رحلة عبر ثلاثة آلاف عام من التنظيم الذاتي والصراع على الفضاء العام

الحلقة الثامنة: ثورة ديسمبر 2018–2019، من الشرارة إلى الاتفاق السياسي، بين الإنجازات والإخفاقات

بقلم أ/ آدم راشد

مقدمة

في الحلقة السابعة، تتبعنا مسيرة المجتمع المدني السوداني من 2016 إلى 2019. رأينا كيف ظهر تجمع المهنيين السودانيين من رحم القمع، وكيف بنى نفسه في الظل، وكيف تحول إلى قوة قائدة للثورة. ورأينا كيف نشأت لجان المقاومة في الأحياء، وكيف شكلت نسيج الثورة. ورأينا أيضًا الوجه الآخر: كيف انزلقت قطاعات من المجتمع المدني من الرقابة إلى الكوتة والمحاصصة، وكيف تشرذم المجتمع المدني بعد الثورة.

في هذه الحلقة الثامنة، نصل إلى لحظة الذروة ثورة ديسمبر 2018–2019

هي الحلقة التي تلتقي فيها كل الخيوط التي نسجناها في الحلقات السابقة. فيها سنرى كيف اشتعلت الثورة، وكيف قادها تجمع المهنيين ولجان المقاومة، وكيف سقط البشير في 11 أبريل 2019، ثم كيف وقعت مجزرة فض الاعتصام في 3 يونيو 2019، تلك اللحظة التي غيرت مسار الثورة. لكننا لن نكتفي بالسرد؛ سنقف عند الإنجازات التي تحققت، والإخفاقات التي رافقتها، ثم عند ما ينبغي أن يكون، أي الدروس والآفاق التي يمكن أن نستخلصها من هذه التجربة الثرية.

الشرارة الأولى: من الدمازين إلى الانتفاضة الوطنية

في 19 ديسمبر 2018، انطلقت الاحتجاجات في الدمازين، عاصمة ولاية النيل الأزرق، بسبب رفع أسعار الخبز والوقود، وتراجع الدعم الحكومي. كانت الشرارة الأولى صغيرة، لكنها سرعان ما انتشرت. في غضون أسابيع، اندلعت انتفاضة وطنية للمطالبة باستقالة البشير، لم تكن هذه الاحتجاجات مجرد رد فعل على قرار اقتصادي، بل كانت انفجارًا لثلاثين عامًا من القمع والتهميش والفساد. وقد كانت البنية التحتية للمجتمع المدني، التي بنيت في الظل بين 2013 و2018، هي التي جعلت هذه الاحتجاجات قادرة على الاستمرار، فالمبادرات المحلية ومجموعات المطالبة، وورش العمل والتدريبات، وتجمّع المهنيين، ولجان المقاومة، كلها كانت جاهزة. وعندما انطلقت الشرارة، اشتعلت النار في كل مكان.

تجمع المهنيين ولجان المقاومة وقيادة الثورة

كان تجمّع المهنيين السودانيين هو القائد الفعلي للثورة. كان هو الذي يحدد جداول المقاومة الأسبوعية، ويخطط للمظاهرات والاعتصامات، ويتواصل مع لجان المقاومة في الأحياء. وبفضل تنظيمه وشرعيته، استطاع أن يمنح الثورة قيادة جماعية وقدرة على الصمود في وجه القمع، وقال الدكتور محمد يوسف المصطفى، المتحدث باسم التجمع، إن “المشهد السوداني كان يفتقد سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا واجتماعيًا إلى قائد”، وإن “القوى السياسية المفترض بها أن تقود الحراك منقسمة على نفسها”. وأضاف أن تجمع المهنيين قرر أن يكون “مركز العمل وأن ينظم ما يقوله الناس ويضفي عليه معنى معينًا، لكن القائد هو الشعب” وإذا كان تجمع المهنيين هو العقل الذي قاد الثورة، فإن لجان المقاومة كانت القلب الذي ضخ الحياة فيها. نشأت لجان المقاومة، أو “لجان الأحياء”، مع بداية ثورة ديسمبر 2018، كتكوينات شعبية في الأحياء والقرى، شكلها الشباب في أثناء الاحتجاجات. كانت لجان المقاومة تقوم بكل شيء: تنظيم المظاهرات، وحماية الأحياء من الميليشيات، وتقديم الخدمات، ونقل المعلومات، ورعاية الجرحى. كانت هي التي جعلت الثورة مستدامة، لأنها لم تكن محصورة في العاصمة أو في مركز واحد، بل كانت موجودة في كل حي، وفي كل قرية.

