الخميس, أكتوبر 1, 2026

كتاب العدالة الانتقالية في خريطة الخديعة ومأزق الانتقال (9)

بقلم: أ / آدم راشد_ المحامي

حين اندلعت ثورة ديسمبر المجيدة، لم تكن مجرد انتفاضة عابرة ضد غلاء المعيشة أو سوء إدارة، بل كانت زلزالاً شعبياً جارفاً استهدف تفكيك بنية الاستبداد التاريخي وهدم صرح “الدولة الشمولية” من أساسه. غير أن الوهم الأكبر الذي سقط في اختبار الواقع هو الظن بأن سقوط رأس الهرم وتنحي رأس النظام في الحادي عشر من أبريل عام 2019 يعني تلقائياً سقوط النظام؛ فما غاب عن بالكثيرين هو أن الاستبداد في السودان لم يكن مجرد حزب حاكم أو واجهة سياسية عابرة، بل كان “منظومة أخطبوطية” متجذرة بعمق في بنية مؤسسات الدولة، وهي ما تُعرف اصطلاحاً بـ “الدولة العميقة.

ولفهم كيف أُجهضت الثورة، وكيف تناسلت المؤامرات من مجزرة فض الاعتصام إلى انقلاب الخامس والعشرين من أكتوبر، وصولاً إلى حرب الخامس عشر من أبريل عام 2023 واختلاق السرديات المضللة، لابد لنا من تشريح علمي وفلسفي وتاريخي لطبيعة هذه الدولة العميقة في السودان، مستشهدين بحكمة الأقدمين ومكر التاريخ.

تشريح أخطبوط السلطة: ما هي الدولة العميقة في السودان؟

حين نتحدث عن “الدولة العميقة” في السودان، فإننا لا نُشير فقط إلى فلول الحزب المحلول أو قيادات الحركة الإسلامية وحدها، بل نقصد الشبكة العضوية المعقدة التي تقاطعت فيها مصالح أيديولوجية واقتصادية وأمنية واجتماعية عتيقة. تتشكل هذه المنظومة في المقام الأول من عملية “التدجين الممنهج لمؤسسات إنفاذ القانون والعدل”؛ فلم تكن وزارة العدل، ولا القضاء، والأجهزة الأمنية، ووزارة الخارجية مرافق مدنية محايدة، بل تعرضت لعملية أسلمة وتطهير ممنهج طوال ثلاثة عقود من حكم الإنقاذ، بل وتسللت جذورها قبل ذلك عبر اختراق الخدمة المدنية والقضاء منذ سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي. لقد أُفرغت هذه المؤسسات من الكفاءات المستقلة، وحُلّت محلها كفاءات الولاء التنظيمي المطلق التي ترى في الحزب والقبيلة بديلاً عن الوطن.

ويضاف إلى ذلك ما يُعرف بـ “الحرس القديم” (The Old Guards) وأصحاب الامتيازات التاريخية؛ وهم شبكة البيروقراطية العليا، وقدامى المحاربين في المؤسسات السيادية والعسكرية والأمنية، والذين ترتبط مصيرهم المالي والاقتصادي —عبر شركات المنظومة الأمنية والدفاعية والواجهات التجارية الكبرى— باستمرار النفوذ القديم ورفض أي تفكيك حقيقي لاحتكارهم للسلطة والثروة. إن الدولة العميقة في السودان هي كارتيل مالي واقتصادي ضخم يسيطر على مفاصل الاقتصاد الوطني كالذهب والسلع الاستراتيجية والبنوك، ويوظف شبكات عابرة للولاءات لحماية مصالحه.

مكر التاريخ وخيانة المؤسسات في مرآة الفلسفة والتاريخ

تعامل الفلاسفة والمفكرون طويلاً مع معضلة الدولة العميقة والأنظمة البائدة التي ترفض الموت والرحيل. يقول الفيلسوف الألماني هيجل في فلسفته للتاريخ عن “مكر العقل التاريخي”؛ إن الأنظمة الاستبدادية حين تشعر بالخطر الداهم، فإنها تلجأ إلى التخفي وتغيير جلودها، فتظهر في صورة حماة للاستقرار أو قوى انتقالية، بينما هي تحفر قبور التحول الديمقراطي من الداخل. ويرى العالم الاجتماعي ابن خلدون في مقدمته أن الدول إذا أصابها الترف والتمكين الطويل للبطانة الفاسدة، فإن العصبية الحاكمة تستميت في البقاء، وتستخدم كل أساليب المكر والخداع والتحزّب لإفشال أي مشروع إصلاحي يهدد امتيازاتها التاريخية، معتبرة بقاءها هو بقاء للوطن نفسه.

وفي الفكر الديني، يصدق عليها قول الله تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلاَّ بِأَنْفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ)((الأنعام: 123)). فالمكر المؤسسي والعميق هو سلاح العاجزين أمام المد الشعبي الثوري الجارف.

لقد أدركت هذه الشبكات مبكراً أن تسليم السلطة للمدنيين يعني تفكيك مصادر ثروتها وتقديم رموزها للعدالة، فلجأت إلى خيار الأرض المحروقة.

