الخميس, أكتوبر 1, 2026

كتب/ إيهاب الأمين

يدخل السودان منعطفاً تاريخياً شديد الخطورة مع تسارع وتيرة الانهيار الاقتصادي الشامل وتفكك عرى المنظومة النقدية إذ يسجل الجنيه السوداني كل يوم تراجعاً مدوياً وغير مسبوق بقفز سعر الدولار في السوق الموازية إلى عتبة ستة آلاف وأربعمائة جنيه وهذا التدهور ليس مجرد أرقام في نشرات أسواق الصرف بل هو انعكاس موضوعي ومباشر لفشل العقلية العسكرية في إدارة الدولة وتحويلها للبلاد إلى ساحة حرب ممتدة دمرت البنى التحتية وأوقفت عجلة الإنتاج تماماً.

إن عجز سلطة الأمر الواقع في بورتسودان عن ضبط السياسة النقدية أو توفير حلول جذرية للأزمة يفضح غياب الرؤية والخطط التنموية الهادفة وبدلاً من الاعتماد على القواعد العلمية والاقتصادية السليمة تصر الإدارة العسكرية برئاسة عبد الفتاح البرهان على اعتماد سياسات عقيمة تقوم على طباعة العملة بدون غطاء إنتاجي أو احتياطي نقدي كافٍ فضلا عن اللجوء إلى قرارات حظر الاستيراد العشوائية التي عطلت الأنشطة الإنتاجية وخلقت احتكارات جديدة أدت إلى قفز التضخم وتآكل القوة الشرائية للأجور بشكل حاد ويتجلى هذا الفشل الإداري بوضوح في اتساع دائرة الاحتجاجات العمالية كإضراب عمال المطارات واضطراب أسواق الذهب التي تحولت إلى منافذ للتهريب وتغذية اقتصاد الحرب بدلاً من رفد خزينة الدولة بالنقد الأجنبي وتؤكد التقارير الدولية الصادرة عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي والبنك الدولي عمق الفاجعة حيث انكمش الناتج المحلي الإجمالي للسودان بنحو 30% في العام الأول للحرب وتجاوز الدين العام نسبة 169% من الناتج المحلي الإجمالي مما يجعل السودان متصدراً لقائمة الدول الأكثر عبئاً بالديون في المنطقة.

إن المأساة الحقيقية تكمن في إقصاء الكفاءات الوطنية وتهميش خبراء الاقتصاد الذين يزخر بهم السودان بينما تستفيد من عقولهم وتجاربهم دول ومؤسسات دولية كبرى. هذا الإقصاء الممنهج وتفضيل الولاءات الضيقة لإدارة موارد البلاد المتهالكة أكدا عدم قدرة الأنظمة الشمولية والعسكرية على تحقيق الاستقرار المالي والرفاه الاجتماعي فالاقتصاد الناجح يحتاج إلى بيئة مستقرة وقنوات رسمية موثوقة تسترد ثقة المغتربين وقد تراجعت تحويلاتهم بنحو سبعين بالمئة جراء تفكك الجهاز المصرفي ويستبين للجميع اليوم أن طريق الإصلاح وحماية ما تبقى من مقدرات الشعب السوداني يمر إجبارياً عبر الوقف الفوري والشامل للحرب وإنهاء الحكم العسكري الذي أثبت عقمه تنموياً واقتصادياً ولا شك ان المخرج الوحيد يتمثل في انتقال حقيقي وشجاع نحو حكم مدني ديمقراطي مؤسس على دولة القانون والمؤسسات حيث تدار الدولة بعقول الخبراء والتخطيط العلمي المستدام ليعود السودان إلى مسار التنمية والبناء والاستقرار.