11 أبريل 2019: سقوط البشير

في 11 أبريل 2019، وبعد أشهر من الاحتجاجات المتواصلة، أعلن الجيش السوداني عزل البشير واعتقاله، كان هذا انتصارًا تاريخيًا للمجتمع المدني السوداني، بعد ثلاثين عامًا من الديكتاتورية، وقد واصل النشطاء الاحتجاج، معتصمين أمام القيادة العامة للجيش في الخرطوم، مطالبين بتسليم السلطة للمدنيين، وكان الاعتصام منطقة شاسعة تغطي كيلومترًا مربعًا واحدًا على الأقل، شرق وسط الخرطوم. وضمت منطقة الاعتصام ما لا يقل عن 131 خيمة وموقعًا يمثل الجماعات المختلفة التي شاركت في الاحتجاجات. وأصبحت منطقة الاعتصام محورًا للأنشطة السياسية والثقافية، وعكست ثقافة البلاد المتنوعة والنابضة بالحياة 3 يونيو 2019: مجزرة فض الاعتصام الموافق 29/ رمضان، هاجمت قوات الأمن السودانية منطقة الاعتصام في الخرطوم بدون سابق إنذار في ساعات الصباح الأولى. وتشير الأدلة التي جمعتها منظمة العفو الدولية — ومن ضمنها شهادات 61 ناجيًا — إلى أن الهجمات على المحتجين السلميين كانت من تدبير قوات الدعم السريع، وجهاز الأمن والمخابرات الوطني، والشرطة، باستخدام الذخيرة الحية، والغاز المسيل للدموع، والسياط، والهراوات، وقد وصف العديد من الذين كانوا موجودين خلال الهجمات أفعال التعذيب أو المعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، فمثلًا ذكر معظم الذين أجرت منظمة العفو الدولية مقابلات معهم أنهم تعرضوا للضرب بالسياط، والعصى، وأعقاب البنادق، وللصفع والركل، وأرغموا على اتخاذ وضعيات مؤلمة، وتلقوا تهديدات بالقتل، وقد أقر علنًا الناطق باسم المجلس العسكري الانتقالي الفريق أول شمس الدين كباشي في 13 يونيو أن المجلس أمر بفض الاعتصام وقال إنه في الليلة السابقة، 2 يونيو، دعوا لعقد اجتماع موسع حضره جميع أعضاء المجلس العسكري الانتقالي، وكل قادة القوات النظامية، ورئيس الأركان، ورئيس هيئة الاستخبارات العسكرية، ومدير جهاز الأمن والمخابرات الوطني، ومدير عام الشرطة، وقائد قوات الدعم السريع.

حصيلة الضحايا :

تضاربت ضاربت الأرقام حول عدد الضحايا. فقد أعلنت وزارة الصحة السودانية مقتل 61 شخصا بينما قدرت قوى إعلان الحرية والتغيير العدد بـ128 شخصًا، وتحدثت لجنة أطباء السودان المركزية عن أكثر من 100 قتيل وقالت لجنة مقاومة شمبات الأراضي إن مئات المعتصمين السلميين قتلوا أمام القيادة العامة للجيش، وقد كانت هذه المجزرة لحظة صدمة للثورة. فقد انكشف الوجه الحقيقي للقوى العسكرية، وأصبح من الواضح أن الانتقال إلى الديمقراطية لن يكون سهلًا. لكن هذه الصدمة لم توقف الثورة، بل زادت من إصرارها.

ردود الفعل:

أعلنت قوى إعلان الحرية والتغيير وقف التفاوض مع المجلس العسكري الانتقالي، وعزمها العمل على تقديم قادة المجلس لمحاكمات عادلة. وخرجت تظاهرات في الخرطوم ومدن أخرى للمطالبة بتشكيل محاكم خاصة لمرتكبي فض الاعتصام.

وفي نهاية 2019، وعقب الاتفاق بين المدنيين والعسكريين على تقاسم السلطة الانتقالية، أعلن عبد الله حمدوك، رئيس الوزراء السابق، تشكيل لجنة تحقيق في فض اعتصام القيادة العامة بقيادة المحامي نبيل أديب، تحت ضغوط الرأي العام ولجان المقاومة.

لكن في فبراير 2025، ألغى مجلس السيادة الانتقالي البنود المتعلقة بتشكيل لجنة التحقيق في فض اعتصام القيادة العامة، وأصبح عمل اللجنة غير قانوني. وهذا يعني أن المساءلة عن هذه المجزرة لا تزال معلقة حتى اليوم.

