دكتور/ إبراهيم الضي محمد أزرق
باحث وأكاديمي.
من الملاحظ إستمرار الحرب في السودان، رغم تعدد المبادرات الإقليمية والدولية، والجهود الرامية إلى الوصول إلى هدنة إنسانية تتيح وصول الغذاء والدواء والمساعدات الإنسانية إلى المدنيين.
فهذا الإستمرار يطرح سؤالا جوهريا حول طبيعة هذه الحرب وأهداف من يرفض الهدنة والتسوية، وحول مستقبل الدولة السودانية في حال إستمرار الصراع.
لقد أصبح من الصعب تبرير رفض أي هدنة إنسانية هدفها الأساسي حماية المدنيين وتسهيل وصول المساعدات إلى ملايين السودانيين الذين يواجهون الجوع والمرض والنزوح وفقدان الأمل.
فالحرب، في نهاية المطاف، لا تستهلك الموارد فحسب، وإنما تدمر قدرة المجتمع على البقاء، وعندها تتحول الدولة من مؤسسة لحماية وخدمة المواطن إلى طرف في الصراع على السلطة.
وتزداد المفارقة حين تعجز السلطة القائمة عن توفير الحد الأدنى من الأمن الغذائي والخدمات الأساسية لمواطنيها، وفي الوقت نفسه تعرقل وترفض أي ترتيبات يمكن أن تتيح لجهات أخرى بتقديم المساعدة الإنسانية إلى شعب أنهكته الحروب.
وبعد فشل كل تبريرات حكومة الأمر الواقع الرافضة للهدنة، وأصبحت غير منطقية وغير مقبوله، إستدعت التجربة الليبية للحديث عن أن أي هدنة في ظل الوضع القائم تزيد من إحتمالية إنقسام السودان أو تعدد مراكز السلطة فيه، غير أن المقارنة بين التجربتين تحتاج إلى قدر كبير من الحذر والدقة ؛ لأن ظروف ودواعي نشأة السلطتين في البلدين ليست متطابقة.
في ليبيا، إرتبط ظهور مراكز السلطة المتنافسة بإنهيار مؤسسات الدولة بعد سقوط نظام القذافي، ثم تطور الصراع على السلطة والموارد والنفوذ إلا أن وصل إلى حالة من الإنقسام السياسي والجغرافي، مع تشكل سلطات متنافسة في الشرق والغرب.
أما الحالة السودانية، فإن سلطة تأسيس نشأت في سياق مختلف، فبناء التحالف سلطة خدمية بديلة في مواجهة سلطة بورتسودان، جاء كنتيجة لسياسة سلطة العسكر التي حرمت بموجبها قطاعات واسعة من السودانيين من الوصول إلى الوثائق والخدمات الأساسية، (تعليم وصحة) وصادرت حرية الحركة والإقامة والوصول إلى مؤسسات الدولة تحت فرية حواضن إجتماعية للدعم السريع.
ومن هنا فإن جوهر الإختلاف لايتعلق فقط بمكان وجود الحكومة أو السيطرة على الأرض، وإنما بالسؤال الأعمق: هل نحن أمام مشروع لتقسيم السودان، أم أمام صراع على شكل الدولة السودانية ومنظومة الحكم التي ستديرها بعد الحرب؟.
فبالنظر إلى طرفي الصراع بإعتبارهما يمثلان منطقتين جغرافيتين متقابلتين قد يكون تبسيطا مخلا للمشهد السوداني ، فكل من المعسكرين يضم وبدرجات متفاوتة، قوى وشخصيات ومجموعات تنتمي إلى مناطق وقبائل ومكونات إجتماعية مختلطة من كل أنحاء السودان.
وعليه، فإن الصراع يمكن قراءته بإعتباره تنافسا بين مشروعين سياسيين حول مستقبل الدولة أكثر من كونه صراعا بين شرق وغرب أو بين جهة وأخرى أو بين إقليم وإقليم.
فالمشروع الأول ،يتمسك ببنية سياسية وعسكرية ذات جذور عميقة في تجربة الحكم السوداني خلال العقود الماضية وقد فشلت تلك البنية في تحقيق الأمن والإستقرار والإزدهار الإقتصادي على مدار سبعين عاما، ويضم قوى عسكرية وإسلامية وسياسية محافظة ترى أن الحفاظ على مؤسسات الدولة القائمة، مع إعادة ترتيب موازين السلطة، هو الطريق إلى إنهاء الأزمة.
