كتب: دكتور/ إبراهيم الضي محمد أزرق
باحث وأكاديمي
بتدشين عمل وزارة التعليم العالي والبحث العلمي ، عقب القرارات الثورية لرئيس الوزراء والمتمثله في إعفاء مديري ورؤساء مجالس عدد من الجامعات ،وإعلان وزير التعليم العالي والبحث العلمي البروفسيور عيد إبراهيم بريمة ، عن بدء مزاولة الوزارة لعملها بصورة رسمية، تبدأ مرحلة بناء دولة المؤسسات التي ننشدها.
حيث بشر الوزير بإنطلاق حزمة من البرامج والمشروعات الأساسية التي تمثل ركيزة مهمة في عمل الوزارة ورسالة التعليم العالي؛ المتمثلة في نقل العلوم والمعارف من خلال تدريس الطلاب ، وإنتهاج البحث العلمي كألية للدراسة ووضع الحلول العلمية لقضايا ومشكلات المجتمع السياسية والإقتصادية والطبيعية ، بالإضافة الى خدمة المجتمع ونشر الوعي، حيث يعتبر ذلك خطوة أساسية في وضع إطار علمي ،قادر على خلق إستقرار دائم لمؤسسات التعليم العالي والبحث العلمي وتمكينها من أداء رسالتها التعليمية والبحثية والخدمية ، ووضعها على مسار جديد.
إن البرامج الطموحة والمنهجية التي أعلنت عنها الوزارة لاتبدو مجرد خطة عمل مرحلية، وإنما تعكس رؤية تتجاوز إدارة الحاضر إلى صناعة المستقبل، والإنتقال بالتعليم العالي من المرحلة التقليدية إلى رحاب العالمية والحداثة مع ملاحقة التطورات فيما يختص بالتركيز على متطلبات سوق العمل وجودة المخرجات.
فمن خلال هذا التدشين، أكدت حكومة السلام أنها حكومة تنظر إلى الدولة بعين المخطط الإستراتيجي، وتبني برامجها على أسس علمية ومنهجية طويلة المدى، تستهدف مختلف جوانب الحياة وتنعكس ثمارها بصورة مباشرة على قطاعات المجتمع كافة.
تدشين عمل وزارة التعليم العالي والبحث العلمي ، يحمل هذا السياق إعلان عن بداية مرحلة جديدة في إدارة الدولة، يكون فيها التخطيط والمنهجية والإختصاص بديلا عن الإرتجال، ويصبح العلم والمعرفة والبحث العلمي أدوات أساسية في بناء الدولة وصناعة القرار.
لقد عانى الشعب السوداني طويلا من التخبط والعشوائية في إدارة الشأن العام، وكانت النتيجة الطبيعية لذلك أزمات متراكمة، وحروبا ودمارا وتشرذما دفع المواطن ثمنها غاليا، ولذلك فإن الإنتقال من عقلية إدارة الأزمات إلى عقلية بناء دولة المؤسسات ليس ترفا سياسيا، وإنما ضرورة تاريخية تفرضها المرحلة ومراعاة لحق المواطن في العيش الكريم، وتوفير الخدمات الأساسية من صحة وتعليم وسائر مقومات الرفاه والإستقرار، شعارات ترفعها حكومة السلام، وتترجمها إلى سياسات وبرامج ومشروعات يلمس المواطن آثارها في حياته اليومية.
ماتشهده الدولة من تأسيس منهجي ومبني على المعرفة والدراية وإختراقات دبلوماسية مؤثرة ، مع تقدم عسكري حاسم ، يؤكد أن إدارة الدولة مبنية على مبدأ التخصص وتقسيم العمل وذلك يمثل أحد المرتكزات المهمة في إدارة المرحلة الجديدة ونجاحها بإذن الله، فالدولة لا تبنى بالشعارات، وإنما بتوزيع واضح للمهام، وتحديد المسؤوليات، والإستفادة من الكفاءات، وربط كل مؤسسة بأهداف وبرامج قابلة للقياس والتقييم.
أكد سعادة الوزير إن التعليم العالي ليس قطاعا خدميا فحسب، بل هو أحد أعمدة بناء الدولة الحديثة، والبحث العلمي ، وليس نشاطا أكاديميا معزولا، إنما أداة لإنتاج المعرفة، وحل المشكلات، وتحقيق التنمية، وصناعة مستقبل أكثر إستقرارا للسودان.
إن حكومة السلام، من خلال برامجها المعلنة ومايتبعها من عمل ميداني وخدمي دؤوب لرئيس الوزراء وأركان حربه ، تؤكد إن الإنتقال من مرحلة الحرب والفوضى إلى مرحلة السلام والبناء يتطلب مع تغيير في الخطاب السياسي للدولة والمجتمع، تحول حقيقي في طريقة إدارة الدولة.
فالسوداني الذي أنهكته الحرب لا ينتظر وعودا جديدة، وإنما يريد أن يرى آثار التغيير في حياته؛ في المدرسة والجامعة والمستشفى والطريق والخدمة العامة، وفي أمنه وإستقراره ومستقبل أبنائه.
وهنا تكمن القيمة الحقيقية لما تقوم به حكومة السلام: من أن تجعل من مهام الدولة بداية للبناء، ومن التخطيط وسيلة للتغيير، ومن العلم والمعرفة أساسا لصناعة المستقبل.
فما يدشن اليوم في وزارة التعليم العالي والبحث العلمي لم يكن مجرد بداية لبرنامج وزاري، وإنما لبنة في مشروع وطني أكبر، عنوانه الإنتقال من دولة الأزمات إلى دولة المؤسسات، ومن إدارة الحاضر إلى صناعة المستقبل.

