كتب- دكتور النور حمد
كتبت قبل أيامٍ تغريدةً على منصَّتيْ X وفيسبوك، كان هذا نصها: “التحالف الاستحواذي السعودي التركي القطري سيقود إلى نشوء تحالفٍ “قرن إفريقي” مضادٍّ. حينها ستحدث النقلة المنتظرة التي سوف تصحح مسارًا سودانيًّا معوجًّا استمر لقرنين”. ويبدو أن التغريدة كانت أقصر، بحكم الحيِّز المتاح، من أن توصل رسالتها بالوضوح المطلوب. ونتيجةً لذلك، وصلتني عديد الرسائل التي قال أصحابها إن التغريدة ليست واضحةً بما يكفي، وطلبوا أن أقوم بإيضاحها أكثر. لذلك، رأيت أن أكتب هذه المقالة في محاولة إيضاحها.
أود أن أبدأ بالجزء الأخير من التغريدة، الذي يقول: “حينها ستحدث النقلة المنتظرة التي سوف تصحح مسارًا سودانيًّا معوجًّا استمر لقرنين”. المسار المقصود هنا، من وجهة نظري، هو المسار الذي بدأ يوم أن دخل إسماعيل باشا مملكة سنار غازيًا، فاستسلمت له دون قتالٍ، لتفوقه عليها بامتلاك السلاح الناري. كانت سلطنة الفونج مملكةً إفريقيةً قُحَّةً، رغم ادعاء أسرتها المالكة نسبًا عربيًّا أمويًا. وهو ادعاءٌ شرحت أسبابه بعض الكتابات التاريخية التي ذكرت أن السلطنة عرفت أن السلطان سليم الذي احتل مصر بعد هزيمته للمماليك في عام 1517م، قد فكَّر في التوغُّل جنوبًا على مجرى نهر النيل، مستهدفًا مملكة الفونج. وحين علم سلطان الفونج بتلك النية بعث برسالةٍ إلى السلطان سليم قال فيها: إنهم عرب ومسلمون ولا يحتاج السلطان سليم غزوهم. كما أضاف أنهم فقراء ولا يملكون ما يمكن أن يغري سلطانًا أجنبيًّا بتكبُّد تكاليف غزوهم. وتقول الروايات، أيضًا، إن السلطان السنِّاري، وقد كان عمارة دنقس، أرفق مع رسالته للسلطان سليم وثيقةً تثبت نسبه العربي. وقد ورد في الروايات التاريخية، أيضًا أن شخصًا متجولاً، مجهول الوطن، يُسمى السمرقندي، عُرف بالتكسُّب من اختلاق الأنساب الشريفة، هو الذي دبًّج لسلاطين الفونج نسبًا عربيًا.
الإطار الذي اغترب فيه السودان عن هويته
ادعاء الفونج للنسب العربي بسبب الضغوط الخارجية، كان اللحظة التاريخية التي بدأ السودان ينزلق فيها من أفريقيته المُسلِمة المُستعرِبة، ليرى نفسه، توهُّمًا، كيانًا عربيًا أصيلا. فبعد ثلاثة قرون من عمر سلطنة الفونج جاء إسماعيل باشا واحتل السودان وأكمل عملية إلحاق السودان بالفضاء شرق الأوسطي. وقد كان التصوف في حقبة الفونج، هو المزاج الديني في السودان. ولم يأت التصوف إلى السودان من مصر، وإنما جاءها من اليمن والحجاز وبلاد المغرب العربي. لكنَّ الغزو الخديوي في عام 1821، هو الذي أدخل معه الفقه المدرسي، الذي نشأ في العصر العباسي، ليصبح ذراعًا داعمًا للحاكم.
