الجزء الثاني المقال رقم(1)
أ/ آدم راشد
تجاوز ملف الأسلحة الكيميائية في السودان مرحلة التباين السياسي والاتهامات المتبادلة بين واشنطن والخرطوم، ليبلغ منعطفاً استقصائياً وقانونياً بالغ التعقيد. فمع صدور التحقيقات الاستقصائية المشتركة لصحف عالمية بارزة مثل واشنطن بوست ونيويورك تايمز وتغطية لوموند، انتقلت القضية من مجرد اتهام بوقائع معزولة إلى مستوى أعمق يتعلق بشبهات وجود برنامج سري متكامل ومنهجي. وبين تمسك الحكومة السودانية بنفي هذه الاتهامات واستنادها إلى نتائج لجنتها الوطنية الأولية التي قُدّمت لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية، وبين الإصرار الدولي على رفض التحقيق المحلي كبديل عن التفتيش المستقل، يبرز السؤال الجوهري حول كيفية إثبات الحقيقة دون تسرع في الإدانة أو هروب في الإنكار.
كيف بدأت القضية وتطور مسارها الزمني؟
تقتضي الأمانة الصحفية والمهنية التمييز بدقة بين الادعاءات الحالية وتلك التي تعود إلى سنوات سابقة، حين ظهرت تقارير عن استخدام محتمل لعوامل كيميائية في إقليم دارفور وأجرت منظمة العفو الدولية تحقيقات بشأنها. أما الملف الحالي فيتعلق حصراً بادعاءات استخدام في خضم الحرب المشتعلة بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع. فقد أصدرت وزارة الخارجية الأمريكية تحديداً رسمياً استناداً إلى القوانين الأمريكية المعنية بالأسلحة الكيميائية والبيولوجية، مؤكدة أن التقييم استند إلى تحقيق وطني أمريكي صارم ومستقل، وليس إلى قرار صادر عن منظمة حظر الأسلحة الكيميائية.
المواقف الرسمية والدولية والأطراف ذات الصلة
على صعيد المواقف الدولية، أصدرت الولايات المتحدة تحديدها الرسمي تتبعه حزم عقوبات متتالية، ورغم لغة التحديد الصارمة، إلا أن الإدارة الأمريكية لم تكشف علناً عن الأدلة التقنية التفصيلية أو الإحداثيات الدقيقة، مكتفية بالتأكيد على أن تقييمها استند إلى معلومات استخباراتية وطنية. ومن جهتها، عبّرت المملكة المتحدة عبر ممثليها الدائمين في دورات المجلس التنفيذي لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية عن قلقها البالغ، ودعت إلى ضرورة التزام السودان باتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية والإفصاح عن نتائج التحقيقات الوطنية. وإلى جانب الأطراف الرئيسية، يبرز دور أعضاء المجلس التنفيذي، والأمانة الفنية للمنظمة، ومنظمات المجتمع المدني الحقوقية، وأطراف النزاع الأخرى، ومجلس الأمن الدولي. أما المنظمة الدولية لحظر الأسلحة الكيميائية، فلم تُصدر حتى الآن حكماً فنياً نهائياً أو تقريراً قاطعاً يثبت أو ينفي حدوث الهجمات، واقتصر دور المجلس التنفيذي على تبادل المذكرات واستعراض ردود السودان وسط ضغوط غربية مكثفة للقبول بعمليات تفتيش وتحقق دولي مستقل.
ماذا فعلت حكومة بورتسودان؟
سارعت حكومة بورتسودان إلى تأسيس لجنة وطنية للتحقيق، أُعيد هيكلتها وتوسيعها لاحقاً لتضم خبراء من الجهاز الوطني لحظر الأسلحة الكيميائية، وأطباء، ومختصين في الطب العدلي والأدلة الجنائية، وأسندت رئاستها إلى شخصية دبلوماسية رفيعة. وفي وقت لاحق، تقدم السودان بوثيقة رسمية إلى المجلس التنفيذي للمنظمة تضمنت نتائج أولية نفت فيها اللجنة وجود أي أدلة فنية أو مادية تثبت استخدام أسلحة كيميائية. ومع ذلك، اعترف التقرير بوجود عوائق أمنية ولوجستية حالت دون الوصول إلى بعض المواقع. وفي أعقاب ذلك، أبدت الخارجية السودانية استعدادها للتعاون، مشيرة إلى وجود مقترحات سابقة لإرسال خبراء أجانب لتحقيق ميداني لم تلاقِ الاستجابة المطلوبة .
