة الغلبة. فالذين راهنوا على الحرب خسروا الوطن، أما الذين راهنوا على الشعب فما زال التاريخ يقف في صفهم.
وإذ نستعيد ذكرى يوم الثلاثين من يونيو العظيم، لا بد لنا أيضاً أن نستذكر ذكرى الثالث من يونيو، الذي سيظل هو يوم السودان الأكثر سواداً، وسيبقى محفوراً في ذاكرة الأجيال، تجتره في أسى جيلاً بعد جيل. ذاك هو يوم فض الاعتصام المشؤوم، تلك الجريمة النكراء التي ستبقى وصمة لا تُمحى وعاراً لن يزول على القيادات العسكرية الذين احتمى بسوح قيادتهم العامة وأقاموا اعتصامهم حولها أولئك الشباب والشابات البواسل.
ففي كل الأحوال لن تكون هذه القيادات بمنجاة من هذه الوصمة، فإن لم يكن قرار فض الاعتصام من كيدهم وتدبيرهم، فإنهم على الأقل تقاعسوا عن حماية هؤلاء الشباب، وغضوا الطرف، وخلوا بينهم وأولئك القتلة السفاحين.
فمن العسير ابتلاع أي مبرر طالما أن تلك المجزرة والمقتلة وقعت أمام ناظريهم، بل وبين ظهرانيهم. فما «حدث ما حدث» في ذلك اليوم الأسود كان جريمة خُطط لها بعناية، وكان المجرم في كامل الاستعداد والجاهزية بالسلاح والعتاد، بينما كان الضحايا سلميين ومسالمين وعزلاً، بل كانوا يستشعرون الأمان لكونهم في استجارة قواتهم المسلحة.
فتخير المجرم ساعة السحر حين كانوا نياماً وهم صيام لتنفيذ جريمته البشعة الانتقامية الدموية الشيطانية، بلا رحمة ولا وازع من دين ولا أخلاق. وكيف لا يفعل ذلك وهو في غاية الاطمئنان بعدم وجود من يتصدى له ويقارعه بالسلاح؟
وهذا ما يكشف أن هذه الجريمة لم تتم على عجل، وإنما بتخطيط وتنسيق وخطة محكمة، وتأهيل وتهيئة للمنفذين حتى لا يرأفوا أو تأخذهم شفقة بالمعتصمين. وجريمة بكل هذه البشاعة والشناعة لن تُنسى، ولن تسقط أبداً، ولن تُطوى مهما حاولوا طيها.

