الثلاثاء, أكتوبر 6, 2026

رحلة عبر ثلاثة آلاف عام من التنظيم الذاتي والصراع على الفضاء العام

الحلقة التاسعة وقبل الأخيرةُ

 المجتمع المدني في زمن الحرب، من لجان المقاومة إلى غرف الطوارئ، ومستقبل الفضاء المدني في السودان

بقلم أ/ آدم راشد

في الحلقة الثامنة، تتبعنا ثورة ديسمبر 2018–2019 من الشرارة الأولى في الدمازين، إلى سقوط البشير في 11 أبريل 2019، إلى مجزرة فض الاعتصام في 3 يونيو 2019، إلى الاتفاق السياسي في أغسطس 2019. رأينا كيف قاد تجمع المهنيين السودانيين الثورة بقيادة جماعية وشرعية شعبية، وكيف شكلت لجان المقاومة نسيج الثورة في الأحياء. لكننا رأينا أيضًا الإخفاقات: الاتفاق السياسي الناقص، والانزلاق إلى المحاصصة، والتشرذم، وعدم تحقيق العدالة الانتقالية. ثم جاء 15 أبريل 2023، وانفجرت الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، وانهارت مؤسسات الدولة، وتوقفت الخدمات العامة، وتشرد الملايين بين النزوح واللجوء.

في هذه اللحظة الحرجة، برز المجتمع المدني كخط دفاع أول عمّا تبقى من تماسك البلاد. هذه الحلقة الأخيرة هي حلقة الاختبار الأقسى، وفيها سنرى كيف حولت لجان المقاومة نفسها إلى غرف استجابة للطوارئ تقدم الخدمات وتنقذ الأرواح، وكيف تحولت منظمات الإغاثة إلى خط الدفاع الأخير في غياب الدولة. لكننا سنقدم أيضًا تقييمًا نقديًا: ما الذي فعله المجتمع المدني؟ وما الذي كان ينبغي أن يفعله ولم يفعله؟ ثم نختم السلسلة بتصور للمستقبل.

غرف الطوارئ: من لجان المقاومة إلى خط الدفاع الأخير

عندما اندلعت الحرب في 15 أبريل 2023، لم يكن المجتمع المدني السوداني في أفضل حالاته. كان قد خرج من ثورة ديسمبر منهكًا، ومنقسمًا، وقد فقد جزءًا من استقلاليته بعد انخراطه في المحاصصة. لكنه، رغم ذلك، أثبت أنه القوة الوحيدة القادرة على التكيف مع الانهيار. انهارت مؤسسات الدولة فورًا، واختفت الخدمات العامة بين عشية وضحاها، وتقطعت سلاسل الإمداد، وانسحبت المنظمات الدولية من الخرطوم مع بداية الحرب. وفي هذا الفراغ، لم يبق سوى المجتمع المدني.

في هذا السياق، وُلدت غرف الاستجابة للطوارئ لم تكن هذه الغرف شيئًا جديدًا تمامًا؛ فقد نشأت بعضها خلال جائحة كوفيد-19، كجزء من لجان المقاومة في الأحياء. لكن الحرب حولتها من مبادرات محدودة إلى شبكة وطنية واسعة اليوم، هناك أكثر من 700 غرفة استجابة تعمل في جميع ولايات السودان الثمانية عشر تحشد أكثر من 25000ـ متطوع لمواجهة ما أصبح أسوأ أزمة إنسانية في العالم هذا التوسع لم يكن مركزيا أو mobilizes

موجهًا من قيادة واحدة، بل كان تكيفيًا ومتجذرًا في ثقة المجتمعات المحلية.

تقوم فلسفة غرف الطوارئ على فكرة بسيطة لكنها قويةــ “الأقرب الى الازمة هم الأقدر على الاستجابة لها”

في المناطق التي يتعذر على المنظمات الدولية الوصول إليها، بنى متطوعو الغرف خطوط إمداد غير رسمية، وتفاوضوا على مرور آمن عبر خطوط المواجهة، واستخدموا المعرفة المحلية لتحديد الأكثر احتياجًا. هذا نموذج لامركزي بالكامل. القرارات تُتخذ على مستوى الحي من قبل غرف محلية تفهم المخاطر المباشرة. والمساءلة تُفرض عبر القرب الاجتماعي، لا عبر الإجراءات البيروقراطية. وفي سياق انهيار المؤسسات الرسمية، لا تأتي الشرعية من تفويض رسمي، بل من الثقة.