أما المشروع الآخر فيطرح تصورا لإحداث تغيير عميق في بنية الدولة والمجتمع السياسي ، يقوم على تجاوز منظومة الحكم القديمة وإعادة تأسيس عقد إجتماعي سوداني على قواعد جديدة، من بينها العدالة الإجتماعية، والتوزيع العادل للسلطة والثروة، وإنهاء الإنقلابات العسكرية، وترسيخ الحكم المدني، وتنظيم تداول السلطة بصورة سلمية.
وهنا تكمن المسألة الأساسية: هل تنتهي الحرب بإعادة إنتاج النظام السياسي السابق، أم تفتح الباب أمام تأسيس عقد سياسي جديد؟.
من الخطأ في تقديري، السير على السردية التي تطرحها سلطة العسكر فأن أي مشروع سياسي بديل للسلطة القائمة يعني بالضرورة مشروعا لتقسيم السودان ، فالمعيار الحقيقي ليس إسم المشروع ولا مكان وجود مؤسساته، وإنما أهدافه السياسية والدستورية، وطبيعة علاقته بمكونات الدولة والمجتمع، ومدى إستعداده لقبول دولة واحدة تقوم على المواطنة المتساوية.
وبهذا المعنى، يمكن النظر إلى مشروع (تأسيس) بإعتباره مشروعا لإعادة بناء الدولة السودانية وليس لتفكيكها؛ أي الإنتقال من دولة تهيمن عليها البنية العسكرية والسياسية القديمة إلى دولة مدنية تقوم على عقد إجتماعي جديد.
المشكلة الأساسية أصبحت ليست مجرد إيقاف إطلاق النار، وإنما كيفية إيقاف الحرب وما الذي سيأتي بعدها.
فأي سلام يعيد إنتاج الأسباب التي قادت إلى دوامة الحروب قد يوفر هدنة مؤقتة، لكنه لن يمنع إندلاع حرب جديدة، فإن ذلك قد يجعل الحرب مفتوحة وبلا نهاية.
ولهذا فإن السلام المستدام يحتاج إلى معالجة جذور الأزمة: علاقة الجيش بالسلطة، وطبيعة الدولة، والعدالة الإنتقالية، وتقاسم السلطة والثروة، وحقوق الأقاليم، وضمانات المواطنة، وآليات التداول السلمي للسلطة.
كما أن أي عملية سياسية جادة لا يمكن أن تنفصل عن البعد الإنساني ، فالمواطن الذي يبحث عن الطعام والدواء والأمان لا يستطيع إنتظار التسويات السياسية إلى ما لا نهاية التي ينبغي أن تكون عمليات معقدة وجراحات دقيقة وعميقة ، لذا يبقى الإقرار بالهدنة الإنسانية مطلب أخلاقي وإنساني.
فنهاية الحرب المنشودة، ليست مجرد تسوية بين القوى المسلحة، وإنما بداية لحقبة سياسية ، تؤسس على أساس عقد إجتماعي جديد يشارك في صياغته السودانيون بمختلف مناطقهم ومكوناتهم.
عليه إن الفرق بين النموذج الليبي والنموذج السوداني لا ينبغي أن يبحث فقط في تعدد الحكومات أوالسيطرة الجغرافية، وإنما يستدعى في قراءة وتحليل طبيعة المشاريع السياسية ودواعي تكوينها ومنطلقات التنافس ، هل على تشكيل الدولة ومستقبلها ولا على تقسيمها؟.
وفي نهاية المطاف، يمكن القول إن السودان لا يستطيع الخروج من دوامة الحروب بمجرد إنتصار عسكري لطرف على آخر؛ لأن جذور الأزمة أعمق من ميزان القوة في الميدان، المطلوب هو سلام يوقف نزيف الدم، ويعيد بناء مؤسسات الدولة، ويضمن العدالة والمواطنة، ويمنع إعادة إنتاج الحرب في صورة جديدة ، ملبيا رغبات السودانيين مدنيين وعسكريين.
فالسودان يقف أمام خيارين تاريخيين: سلام يعالج جذور الأزمة ويفتح الطريق أمام دولة مدنية عادلة، أو الإستمرار في حرب تستنزف الدولة والمجتمع دون أن تنتج حلا مستداما.