التطور الاستقصائي الأخير: من وقائع معزولة إلى برنامج منظم
شهد الملف منعطفاً استقصائياً نوعياً مع نشر تحقيقات صحفية ضخمة استندت إلى أرشيف سري يضم وثائق ومقاطع فيديو وصورة وتسجيلات صوتية ومراسلات لضباط كبار. كشفت هذه المواد عن تطوير برنامج سري لإنتاج ذخائر هجينة تستخدم غاز الكلور، واستخدام أسطوانات غاز الكلور الخاصة بمحطات معالجة المياه المدنية لأغراض عسكرية، وتجارب تفجير ميدانية في مناطق صحراوية، فضلاً عن صدور أوامر عليا لاحقة بإخفاء الآثار ومحو معالم البرنامج بعد افتضاح الأمر. هذا التحول يطرح تساؤلاً منهجياً صارخاً حول ما إذا كانت اللجنة الوطنية تحقق في واقعة أو وقائع منفردة بينما تتحدث الأدلة الجديدة عن برنامج منظم، وهو ما يضع التقرير السوداني أمام اختبار مصداقية عسير .
معضلة الدليل الغائب وتناقضات الهروب إلى الأمام
إن أخطر ما في هذه القضية هو التناقض الصارخ بين النفي الحكومي المطلق الذي يغفل تفسير مشاهد الفيديو والصور المؤلمة لمصابين تظهر عليهم أعراض تشبه آثار التعرض لعوامل كيميائية، وبين الاتهامات الدولية التي تكتفي بالعقوبات والبيانات السياسية دون عرض أدلة قاطعة ومفحوصة علناً. وإذا كانت الحكومة ليس لديها ما تخشاه، فسرعان ما يبرز التساؤل حول أسباب التماطل، سيما وأن التاريخ السياسي السوداني يحمل تجارب مريرة مع سياسة الهروب إلى الأمام وإفراغ لجان التحقيق من مضامينها الحقيقية عبر طي التقارير في أدراج المجهول، مما أسس لثقافة الإفلات من العقاب وتضييع حقوق الضحايا.
أقصى ما تملكه منظمة حظر الأسلحة الكيميائية وحدود الصلاحيات
تنظم اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية صلاحيات المنظمة بدقة، وأقصى ما يمكن للمنظمة اتخاذه يشمل مسارين رئيسيين؛ أولهما إرسال فرق التفتيش والتحقق الميداني بناءً على آليات الاتفاقية للوصول إلى أي موقع مشتبه به، وثانيهما اللجوء إلى العقوبات والتدابير المؤسسية في حال ثبوت عدم الامتثال، والتي تشمل تعليق حقوق ومزايا العضوية وحرمان الدولة من التصويت، فضلاً عن رفع الأمر إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة ومجلس الأمن لاتخاذ تدابير دبلوماسية واقتصادية واسعة النطاق.
الخاتمة التحليلية: ما هو المطلوب وما هو المنتظر؟
إن الاستمرار في إدارة هذا الملف الخطير بسياسة الإنكار وتأجيل الشفافية لن ينهي الأزمة، بل سيعمق العزلة السياسية ويشرعن المزيد من العقوبات. وعليه، فإن الموقف المنتظر والمطلوب يرتكز بصرامة على قاعدتين تتمثلان في رفض الإدانة قبل اكتمال الإثبات وعدم الاكتفاء بالإنكار دون تحقيق مستقل. إن الطريق الوحيد للخروج من هذه الحلقة المفرغة هو فتح الأبواب أمام تحقيق فني مستقل وشفاف تحت مظلة منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، بحيث تضع الأطراف أدلتها، ويقوم الخبراء الدوليون بفحص المواقع والعينات بدقة، فالحقيقة ليست ملكاً لأي طرف سياسي، بل هي أمانة تاريخية وحق أصيل.

