بقلم: دكتور إبراهيم الضي محمد أزرق
باحث وأكاديمي.
في مكالمة صوتية مسربة نسبت إلى رئيس وزراء حكومة الألم #كامل_إدريس وأحد المقربين منه، ويبدو من سياق الحديث أن الرجل ليس من أركان السلطة ولا منخرطا مباشرة في دوائرها، لكنه قريب وجدانيا من رئيس الحكومة، وردت معلومات بالغة الخطورة حول أوضاع السودان، لخص بعضها في أن البلاد وصلت إلى مرحلة من الإنهيار تذكر بما كان يقال سابقا عن الصومال وغينيا بيساو.
ثم مضى الحديث إلى تفاصيل أكثر خطورة حول ممارسات داخل مؤسسات الدولة، وما قيل عن حدوث بعضها بعلم أعلى سلطة تنفيذية في حكومة الأمر الواقع.
وأنا أستمع إلى المحادثة، تذكرت قصة شعبية تروى في الأوساط السودانية عن إمرأة تشاجرت مع زوجها، وقررت الإنفصال عنه بسبب سوء معاملته وظلمه وجبروته، فذهبت إلى المحكمة لتشتكيه، وعرضت مظلمتها على كاتب العرائض، كتب الرجل شكواها، ثم أراد أن يقرأ عليها ماكتبه قبل تقديمها ،وما إن إنتهى من القراءة حتى إنفجرت المرأة بالبكاء ، سألها: لماذا تبكين؟ فقالت: أنا عارفة إني مظلومة، لكن ماكنت عارفة إني مظلومة قدر دي!.
وهكذا يبدو حال كامل إدريس مع حكومته اليوم ، لقد قلنا منذ إندلاع الحرب إن الحرب تفتح أوسع أبواب الفساد والخراب والدمار، وإن إستمرارها لا يمكن أن تكون منه مصلحة عامة يعول عليها، وسألنا مرارا عن الأهداف والغايات التي تدفع بعض قادة الحرب إلى الإصرار على إستمرار القتال، مع علم الجميع بوجود فساد مالي وإداري مؤسسي ولكن أكثر الناس تشاؤما لم يتخيل إن يكون الفساد والخراب قد وصل إلى هذا الحد الذي يتحدث عنه أعلى قامة تنفيذية ويشكو بثه وحزنه وعجزه عن مكافحته ، ويبدو إنه لم يكن يدرك إنه متورط قدر دى!.
رأينا الخراب ، الدمار ، النزوح ، اللجوء، الفاقة ،العوز، الفقد والموت. ورأينا مظاهر الفساد وإستغلال الحرب، لكن يبدو أن ماخفي كان أعظم وأن السودان بلغ مستويات من الإنهيار المؤسسي والإنحطاط الأخلاقي والسياسي لم يكن كثيرون يتصورون إمكانية الوصول إليها لدرجة نهب والإستيلاء على المعونات الإنسانية للنازحين والفقراء، ناهيك عن أموال الذهب والضرائب والجمارك .
والسؤال الذي يطرح نفسه اليوم هو: بعد أن علم الجميع بهذه الحالة من التردي والسوء والإنهيار والفساد ،فما هو المبرر الأخلاقي لإستمرار القتال ورفض الحلول؟ بعد أن وضح بشكل جلي إن إستمرار الحرب لم يعد مرتبطا بشعارات الدولة أومصلحة الشعب السوداني، وإنما أصبح مرتبطا بمصالح فئات تستفيد من إستمرار حالة الحرب والفوضى، وبقاءها في دائرة السلطة والنفوذ، لتوظيف مؤسسات الدولة لخدمة شبكات المصالح.
تحديدا منذ اليوم تتضاعف مسؤولية رئيس الوزراء كامل إدريس، إذا كان الرجل قد وصل بالفعل إلى قناعة بأن الدولة تنزلق إلى هذا المستوى من الخراب والفساد، فماذا ينتظر؟
هل تمكنت منه (صهباء السلطة) فلم يعد قادرا على مفارقتها؟ أم أنه لايزال جزءا من المنظومة التي ساهمت في إنتاج الحرب، ورفضت كل مبادرات السلام والحلول ، ثم إختار أن يعبر عن إعتراضه عليها في نطاق ضيق، ذلك لتسجيل موقف شخصي أم لإبراء ذمته السياسية؟
إن كان بريئا مما يجري، فإن البراءة لاتثبت بالحديث الخاص، وإنما بالموقف العام.
والخطوة المطلوبة الان هي أن يكون أكثر وضوحا وشجاعة في أن يضع الحقائق أمام الشعب السوداني، وأن يكشف ما لديه من معلومات، وأن يرفض أي ممارسة فساد أو إنتهاك ، وأن يتخذ موقفا سياسيا وأخلاقيا واضحا، حتى لو كان ثمن ذلك مغادرة السلطة.
لا يمكن أن تكون الإعترافات السرية والمحدودة والخجولة كافية لمعالجة مثل هكذا كارثة.
ما يطلبه السودانيون هو سلام عادل يخاطب جذور الأزمة الممتدة منذ الإستقلال، ويضع حدا لدائرة الحروب والإنقلابات والإقصاء السياسي، ويؤسس لدولة المواطنة والعدالة وسيادة القانون.
ولعل أحد أسباب تفاقم الأزمة السودانية أن تجارب سابقة لم تحسم فيها قضية المحاسبة بصورة عادلة وشاملة، فعدم محاكمة رموز نظام الإنقاذ المباد بعد سقوطه، ترك جرحا مفتوحا، كما أن ما قامت به لجنة إزالة التمكين من إجراءات لم يتحول إلى مسار مؤسسي مستدام للعدالة وإسترداد الأموال ومحاسبة المتورطين.
فقد أشعل الاسلاميون الحرب لإعادة ترتيب موازين القوى وإسترداد السلطة ففتحت أمامهم أبواب العودة ، رغم كل ما إرتكبوه من جرائم وفظائع فقد أفسح لهم الجيش مساحة شاسعة للتمدد.
فالسودان لايحتاج إلى إعادة إنتاج الماضي، ولا إلى إستبدال أحمد بحاج أحمد كما هو الحال ، وإنما يحتاج إلى تأسيس دولة لايستطيع فيها الحاكم أن ينهب دون حساب ، ولا يستطيع العسكري أن ينقلب دون مساءلة، ولا يستطيع السياسي أن يستخدم الحرب للوصول إلى السلطة، ولا يستطيع الفاسد أن يحتمي بإنتمائه السياسي والعسكري.
وفي النهاية، فإن السؤال الحقيقي أمام كامل إدريس ليس: ماذا قال في المكالمة؟ بل: ماذا سيفعل وهو يعلم حجم الكارثة؟
فالإعتراف بالمرض ليس علاجا، وتشخيص الخراب ليس إنقاذا، والتاريخ لا يسأل المسؤول فقط عما كان يعرفه، وإنما يسأله أيضاً: ماذا فعل عندما عرف؟

