كتب: مليح يعقوب حماد
1. الاستهلال المفاهيمي: الحقيبة كوعاء بنيوي للهوية الجامعة
نتناول في هذه الورقة “حقيبة الفن” بوصفها مدرسةً فنيةً، و”مستودعاً وجدانياً بنيوياً” صان جوهر “السودانوية” . إن الحقيبة، كـ “هجين ثقافي” وقاسم مشترك، نشأت في طورها الجنيني طوعاً واختياراً عبر منظور “الوحدة في إطار التنوع”، قبل أن تُخضعها المنظومة السلطوية لاحقاً لقسرية “بوتقة الانصهار” ؛ وهو منظور اختزالي أدى تاريخياً إلى تهميش الأدوار الريادية لمبدعي الأطراف على حساب مطربي المركز. إن بقاء الرموز المكانية مثل (العرضة، العباسية، الموردة، ود نوباوي) في ذاكرة المركز، يمثل اعترافاً ضمنياً بفضل الهامش في تأسيس الملامح الهيكلية لمدينة أم درمان وصياغة هويتها الثقافية المعاصرة.
2. جذور التكوين البشري: “حي العرضة” ونقطة الصفر النغمي
ينطلق هذا البحث من رؤية مجتمعية مفادها أن حقيبة الفن هي أول “عقد اجتماعي نغمي” جامع للسودان.
البيئة الزمكانية: شكّل حي “العرضة” تاريخياً ساحة لإعادة إنتاج التنوع الثقافي عبر تجميع جيوش المهدية المنحدرة من “المجتمعات الطرفية” (كردفان، ودارفور، والنيل الأبيض).
ديناميكا التحوّل (من الحرب إلى الفن): شهد هذا الحيز المكاني أكبر عملية “تلطيف بنيوي” ؛ حيث تم تمدين “الكرير” و”الحمبي” وتحويلهما من صرخات حربية ترهيبية مرتبطة بفروسية البادية، إلى “همهمات” إيقاعية جمالية سدت الفراغ الهارمونيكي للآلات الموسيقية.
الدليل اللساني والمقايسة الموسيقية: إن انعدام مفردتي “الحمبي” أو “الكرير” في القاموس الموسيقي النيلي، مقابل حضورهما الكثيف في رقصات (الجراري والتويا) في كردفان، يثبت “الأصل المكاني” لهذا التكنيك الصوتي؛ فالهمهمة التي اعتمد عليها “الشيالون” في المركز هي إعادة إنتاج حضرية لـ “زفير البادية” الكردفانية.
3. الهوية البصرية والمادية: إرث “الغنامة والأبالة”
إن غناء “الطنبارا” يمثل جزءاً أصيلاً من “الهوية الصوتية” لمجتمعات الغنامة والأبالة بكردفان، وقد انتقلت هذه الهوية بخصائصها المشهدية إلى المركز لتشكل النواة البصرية للحقيبة:
التكوين البصري (الزي): اعتمد الأداء في “قليصة” على (العراقي القصير)، والسروال الطويل (أبو تكة)، و(الطاقية الحمراء)، بالإضافة إلى “البسطونة” أو عصا الخيزران؛ وهي عناصر بصرية تعكس سيكولوجية الحركة والتحرر في البادية.
الأشكال الإيقاعية والمقامية: يقوم الأداء على “ضبط إيقاعي” صارم عبر (الصفقة الموزونة) و(الشيالين)، مع الالتزام التام بـ “المقام الخماسي” ، مما خلق توافقاً وجدانياً سهّل عملية التثاقف مع مجتمع المدينة.
4. برهنة الأرشيف: الدليل القاطع في “ذاكرة المركز”
بالاستناد إلى (الأرشيف الإسفيري والمسموع) للإذاعة السودانية، نجد الدليل المادي الذي يعزز مصداقية هذا التحليل؛ حيث وثّق برنامج “حقيبة الفن” في حلقاته التأسيسية أن هذا النمط بدأ بغناء “الطنابرة والحمبي”. هذا الاعتراف من داخل المنصة الإعلامية للمركز يمثل “وثيقة إدانة” لسردية الاحتكار الثقافي؛ فالحمبي والطنبارا جزءٌ أصيل من ثقافة البوادي ولا تربطهما صلة ببيئة الوسط والشمال النيلي، بل يمثلان “تكنولوجيا صوتية” قادمة من عمق كردفان، تمت مواءمتها مع الشعر الحضري الأمدرماني.
