سودانا _ تقارير
يكشف أحدث تقرير لبرنامج الأغذية العالمي عن وجه آخر للحرب في السودان: لم تعد أزمة الغذاء مرتبطة فقط بنقص السلع بل باتت مرتبطة بصورة متزايدة بانهيار القدرة على تحمل تكلفتها. فقد قفزت تكلفة سلة الغذاء المحلية في يوليو، وفق تقرير «مراقب السوق» الصادر في أغسطس بنسبة 22% خلال شهر واحد و76% مقارنة بالعام السابق بينما واصل الجنيه السوداني انهياره أمام الدولار.
وبلغ متوسط تكلفة سلة الأغذية المحلية التي يعتمدها البرنامج نحو 3,380 جنيهاً سودانياً في وقت ارتفعت فيه أسعار جميع السلع الغذائية الأساسية على أساس شهري بنسب تراوحت بين 5% و29% وعلى أساس سنوي بين 42% و105%.
وتصدرت أسعار الفول السوداني موجة الارتفاع بعدما قفزت 33% خلال شهر و167% على أساس سنوي ليصل سعر القنطار إلى نحو 219,058 جنيهاً. كما ارتفع سعر دقيق القمح 27% شهرياً إلى 5,227 جنيهاً للكيلوغرام، والذرة الرفيعة 23% إلى 2,071 جنيهاً للكيلوغرام فيما زاد سعر الماعز 78% خلال عام.

لكن الأرقام الغذائية تخفي وراءها أزمة أعمق: العملة التي يشتري بها السودانيون طعامهم تفقد قيمتها بسرعة أكبر من قدرة دخولهم على اللحاق بها.
فبحسب التقرير، تراجع الجنيه في السوق الموازية بنسبة 18% خلال شهر و90% خلال عام، ليصل سعر الدولار إلى نحو 5,600 جنيه. وفي البنوك التجارية بلغ الدولار 5,300 جنيه في تراجع كبير للعملة المحلية مقارنة بمستويات العام السابق.
ويربط برنامج الأغذية العالمي هذا التدهور باستمرار الحرب والاضطرابات الاقتصادية إلى جانب ارتفاع الطلب على العملات الأجنبية وزيادة سعر دولار الجمارك وهي عوامل رفعت تكلفة الاستيراد ودفعت بمزيد من الضغوط إلى أسعار السلع المحلية.
ولا تبدو المشكلة في الأسعار وحدها. فحتى عندما تتوفر السلع الأساسية في الأسواق، يقول التقرير إن كمياتها أصبحت غير اعتيادية في انعكاس لموسم زراعي سابق ضعيف واستمرار اضطرابات الإمداد المرتبطة بالنزاع، بالتزامن مع دخول السودان موسم شح الغذاء.
وفي القضارف وهي مركز رئيسي لتجارة الذرة الرفيعة انخفضت الإمدادات في السوق بنسبة 88% خلال شهر و19% مقارنة بالعام السابق بينما ارتفعت أسعار الذرة 9% شهرياً و95% سنوياً.
وفي المقابل لم ترتفع أجور العمالة غير الماهرة إلا بنسبة 1.3% خلال الشهر، لتصل إلى نحو 17,237 جنيهاً في اليوم. وهذه الزيادة المحدودة مقارنة بالقفزات في أسعار الغذاء والوقود تعني أن العامل الذي يعتمد على دخله اليومي يواجه فجوة متسعة بين ما يكسبه وما يحتاجه لإطعام أسرته.
وزادت أسعار الوقود التجارية أيضاً، إذ ارتفع البنزين 27% والديزل 17% ما يضيف طبقة أخرى من التكلفة إلى النقل والإنتاج وتوزيع المواد الغذائية.
وتكشف الفوارق بين الولايات عن أزمة غير متساوية. ففي جنوب كردفان تجاوز سعر كيلو دقيق القمح 10,000 جنيه بينما تراوحت الأسعار في ولايات أخرى بين 3,500 و5,000 جنيه. وسجلت غرب كردفان أعلى سعر للذرة الرفيعة عند 3,800 جنيه للكيلوغرام بزيادة سنوية بلغت 198%.
أما تكلفة سلة الغذاء فبلغت ذروتها في جنوب كردفان عند 4,804 جنيهات مقابل 2,352 جنيهاً في وسط دارفور، في تفاوت يعكس اختلاف ظروف الأسواق وتكاليف النقل ومستويات الإمداد بين مناطق البلاد.
وتبدو الأسواق الأكثر هشاشة في مناطق النزاع والنزوح، حيث تتقاطع محدودية تدفق السلع مع ارتفاع تكاليف التشغيل وتراجع القدرة الشرائية للأسر. وفي هذه المناطق لا يحتاج ارتفاع الأسعار إلى نقص شامل في الغذاء حتى يتحول إلى أزمة إنسانية؛ يكفي أن يصبح الطعام موجوداً على الرفوف وبعيداً عن متناول من يحتاجون إليه.
ويتوقع برنامج الأغذية العالمي استمرار الضغوط على الأسعار في ظل هشاشة سلاسل الإمداد وتآكل القوة الشرائية. ولذلك يؤكد أهمية استمرار المساعدات الإنسانية والتدخلات القائمة على السوق، خصوصاً للفئات الأكثر ضعفاً.
لكن الأرقام تشير إلى أن المساعدات وحدها تواجه اختباراً متزايداً. فكلما تراجع الجنيه وارتفعت تكلفة النقل والوقود والغذاء احتاجت الأسر إلى مزيد من المال للحصول على الكمية نفسها من الطعام. وفي بلد أنهكته الحرب تتحول هذه المعادلة تدريجياً من أزمة أسعار إلى أزمة قدرة على البقاء.