دور لجان المقاومة بعد فض الاعتصام: تعاظم وتوسع

بعد فض الاعتصام، بدأ دور لجان المقاومة يتعاظم فقد كانت هذه اللجان، التي كانت محصورة في تنظيم المظاهرات المظاهرات، مضطرة للتحول إلى قوى سياسية واجتماعية أكثر شمولًا. فبعد أن شاركت قوى إعلان الحرية والتغيير في السلطة بالمشاركة مع المجلس العسكري الانتقالي، أصبحت لجان المقاومة أكثر استقلالية عنها، وبدأت تنتقد مشاركتها في السلطة.

وقد استمرت هذه اللجان بعد إعلان الحكومة الانتقالية في ممارسة دور حراسة الثورة وبناء الوطن، من خلال تأهيل المدارس والمستشفيات والشوارع التي نالت التخريب خلال الفترة الماضية. وقد كانت لجان المقاومة في الفترة الانتقالية بمثابة برلمان غير رسمي؛ حيث ركزت على مراقبة الحكومة الانتقالية، ورفضت رفع الدعم، وصعّدت حين صدرت توجهات وقرارات لا تلبّي تطلعات الشعب السوداني ولا تحقق شعارات الثورة.

وفي عام 2020، بدأت لجان المقاومة في التنظيم بشكل أكثر رسمية. فقد أعلنت عن الميثاق الثوري لتأسيس سلطة الشعب، وهو ميثاق موحد للجان المقاومة بولايات السودان. وقد نص الميثاق على حل قوات الدعم السريع، وتشكيل مفوضية للإصلاح الأمني والعسكري، وسحب القوات من اليمن، واسترداد الأراضي السودانية المحتلة وقد تضمن الميثاق تسع نقاط رئيسية تمثل العمود الفقري لحماية الانتقال الديمقراطي والوصول لتجربة ديمقراطية رشيدة.

وبعد انقلاب 25 أكتوبر 2021، عادت لجان المقاومة إلى الطليعة فقد أصبحت في مقدمة حركات المقاومة اللاعنفية في جميع أنحاء البلاد، جميع أنحاء البلاد. وقد وصفت دراسة أكاديمية لجان المقاومة بأنها ” أحد أهم “التجارب في العمل والسياسي اللاعنفي في الجنوب العالمي المعاصر”، وتتبعت تطورها عبر ثورة 2018–19، والفترة الانتقالية 2019–2023، والحرب الحالية. وقد أشارت الدراسة إلى أن لجان المقاومة لا تتفاعل فقط مع الأحداث، بل تنتج عوالم سياسية بديلة قائمة على المدنية، والسيادة الشعبية، والعدالة الاقتصادية.

الاتفاق السياسي: إنجاز ناقص

بعد أسابيع من المفاوضات، وبعد ضغوط دولية وإقليمية، توصلت قوى الحرية والتغيير والمجلس العسكري إلى اتفاق سياسي في أغسطس 2019، شكّل الوثيقة الدستورية، وأسس مجلس السيادة ومجلس الوزراء وقد كانت هذه الوثيقة إنجازًا للثورة، لكنها كانت ناقصة فقد قسّمت السلطة بين المدنيين والعسكريين، لكنها لم تحسم لكنها لم تحسم علاقة المدني بالعسكري، ولم تضع جدولًا زمنيًا واضحًا للانتقال إلى الديمقراطية الكاملة، كما أنها استثنت بعض القوى الثورية، مثل الحركة الشعبية والحزب الشيوعي، اللذين انسحبا من الاتفاق.

وقد أنتجت هذه الوثيقة ترتيبات هشة، مهدت الطريق للانقلاب في أكتوبر 2021. ففي 25 أكتوبر 2021، قام الفريق عبد الفتاح البرهان، رئيس مجلس السيادة، بحل الحكومة الانتقالية، واعتقال القيادات المدنية، وإعلان حالة الطوارئ. وهكذا، انتهى المسار الديمقراطي مؤقتًا، وعاد الجيش إلى السلطة بشكل سافر، وعنف مفرط.

بين الإنجازات والإخفاقات: قراءة نقدية في ثورة ديسمبر

الإنجازات: لقد حققت ثورة ديسمبر المجيدة انجازات تاريخية لا يمكن إنكارها:

أولًا: أسقطت نظامًا ديكتاتوريًا عمره ثلاثون عامًا، وهو إنجاز كبير بكل المقاييس.

ثانيًا: أثبتت أن التحالف بين النقابات والمهنيين والطلاب والنساء والشباب قادر على إسقاط أعتى الأنظمة.

ثالثًا: أفرزت أشكالًا جديدة من التنظيم، مثل لجان المقاومة وغرف الطوارئ، التي أثبتت قدرتها على الصمود والتكيف.

رابعًا: أعادت الاعتبار لقيمة العمل الجماعي والتضامن الاجتماعي.