يتراوح عمل غرف الاستجابة بين تنسيق عمليات الإجلاء، وتوصيل الطعام والأدوية، وتوفير حقائب الكرامة للنساء والفتيات، ومساحات آمنة للأطفال. كما تقدم المساعدة الطبية والدعم النفسي، وتتعامل مع العنف القائم على النوع الاجتماعي. وفي مناطق كثيرة، تدير الغرف مطابخ مجتمعية وعيادات مجانية، وتحافظ على أنظمة المياه والكهرباء. وفي ديسمبر 2024، حصلت غرف الاستجابة للطوارئ على جائزة تشاتام هاوس 2025 تقديرًا لدورها الإنساني الحيوي، ووُصفت بأنها “شريان الحياة” الذي يبقي ملايين السودانيين على قيد الحياة في ظل انهيار الدولة. لكن هذا العمل البطولي لم يأتِ دون ثمن. منذ بدء القتال، قُتل أكثر من 161 متطوعًا، وتعرض آخرون للاعتقال التعسفي والتعذيب والاختفاء القسري. ظل المتطوعون يعملون بموارد ضئيلة، ومخاطر هائلة، وفضاء مدني متقلص.

ما الذي فعله المجتمع المدني وما كان ينبغي أن يفعله؟

لم تقتصر الاستجابة على غرف الطوارئ. فقد تحولت معظم منظمات المجتمع المدني من مشاريع التنمية والتعليم وبناء القدرات إلى ساحات الإغاثة والطوارئ، بصورة قسرية. عملت هذه المنظمات على توفير الغذاء والماء والدواء للملايين، وفي ظل القيود المفروضة على حركة المنظمات الدولية، أصبحت المنظمات المحلية الشريك الأساسي في توصيل المساعدات. ولم يقتصر دور المجتمع المدني على الإغاثة، بل نشط في لفت انتباه المجتمعين الدولي والإقليمي إلى الأزمة السودانية، والضغط من أجل وقف إطلاق النار وإحلال السلام. كما لعبت منظمات حقوق الإنسان دورًا محوريًا في توثيق الانتهاكات، ورصد جرائم الحرب، والدفاع عن الضحايا، والمطالبة بالمساءلة والعدالة الانتقالية. وإلى جانب العمل الإنساني، ظلت غرف الطوارئ بمثابة برلمان غير رسمي في كثير من الأحياء، تراقب أداء السلطات المحلية، وترفض السياسات التي لا تخدم الشعب، وتعبّر عن مطالب المجتمعات وهذا الدور الرقابي، رغم أنه غير رسمي، يشكل نواة لديمقراطية محلية تنبع من القواعد الشعبية، لكن مع كل هذه الإنجازات، لا بد من وقفة نقدية شجاعة.

ما الذي فعله المجتمع المدني؟ لقد أنقذ أرواحًا لا حصر لها. في غياب الدولة والمنظمات الدولية، كانت غرف الطوارئ ومنظمات الإغاثة الملاذ الأخير لملايين السودانيين. وحافظ على النسيج الاجتماعي في زمن الحرب والانقسام، إذ كانت غرف الطوارئ فضاءات للتضامن تتجاوز الانتماءات القبلية والجهوية. ووثّق الانتهاكات، وحشد الرأي العام الدولي.

وما الذي كان ينبغي أن يفعله ولم يفعله؟ كان ينبغي له أن يحافظ على استقلاليته، وأن يتعلم من أخطاء الماضي، وأن يرفض الانخراط في المحاصصة والمحسوبية. لكن للأسف، استمرت بعض قطاعاته في الاصطفاف خلف هذا الطرف العسكري أو ذاك، مما أضعف مصداقيتها. وكان ينبغي له أن يبني جبهة مدنية موحدة، وأن يتجاوز انقساماته بين المركز والهامش، بين المدني والعسكري، بين من يدعو إلى المقاومة ومن يدعو إلى الحوار. وكان ينبغي له أن يتمسك بالعمل اللاعنفي، وأن يرفض الانخراط في الحملات العسكرية أو تسليح المدنيين. وكان ينبغي له أن ينتقل من العمل الظرفي إلى المؤسسية المستدامة، وأن يبني قدرات مالية وإدارية تضمن استمراريته، بدلًا من الاعتماد على التمويل الخارجي. وكان ينبغي له أن يضع استراتيجية واضحة للعدالة الانتقالية، لا أن ينتظر الاتفاقات السياسية التي قد تتجاهل الضحايا.

لماذا أخفق المجتمع المدني في هذه المهام؟ أولًا، الحرب نفسها

فالحرب لم تكن مجرد خلفية، بل كانت عاملًا مدمرًا فرض على المجتمع المدني منطق البقاء بدلًا من منطق البناء. في ظل القصف والنزوح والمجاعة، كان من الصعب التفكير في استراتيجيات طويلة المدى. ثانيًا، القمع. فلم يقتصر القمع على طرف واحد، بل فرضت قيود معقدة على عمل منظمات المجتمع المدني، إضافة إلى التضييق على الفاعلين السياسيين والمدنيين واعتقال المئات، وقد تراجع الفضاء المدني من تصنيف”مغلق”الى”مقموع” في .CIVICUS مؤشر

ثالثًا: أزمة التمويل

فقد أدى تعليق التمويل الأمريكي في يناير 2025 إلى انهيار العديد من المنظمات، واضطرت منظمات أخرى إلى تقليص أنشطتها بشكل كبير.