5. جدلية “الطنبارا” و”الطنابرة”
أثبت البحث الميداني وحدة الأصل الجيني بين “الطنبارا” (البادية) و”الطنابرة” (المدينة).
نموذج “تنبل” (قليصة): يمثل الفنان “تنبل” النمط البدئي الممتد لقرون؛ وهو “الأصل الخام” الذي خضع لعمليات تهذيب واختزال إذاعي ليناسب “الزمن الخطي” للمدينة مقابل “الزمن المفتوح” للبادية.
الأبيض: “المفاعل الثقافي” والرحم الثاني لهوية الحقيبة: إن تدافع شعراء الحقيبة نحو مدينة “الأبيض” واستقرارهم فيها لفترات طويلة كان في جوهره “ارتحالاً إبداعياً واعياً” نحو منابع الإلهام النغمي والإيقاعي الخام. لقد تحولت الأبيض في تلك الحقبة إلى “مركز ثقل موازٍ” للخرطوم وأم درمان، وتفوقت عليهما كبيئة “تثاقف حر” بعيدة عن رتابة المركز وتكلّفه؛ إذ كانت الجسر الذي عبرت فوقه “سودانوية” الحقيبة، و”المختبر التحديثي الأول” الذي تمت فيه عملية المصالحة التاريخية بين “بلاغة الوسط” و”إيقاع الغرب”. ومن أشهر هؤلاء الرواد الشعراء: الناصر قريب الله، وسيد عبد العزيز، ومصطفى بطران، والأمي (محمد علي عبد الله)، وعبيد عبد الرحمن. إن بقاء هؤلاء الأفذاذ فيها كان ضرورةً بنيويةً لولادة “السودانوية” الفنية في صورتها الباهية التي نعشقها اليوم.

6. معادلة التكوين: روح كردفان وعقل أم درمان
”الحقيبة هجين ثقافي متكامل؛ استمدت ‘طاقتها الإيقاعية’ وروحها الحنجرية (الحمبي والطنبارا) من الريف الكردفاني، واكتسبت ‘هندستها اللغوية’ وقالبها التحديثي من الحضر الأمدرماني. هذا الاعتماد المتبادل يجسد ‘السودانوية’ في أبهى صورها كشراكة حتمية بين مادة الريف الخام وذكاء الحضر في الصياغة.”
7. النتائج الإستراتيجية وإدارة التنوع
يمثل هذا الانصهار الإيقاعي والمادي نموذجاً لما نسميه “الفيدرالية الثقافية الاستباقية”:
تفكيك المركزية الثقافية: الحقيبة هي “اعتراف بنيوي” صامت من المركز بقوة إيقاع الهامش، وهي محاولة مبكرة لرد الاعتبار للرافد الكردفاني.
الفن كأداة للمصالحة: إن “تآلف الأصوات” يمثّل العقد الاجتماعي الأمثل الذي يحترم التعددية الإقليمية.
المركز كـ “محطة تجميع” : نخلص إلى أن أم درمان كانت محطة ذكية لإعادة تدوير وتسويق عبقريات الهامش.
8. التوصية الختامية: نحو “سودانوية” شاملة
يجب أن تنتقل السردية القومية من مرحلة “الاحتواء” إلى مرحلة “الاعتراف” بفضل الهامش الكردفاني في صياغة “متخيل المركز”. إننا، ومن منطلق الأمانة التاريخية، نوصي بتبني رؤية ثقافية تعترف بأن الحقيبة هي وعاؤنا الهجين الذي نحمل فيه ذاكرتنا الجماعية نحو مستقبل يسوده الاعتراف المتبادل والمصالحة التاريخية الكبرى.
”إن الحقيبة شريك استراتيجي في رحلة البناء الوطني؛ هي الوعاء الذي حفظنا فيه مقومات البقاء، وما نعشقه من فن للارتقاء.”

المراجع :
1. كتاب “تاريخ الموسيقى السودانية” – جمعة جابر
2. كتاب “حقيبة الفن” – مبارك المغربي
3. كتاب “الثقافة والسلطة في السودان” – د. منصور خالد ”
4. كتاب “السودان: سوسيولوجيا الوحدة والتنوع” – د. محمد المهدي بشرى
5.حلقات برنامج “من حقيبة الفن” (الأرشيف الصوتي) الأستاذ عوض بابكر و المبارك إبراهيم.
6.كتاب “القبائل العربية في السودان”
7- “التاريخ الشفاهي” (Oral History).