خريطة الخديعة: من فض الاعتصام إلى هندسة الحرب

لم تحدث الهزيمة المؤقتة لثورة ديسمبر صدفة، بل تمت هندستها عبر مراحل متسلسلة أدارتها الدولة العميقة ببرود واحترافية عالية. بدأت المحطة الكبرى بمجزرة فض اعتصام القيادة العامة في يونيو 2019؛ وهو الحدث الصدمة الذي هدف إلى كسر الإرادة الثورية وإرهاب الشارع، وتأكيد استحالة الشراكة دون هيمنة العسكر والفلول، وهو ما اعترف به علناً القيادي العسكري شمس الدين كباشي بمشاركة كافة القوات النظامية والوحدات العسكرية، والنيابة العامة والجهاز القضائي لولاية الخرطوم الى آخر القائمة، و”حدث ما حدث”.

وتوالت بعد ذلك سلسلة المؤامرات الاقتصادية والسياسية المتمثلة في افتعال الأزمات المعيشية، وقفل ميناء بورسودان وتدبير ما عرف بـ”اعتصام الموز” لخنق العاصمة وإسقاط الحكومة المدنية اقتصادياً، وصولاً إلى انقلاب الخامس والعشرين من أكتوبر لعام 2021 والمحاولة الصريحة لقطع الطريق نهائياً أمام تفكيك التمكين وإعادة الفلول إلى الواجهة. وحين أدركت الدولة العميقة أن التسوية السياسية عبر الاتفاق الإطاري قد تفضي إلى إنهاء سيطرتها وقيام سلطة مدنية خالصة، لم تتردد في دفع البلاد نحو أتون حرب الخامس عشر من أبريل 2023 العبثية، لتتولى عناصر الفلول لاحقاً تأجيج الصراع، ومنع أي منبر تفاوضي من تحقيق وقف إطلاق النار، تحت شعارها المبطن بالخراب: إما أن نحكمكم أو ندمرها عليكم، وظهرت على السطح اصوات كثيرة تعلن عن وجودها في مسرح الاحداث بقوة، ولعل ما صرح به الشيخ عبدالحي يوسف: من “ان هذه الحرب قد اعادت للحركة الاسلامية ألقها…” يؤكد بوضوح دورهم في اشعالها واستمرارها.

والاتفاق الاطاري رغم رأينا فيه ولكن للامانة كان حينها هو الطريق الوحيد المتاح لافشال انقلاب 25/ اكتوبر 2021 لانه ورائه الطيف الاكبر من قوى الثورة ومدعوم من قبل المجتمع الدولي والاقليمي الامر الذي يسر عمل الوساطة ” الرباعية” المكونة من المملكة المتحدة والولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية والامارات العربية، وكان الأمل فيها كبير لولا قطع الطريق عليها بالحرب.

آليات الإنكار ولجان التحقيق الوهمية وتزييف الذاكرة

من أبرز أدوات الدولة العميقة في إدارة الصراع هو سلاح السرديات المضادة والإنكار المنهجي. لقد اعتمدت على إنشاء لجان تحقيق عبثية ووهمية مثل لجنة التحقيق في مجزرة فض الاعتصام وغيرها، والتي صُممت عمداً لتموت في ردهات الروتين الرسمي المُدجن، بلا نتائج ولا محاسبة، لتكريس ثقافة الإفلات الأبدي من العقاب.

إلى جانب ذلك، نشطت آلات التضليل في ترويج الأكاذيب وتزييف الذاكرة الوطنية، كاختلاق السرديات التي تتهم الأطراف المدنية بالمسؤولية عن إشعال الحرب، أو تصوير الفلول كحماة للسيادة الوطنية والجيش، بينما هم المخططون الحقيقيون لتدمير مؤسسات الدولة معاً من أجل العودة إلى السلطة على أشلاء السودانيين. إن هذا التزوير الممنهج للواقع يهدف إلى شطب الوعي الجمعي الثوري وإدخال المجتمع في نفق من التشتت واليأس.

نحو التفكيك الجذري وبناء المستقبل

إن ما يعيشه السودان اليوم ليس مجرد صراع عسكري عابر، بل هو المعركة الفاصلة بين مشروعين: مشروع الدولة المدنية الديمقراطية القائمة على المواطنة وسيادة حكم القانون، ومشروع الدولة العميقة القائم على الاستبداد والامتيازات الحزبية والجهوية. إن فهم طبيعة هذه الدولة العميقة بكل تشعباتها المؤسسية والمالية والحرس القديم هو الشرط الإلزامي الأول لأي عملية سلام أو انتقال مستقبلي ناجح.

ولن يُهزم هذا المكر إلا بوعي ثوري صلب، وجبهة مدنية ومقاومة شعبية لا تقبل بأنصاف الحلول، وتتمسك بلا مساومة بمطلب تفكيك التمكين، وإزالة كارتيلات الاستبداد، ومحاسبة كل من أجرم في حق هذا الشعب الأبي. فالطريق إلى الوطن ليس مساومة فوقية باهتة، بل هو استرداد كامل لسيادة الدولة من مخالب العبث والفلول، ليبقى فجر العدالة والحرية هو الحقيقة الباقية التي لا تُطمس ابدا.