في تلك النقلة، تغيَّر المزاج الديني الصوفي في السودان، واضمحلت قيمه، بعد أن أزاحه الفقه المدرسي الأزهري السلطوي من وسط المشهد إلى حواشيه. ومن حينها بدأ استتباع السودان وإلحاقه بمصر، وبالفضاء الشرق أوسطي الواسع. وقد استمر هذا الإلحاق والاستتباع للسودان، وما صحبه من غسيلٍ مستمرٍ للأدمغة، عبر فترة الاستعمار الخديوي، وعبر فترة الاستعمار الإنجليزي المصري. وهكذا ترسَّخ الانجرار وراء وهم الهوية الشرق أوسطية حتى أصبحت نخبٌ سياسيةٌ سودانيةٌ ترى السودان جزءًا لا يتجزأ من مصر، وأصبحت تنادي بالوحدة معها. ثم جاءت القومية العربية على يدي جمال عبد الناصر عقب الثورة المصرية، وكان السودان من أكثر البلدان حماسةً لها الأمر الذي رسَّخ وهم أن السودان جزء لا يتجزأ من الأمة العربية الواحدة.
علمانية الدولة كنقطةٍ فارقة
لم تقتصر التأثيرات المصرية السالبة، على وعي السودانيين بذاتهم، على الحقبة الخديوية وحقبة الاستعمار الثنائي الإنجليزي المصري، وإنما ترادف معها مؤثرٌ آخرٌ هو وفود فكر الإخوان المسلمين القائم على حلم استعادة الخلافة، التي كانت قد ألغيت في تركيا في عام 1924. فاشتعلت وسط الشعوب العربية، على تفاوتٍ بينها، ومن بينها السودان، حالةٌ من التشوق لقيام أمةٍ إسلاميةٍ واحدةٍ ينبغي أن تُحكم من مركزٍ دينيِّ واحد، كما كان الحال في فترة حقبة الخلافة العثمانية.
يمكن القول بصورة مختصرةٍ أن الانجرار السوداني نحو الهوية شرق الأوسطية قد جرى على مسارين، تبلورا في القرن العشرين، ونتجت منهما تأثيرات القومية العربية العابرة للأقطار، وتأثيرات الإسلام السياسي العابر للأقطار. ويمكن القول الآن، لا يوجد نظامُ حكمٍ واحد في العالم العربي والإسلامي، لم يستخدم الدين في تثبيت أركانه. فكل نظام حكمٍ عربيٍّ أو إسلامي له كهنةٌ من رجال الدين يدعمونه، على تفاوتٍ في مقدار ذلك الدعم بين قطر وآخر. ولذلك، يمكن القول إن تحالف السودان التأسيسي هو الجسم السياسي الوحيد في هذا الفضاء العرب/إسلامي الخانق، الذي نص دستوره الانتقالي، صراحةً، على علمانية الدولة، التي تقوم على التنوع، وليس على العرق أو الدين، ربما، باستثناء تركيا وبعض دول مسلمي شرق آسيا. وهذه، من وجهة نظري، هي بداية الانعتاق من مُكبِّلين إثنين، أحدهما القومية العربية، وثانيهما الإسلام السياسي. وهذه قفزةٌ كبيرةٌ في درب التحرر والانعتاق.
ثورة الشعب والهجمة الجديدة
يقولون “إن التاريخ يعيد نفسه”، وهذا صحيح. لكن التاريخ لا يعيد نفسه بصورةٍ تطابق، في كليتها وجزئياتها، ما سبق أن جرى في الماضي. فالهجمة الاستتباعية الإلحاقية للسودان، التي بدأت منذ قرنين، واستمرت حتى يومنا هذا، قد دخلت الآن منعطفًا جديدًا. والقاسم المشترك فيها بين ما جرى في الماضي، ويجري الآن، هو رغبة القوى الإقليمية الكبيرة، في الهيمنة والاستتباع والإلحاق للسودان، اعتمادًا على التضليل، والاستحقار، والاستضعاف، وعمالة النخب في الداخل. لقد كانت ثورة ديسمبر 2018 المجيدة ثورةً بالغة السطوع في التاريخ المعاصر، لكن جرى خنقها في مهدها بالقوى الداخلية المؤتمرة بأمر القوى الإقليمية شرق الأوسطية، وعلى رأسها مصر. لقد راهنت مصر على الفريق البرهان، منذ صعوده رئيسًا لمجلس السيادة، وفقًا للوثيقة الدستورية، التي جرى التوقيع عليها في أغسطس 2019. لقد عملت مصر من خلال الفريق البرهان وتنظيم الإخوان المسلمين الإرهابي، على وضع السودان تحت قبضتها وشرعت بمعاونته في نهب موارد السودان الثرة ومياه. غير أنها، فشلت في مهمة تثبيته في السلطة.
