الجمعة, أكتوبر 2, 2026

كتب/ د. عبد المحمود أبو

فضّل الله سبحانه وتعالى الإنسان على سائر المخلوقات المشاهدة بالبيان؛ ولكنه حذره من توظيفه في الضرر والفساد؛ وكثير من الناس يطلق الكلمة دون ضوابط فيجلب لنفسه الضرر وللآخرين، وقد ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الإنسان يقول الكلمة لا يلقي لها بالًا فيهوي بها في النار سبعين خريفًا.

هنالك أمور إذا استحضرها الإنسان قبل أن يتكلم أو يكتب لاستقام أمره ونجى نفسه يوم تبلى السرائر منها:

أولًا: الشعور بالمسؤولية واستحضار الحساب يوم القيامة، قال تعالى: “وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ ۖ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا”. من استحضر هذا النص عندما يريد أن يتكلم أو يكتب فإنه سيضبط كلامه.

ثانيًا: الإدراك بأنه تحت الرقابة مهما كان موقعه، فكل ما يقوله مراقب، قال تعالى: “مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ”. فالرقابة ملازمة له حيثما كان لذلك من استحضر هذا الرقيب ضبط ألفاظه.

ثالثًا: تحري الصدق؛ سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المخالفات التي يقع فيها المؤمن، فأكد أنه من الممكن أن تقع منه كل المحظورات إلا أنه ذكر أن المؤمن لا يكذب؛ وذكر في نصوص أخرى أن من اعتاد الكذب ولم يتورع منه سيكتب عند الله كذابًا؛ وأن من التزم الصدق سيكتب عند الله صديقًا.

رابعًا: حسن الظن بالناس ومراعاة البراءة الأصلية؛ فمن سمع عن الناس شيئًا مشينًا فلا يصدقه من أول وهلة حتى يتبين ولا ينشر كل ما سمعه، قال تعالى: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ”. وذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن من الكذب أن يتحدث الإنسان بكل ما سمع.

خامسًا: عدم تتبع سقطات الآخرين وهفواتهم؛ فالعاقل من شغله عيبه عن عيوب الناس؛ ومن اعتاد فضح الناس يفضحه الله في الدنياوالآخرة. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “يا مَعْشَرَ مَن آمن بلسانِه ولم يَدْخُلِ الإيمانُ قلبَه، لا تغتابوا المسلمينَ، ولا تَتَّبِعُوا عَوْرَاتَهِم، فإنه مَن تَتَبَّعَ عَوْرَةَ أَخِيه المسلمِ، تَتَبَّعَ اللهُ عَوْرَتَه، ومَن تَتَبَّعَ اللهُ عَوْرَتَه، يَفْضَحْهُ ولو في جوفِ بيتِه”.

سادسًا: الاهتمام بتزكية النفس؛ فالتزكية تخلية عن الرذائل وتحلية بالفضائل؛ وهي من أهم مقومات الاستقامة، قال تعالى: “قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا”.

سابعًا: الوعي بأن كل المظالم التي تقع من الإنسان على الآخرين في الدنيا تسدد يوم القيامة من ثواب الأعمال الصالحة التي عملها. قال صلى الله عليه وسلم: “أتدرونَ ما المُفلِسُ؟ قالوا: المُفلِسُ فينا مَن لا دِرهمَ له ولا مَتاعَ، فقال: إنَّ المُفلِسَ مِن أمَّتي يأتي يومَ القيامةِ بصلاةٍ وصيامٍ وزكاةٍ، ويأتي قد شتَم هذا، وقذَف هذا، وأكل مالَ هذا، وسفَك دمَ هذا، وضرَب هذا؛ فيُعطى هذا مِن حَسَناتِه، وهذا من حَسَناتِه، فإن فنِيَت حَسَناتُه قَبلَ أن يُقضى ما عليه أُخِذ مِن خطاياهم، فطُرِحَت عليه، ثُمَّ طُرِح في النَّارِ”.

علينا أن نستحضر هذه المعاني لنهذب أنفسنا ونكف شرنا عن الناس ونتذكر هذا اليوم قال تعالى: “يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ ۚ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَىٰ وَمَا هُمْ بِسُكَارَىٰ وَلَٰكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شديد.