بقلم: آدم راشد _ المحامي
حين تُحكم الأنظمة الاستبدادية إغلاق الأبواب، وتفرض طوقاً أمنياً حديدياً على الأرشيف الوطني، وتنسج سرية مطلقة حول سجلات الممارسات التعسفية والانتهاكات الجسيمة، تظن واهمة أن الزمن سيبقى كفيلاً بطمس الضحايا ووأد الذاكرة. لقد فرض السودان طوال عقود طويلة “تابوهاً” مطبقاً على جرائم الدولة، ومارس سياسة الهروب إلى الأمام والإنكار الممنهج لكل فظاعة تُرتكب في أقبية التحقيق أو في ميادين التهميش والحروب. غير أن التاريخ يعلمنا أن الأسرار الكبرى في عصر العولمة والتوثيق الرقمي لا يمكن مقبرتها إلى الأبد؛ فها هي آليات الأمم المتحدة، والمنظمات الدولية الحقوقية العابرة للحدود، والمجتمع الدولي، تقتحم هذه الأسوار المنيعة، لتكشف عري السجل الحقوقي السوداني بكل تفاصيله الدامية، محولةً الإنكار الرسمي إلى فضيحة سياسية وأخلاقية جعلت الدولة السودانية –بسبب تعنت سلطاتها– خارج دائرة الثقة الدولية.
فيا ترى، كيف تحول “حصار السرية” إلى سلاح مرتد على أصحابه؟ ولماذا أجهضت الدولة العميقة حلم ثورة ديسمبر المجيدة؟ وكيف يمكن لكشف هذا السجل أن يتحول إلى طوق نجاة وحصن منيع لمنع الإفلات من العقاب؟
أولاً: أوهام السرية وسقوط الحصار المعلن
لقد توهمت الديكتاتوريات المتعاقبة في السودان، وتوابعها من فلول “الدولة العميقة”، أن إخفاء الحقائق وطمس الأرشيف الوطني كفيلان بمنحها صك الغفران الأبدي. غير أن التوثيق الحقوقي الدولي لم يعد يعتمد على شهادات شفهية قابلة للتكذيب، بل أصبح يرتكز على أدلة رقمية، وشهادات ناجين، وتقارير دورية للمقررين الخواص، وآليات المتابعة التابعة لمجلس حقوق الإنسان.
إن فضْح هذا السجل عبر منابر الأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية لم يكن مجرد إدانة عابرة، بل كان كشفاً جذرياً لبنيان الظلم. لقد أثبت للعالم أن الأزمات السودانية لم تكن وليدة صدفة، بل هي نتاج “منظومة إفلات من العقاب” جُبلت على قمع شعبرها وتجريف حقوقه الأساسية، مما أفقر الدولة رصيدها الأخلاقي وجعلها معزولة عن أي ثقة دولية أو إقليمية جادة.
ثانياً: ثورة ديسمبر المجيدة ومعول “القوى المضادة”
حين هبّ الشعب السوداني، وخصوصاً شبابه الباسل، في ثورة ديسمبر المجيدة، ليقدم أروع ملحمة في التضحية والبطولة من أجل “حرية، سلام، وعدالة”، كان أمل الأمة أن ينطوي للأبد سجل الانتهاكات والحروب. ولكن، بكل أسف ومرارة، أثبتت القوى المضادة، وعقيدة الحرس القديم في الدولة العميقة، أنها أشرس من أن تستسلم لخيارات التحول الديمقراطي.
لقد عطلت هذه القوى مسيرة الانتقال، وأفرغت الشعارات الوطنية من مضامينها، وأغرقت البلاد عمداً في أزمة مركبة، بل وانحدرت بالبلاد إلى نفق مظلم من صراع مسلح عبثي يلتهم الأخضر واليابس. لقد أرادت الدولة العميقة عبر هذا الصراع أن تعيد تدوير ذاتها، وأن تقايض استقرار الوطن ببقائها في السلطة، متجاهلةً دماء الشهداء وتضحيات الجيل الذي قرر أن يكسر قيود الماضي.
ثالثاً: فضح السجل الحقوقي.. السبيل الأوحد لمنع الإفلات من العقاب
إن السردية السودانية اليوم بحاجة إلى انعطافة كبرى؛ فالهروب إلى الأمام لم يعد يجدي، والإنكار بات مفضوحاً على الملأ. من هنا تبرز الحقيقة الساطعة: إن فضْح السجل الحقوقي وإظهار الانتهاكات على النور هو الخطوة الإجبارية الأولى نحو الخلاص.
لا يمكن بناء سلام مستدام فوق ركام الأكاذيب والمقابر الجماعية المغطاة بالصمت. إن كشف الانتهاكات، وتوثيقها بصرامة، وملاحقة مرتكبيها دولياً ومحلياً، هو الضمانة الوحيدة لكسر حلقة العنف المفرغة، وهو السلاح الأقوى لقطع الطريق أمام أي تسوية هشة تمنح الجناة حصانات سياسية جديدة. فالحقيقة وحدها هي التي تحرّر الأوطان من أسر جلاديها.
رابعاً: نتائج وتوصيات عملية للعبور
بناءً على ما تقدم، نستخلص التوصيات الاستراتيجية التالية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه:
ـ إنشاء الأرشيف الوطني المستقل: تشكيل لجان توثيق مستقلة ومحمية دولياً لجمع كل أدلة الانتهاكات والجرائم المرتكبة، وكسر الحصار المفروض على الذاكرة الوطنية نهائياً.
ـ العدالة كشرط لا يقبل المساومة: ربط أي عملية سياسية أو تفاوضية مستقبلية بملف العدالة الانتقالية والمساءلة الجنائية، ورفض قاطع لأي عفو مقايض بالدماء.
ـ تفكيك بنية الإفلات من العقاب: إخضاع المؤسسات الأمنية والعسكرية لسلطة مدنية ديمقراطية كاملة، وتطهير مفاصل الدولة من فلول الحرس القديم والدولة العميقة.
ـ جعل أصوات الشباب والضحايا بوصلة للمستقبل: إشراك الناجين وأسر الضحايا في صياغة العقد الاجتماعي الجديد والدستور الديمقراطي المرتقب.
خاتمة: عهد الحقيقة الذي لا يموت
إن الشعوب الحية لا تنهزم نهائياً حين تتعثر، بل تستمد من عمق مآسيها طاقة البعث والنهوض. إن دماء الشباب التي أُسفلت على أسفلت الشوارع، وأنات الثكالى والمشردين في بقاع السودان الجريح، ليست هباءً منثوراً، بل هي الحبر الذي يُكتب به تاريخ جمهورية الغد.
حين ينقشع غبار التابوهات، ويسقط حصار السرية، ويقف الجناة عراة أمام عدالة التاريخ والقانون، سيعلم الجميع أن الأوطان لا تُبنى على الرمال المتحركة للإنكار، بل تُشيّد على صخرة الحقيقة الساطعة. وإن غد السودان الديمقراطي العادل لقريب، متى ما أدرك الأحرار أن فضْح الظلم هو أول دروب العدالة، وأن شجاعة المواجهة هي الخلاص الأبدي لجمهورية طال ليلها، لكن فجرها لا محالة آتٍ.