رابعًا: الانقسامات البنيوية

فلم تكن الانقسامات مجرد خلافات سياسية، بل كانت انقسامات بنيوية بين نموذج تقليدي متمركز في العاصمة، ونموذج ناشئ في الهامش. ظل المجتمع المدني التقليدي محتفظًا بقدر كبير من النفوذ، بينما عانى فاعلو الهامش من ضعف التمثيل رغم الكفاءة، بالاضافة الى الانقسام الايدولوجي والاصطفاف.

مستقبل الفضاء المدني في السودان

إن الخروج من هذا النفق المظلم يتطلب منا وقفة نقدية شجاعة تعيد الأمور إلى نصابها الصحيح. يجب أن يستعيد المجتمع المدني استقلاليته، وأن يعود إلى حصنه الحصين: الوقوف إلى جانب الشعب، حراسة العدالة، والرقابة على السلطة. لا محاصصة، لا كوتة، لا ارتهان لأي طرف. ويجب أن يتجاوز انقساماته بين المركز والهامش، بين المدني والعسكري، وأن يبني تحالفًا واسعًا للضغط من أجل وقف الحرب وحماية المدنيين والعدالة الانتقالية. ويجب أن يدعم غرف الطوارئ والمبادرات القاعدية، وأن يعزز قدراتها في التخطيط والتنظيم والتمويل، لتصبح بنية تحتية دائمة للمجتمع المدني. ويجب أن ينتقل من العمل الظرفي إلى المؤسسية، وأن يبني قدرات مالية وإدارية تقلل الاعتماد على التمويل الخارجي، وتعزز الاستدامة. ويجب أن يوثق الانتهاكات، وأن يحفظ الذاكرة، وأن يضغط من أجل المحاسبة، لا أن ينتظر الاتفاقات السياسية التي قد تتجاهل الضحايا.

وغرف الاستجابة للطوارئ ليست مجرد استجابة مؤقتة للأزمة. إنها نموذج جديد للمجتمع المدني السوداني: “لامركزي، قاعدي، قائم على الثقة والتضامن. وقد وصفها الباحثون بأنها “أحد أهم التجارب في العمل المدني والسياسي اللاعنفي في الجنوب العالمي المعاصر” وهي لا تتفاعل فقط مع الأحداث، بل تنتج آفاق سياسية بديلة قائمة على المدنية، والسيادة الشعبية، والعدالة الاقتصادية. وإذا تمكنت هذه الغرف من الحفاظ على طابعها المدني، وتجنب الانخراط في الصراع المسلح، فإنها ستصبح نواة لمجتمع مدني جديد، أكثر استقلالية وتجذرًا وقدرة على الصمود.

خاتمة الحلقة

أولًا، المجتمع المدني قوة لا تُقهر

رغم القمع، ورغم الحرب، ورغم الانقسامات، ظل المجتمع المدني السوداني قادرًا على التنظيم، والمقاومة، والبناء. لقد أثبت أنه لا يُقضى عليه، بل يتشكل من جديد في كل محنة .

ثانيًا، الاستقلالية هي الحياة

كلما اقترب المجتمع المدني من السلطة، فقد بوصلته، وضعف دوره الرقابي، وخان شعبه. وكلما ابتعد عن السلطة، استعاد شرعيته، وقويت مصداقيته

ثالثًا، الوحدة ضرورة

الانقسامات بين المركز والهامش، بين المدني والعسكري، بين الأحزاب والمستقلين، أضعفت المجتمع المدني، وشتتت جهوده. والوحدة، رغم صعوبتها، هي الطريق الوحيد للتغيير الحقيقي

رابعًا، المرأة في القلب

لا يمكن فهم المجتمع المدني السوداني دون دور المرأة، من الاتحاد النسائي إلى لجان المقاومة، ومن مبادرة لا لقهر النساء إلى غرف الطوارئ. المرأة هي العمود الفقري لهذا الفضاء.

خامسًا، الأمل لا يموت

رغم كل شيء، رغم الحرب والدمار والمجاعة، لا يزال هناك 26,000 متطوع في غرف الطوارئ، يخاطرون بحياتهم لإنقاذ الآخرين. لا يزال هناك أمل في سودان ديمقراطي، عادل، وسالم.

فالمجتمع المدني، في النهاية، ليس مجرد مؤسسات، إنه روح المجتمع و على الحلم، والتنظيم، والمقاومة، والبناء. وحيثما وُجدت هذه الروح، وُجد الأمل. وحيثما وُجد الأمل، وُجد التغيير.

 

والى اللقاء في الحلقة الاخيرة.