خامسًا: وضعت أسسًا لميثاق ثوري يطالب بحل الميليشيات وإصلاح المؤسسات الأمنية والعسكرية.

الإخفاقات :

رغم الانجازات الكبيرة إلا أن الثورة عرفت أيضًا إخفاقات كبيرة:

أولًا، لم تستطع ترجمة انتصارها الثوري إلى نظام ديمقراطي مستقر، بسبب الاتفاق السياسي الهش الذي قسّم السلطة بين المدنيين والعسكريين.

ثانيًا، انزلقت قطاعات من المجتمع المدني إلى المحاصصة والكوتة، وفقدت استقلاليتها، وتحولت من رقيب إلى شريك في السلطة السياسية.

ثالثًا، تشرذم المجتمع المدني بعد الثورة، بين المركز والهامش، بين المدني والعسكري، بين من يدعو إلى المقاومة ومن يدعو إلى الحوار.

رابعًا، لم تحقق الثورة العدالة الانتقالية، ولم تحاسب قتلة فض الاعتصام.

خامسًا، لم تستطع الثورة أن تمنع الانقلاب في أكتوبر 2021، ولا الحرب في أبريل 2023 .

ما ينبغي أن يكون: دروس وآفاق حلول:

إن الخروج من هذا النفق المظلم يتطلب منا وقفة نقدية شجاعة،

أولًا: يجب أن يستعيد المجتمع المدني استقلاليته، وأن يعود إلى حصنه الحصين: الوقوف الى جانب الشعب،ىوحراسة العدالة، والرقابة على السلطة.

ثانيًا، يجب أن يتجاوز المجتمع المدني انقساماته، وأن يبني جبهة واسعة ومستقلة للضغط من أجل وقف الحرب ومكافحة خطاب الكراهية وحماية المدنيين.

ثالثًا، يجب أن يضع المجتمع المدني أولوية العدالة الانتقالية، وأن يطالب بمحاسبة مرتكبي الجرائم، لا سيما مجزرة فض الاعتصام.

رابعًا، يجب أن يبني المجتمع المدني تحالفات مع الحركات المدنية في الهامش، وأن يتجاوز مركزية الخرطوم.

خامسًا، يجب أن يطور المجتمع المدني أدواته التنظيمية، وأن ينتقل من العمل الظرفي إلى المؤسسية المستدامة.

إن المجتمع المدني السوداني، رغم كل ما أصابه من قمع وانزلاق وتشرذم، لا يزال يحمل في جعبته طاقة هائلة للتغيير. فقد أثبت في ثورة ديسمبر أنه قادر على صنع المستحيل. وما عليه الآن إلا أن يعيد اكتشاف نفسه، وأن يستعيد بوصلته، وأن يعود إلى شعبه، ليكمل المسيرة التي بدأها، من أجل سودان ديمقراطي، عادل، وسالم.

خاتمة الحلقة الثامنة

في هذه الحلقة الثامنة، تتبعنا ثورة ديسمبر 2018–2019 من الشرارة الأولى في الدمازين، إلى سقوط البشير في 11 أبريل 2019، إلى مجزرة فض الاعتصام في 3 يونيو 2019، إلى الاتفاق السياسي في أغسطس 2019، رأينا كيف قاد تجمّع المهنيين السودانيين الثورة بقيادة جماعية وشرعية شعبية. ورأينا كيف شكلت لجان المقاومة نسيج الثورة في القرى والأحياء، وكيف جعلتها مستدامة، وكيف تحولت بعد فض الاعتصام إلى قوة سياسية واجتماعية متعاظمة.

لكننا رأينا أيضًا الإخفاقات: الاتفاق السياسي الناقص، والانزلاق إلى المحاصصة، والتشرذم، وعدم تحقيق العدالة، وهذه هي موضوعات الحلقة التاسعة والأخيرة، حيث سنتناول المجتمع المدني في زمن الحرب، من لجان المقاومة إلى غرف الاستجابة للطوارئ، ومنظمات الإغاثة، ومستقبل الفضاء المدني في السودان. كيف تحولت لجان المقاومة إلى غرف طوارئ تقدم الخدمات وتنقذ الأرواح؟ كيف تعمل منظمات الإغاثة في ظل القصف والنزوح والمجاعة؟ وما مستقبل المجتمع المدني في سودان ما بعد الحرب؟ هذا ما سنتناوله في الحلقة الأخيرة من هذه السلسلة.

وإلى اللقاء في الحلقة التاسعة وقبل الأخيرة: “المجتمع المدني في زمن الحرب: من لجان المقاومة إلى منظمات الإغاثة”، ومستقبل الفضاء المدني في السودان”