كتب/ د. عبد المحمود أبو
الاستخلاف يقوم على ثلاث ركائز؛ أولاها إصلاح الذات بالتزكية، وثانيها إصلاح الكون بالعمران، وثالثها معاملة الناس بالحسنى.
وهي عوامل متداخلة، فمن أصلح ذاته استنارت بصيرته وأدرك أن من موجبات الاستخلاف عمارة الأرض لتكون صالحة للحياة، فيبذل طاقته ليكون عضوًا صالحًا يُعَمِّرُ ولا يخرب ولا يكون من الذين قال الله فيهم: “وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ”. فيتعاون مع غيره ليقدم أفضل ما عنده من خبرة من أجل العمران؛ ومن ثم يجتهد ليمنع شره عن الناس ويعاملهم كما يحب أن يعاملوه.
هنالك نصوص كثيرة في القرآن الكريم والسنة المطهرة حثت على عمل البر وبذل المعروف وفعل الخير، وهي في مجملها تتلخص في الآتي:-
أولًا: المحافظة على كرامة الإنسان بمراعاة القيم الإنسانية في التعامل مع الناس؛ برًا وصدقًا ووفاء وحسن ظن ورحمة وإحسانًا.
ثانيًا: منع الأذى عنهم بتجنب الهمز واللمز والإساءة والسخرية والظلم وكل الموبقات، قال تعالى: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَىٰ أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَىٰ أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ ۖ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ ۖ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ ۚ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ”.
ثانيًا: بذل الخير والمعروف للناس، وتخفيف آلامهم، فليس البر عبادة شكلية وإنما مقاصد جُمِعَتْ في الآية الكريمة: “لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا ۖ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ ۗ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ”.
رابعًا: العفو والتجاوز عن إساءاتهم؛ فعندما نزلت الآية الكريمة: “خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ”، ورد أن تفسيرها في قوله صلى الله عليه و سلم: (أوصاني الله بتسع أوصيكم بها: أوصاني بالإخلاص في السر والعلانية، والعدل في الرضا والغضب، والقصد في الفقر والغنى، وأن أعطي من حرمني، وأعفو عمن ظلمني، وأن يكون نطقي ذكرًا، وصمتي فكرًا، ونظري عبرًا).
خامسًا: مراعاة النفع المتعدي؛ هنالك نوعان من العمل الصالح؛ نوع يقتصر على إصلاح الذات، ونوع يتعدى نفعه للآخرين؛ ولا شك أن الخير المتعدي أنفع؛ قال صلى الله عليه وسلم: “أحبُّ الناس إلى الله أنفعهم للناس، وأحبُّ الأعمال إلى الله عز وجل، سرور تدخله على مسلم، تكشف عنه كربة، أو تقضي عنه دينًا، أو تطرد عنه جوعًا، ولأن أمشي مع أخ في حاجة، أحبُّ إليَّ من أن أعتكف في هذا المسجد، يعني مسجد المدينة، شهرًا”.
سادسًا: العمل بروح الفريق؛ خلق الله الناس متفاوتين في قدراتهم ليحتاج بعضهم إلى بعض فيتعاونوا، وحثهم على التعاون على البر والتقوى. فالتعاون فضلًا عن كونه يحقق النفع العام، فإنه ينزع من النفوس الأنانية والشح ويعطي الإحساس بالأخوة والمحبة وفي بلادنا تتجلى مظاهر التعاون في الثلاثية الذهبية (الضرا والفزع والتكافل)، فلنحافظ عليها.
سابعًا: الدعوة للخير والصلح بين الناس والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قال تعالى: “وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ”.
الوعي بهذه المعاني والحرص على الالتزام بها، يحقق مقاصد الاستخلاف ويؤدي إلى اختفاء مظاهر البغضاء المدمرة، فلنجعلها نصب أعيننا. ونسأل الله أن يعيننا على تمثلها في حياتنا.