مع فشل البرهان، وافتضاح هزال جيشه وضعف قيادته وارتهانه لتنظيم الإخوان المسلمين الإرهابي، وعلو صوت القوى المقاومة لسلطته من مدنيةٍ ومسلحةٍ، ظهر لمراكز الهيمنة الإقليمية تلك، خطر خروج السودان من دائرة الاستتباع والإلحاق. فالسودان مشاطئ للبحر الأحمر بحوالي 700 كيلومترا. كما أنه يحتل الجزء الأكبر من حوض نهر النيل وراوفده. يضاف إلى ذلك، هو الأكثر غنىً، وبلا منازع، من حيث الموارد الطبيعية المستدامة. لذلك، دخلت السعودية في المشهد بقوة، محاولةً إزاحة مصر من منصة الهيمنة على السودان. وقد وقف وراء ذلك غرضان: الأول هو إمكانات السودان الجيواستراتيجية والجيواقتصادية، التي طالما سال لها لعاب كل القوى الإقليمية الكبيرة. أما الثاني: فهو الضغط على مصر التي تمنَّعت على الانضمام للحلف السعودي التركي الباكستاني. وربما استخدمت مصر التمنُّع، كما هو معهودٌ فيها، وسيلةً للمناورة لحلب أكبر قدرٍ من المال، الذي قيل أن السعودية قد قدمت لها، بالفعل، قدرًا منه لتحفزها على الانضمام.
ما سبق قوله ربما مثل جانبًا واحدًا في تفسير التمنع المصري على السعوديين. لأن هناك احتمالٌ آخر، وهو أن يكون سبب تمنُّعها الخوف من إيران، التي أرسلت إليها رسائل تحذيرية. وربما، أيضًا، بسبب الخوف من إسرائيل التي تربطها بها اتفاقية سلام. وبطبيعة الحال، فإن إغضاب إسرائيل يعني بالضرورة إغضاب أمريكا. لقد تمدد حلف الدفاع المشترك السعودي الباكستاني التركي عبر جهدٍ سعوديٍّ خالصٍ في اتجاه السودان فيما سُمِّي: “وثيقة إنشاء مجلس التنسيق السعودي/السوداني”، التي جرى التوقيع عليها في 17 أغسطس الجاري. بهذا، يدخل السودان مرةً أخرى في صيغةٍ جديدةٍ للاستتباع والإلحاق بالأنظمة الإقليمية الكبرى، وما أشبه الليلة بالبارحة.
حرب ترمب التي خلطت الأوراق
في وقتنا الراهن لا توجد حربٌ في الدول النامية يمكن أن تُوصف بأنها ليست حرب وكالة. فكل الحروب التي تقوم في هذه الدول هي حروب وكالة. وعمومًا ليست هناك حربٌ في بلدٍ ما ليس فيها شركاء خارجيون، يستخدمون فيها القوى المتناحرة داخل البلد المُبتلى بالنزاعات، لخدمة مصالحهم. لقد أربكت حرب ترمب الكارثية الأوضاع الجيواستراتيجية والعسكرية التي سادت في منطقة الشرق الأوسط لعدة عقود. فاتخذت السعودية، بسبب ما أظهرته هذه الحرب من انكشافاتٍ أمنيةٍ خطيرة لأمنها وأمن دول الخليج، مسارًا مختلفًا، جرَّ في تداعياته باكستان النووية إلى منطقة الشرق الأوسط. وسيخلق هذا التحول الدراماتيكي، بالضرورة، شرخًا بينها وبين الولايات المتحدة الأمريكية، وبصورة أكبر، بينها وبين إسرائيل. فإسرائيل التي شنت حربًا شرسةً لكي تمنع إيران من امتلاك السلاح النووي، ستنزعج، حتمًا، أيما انزعاج، من جر السعودية لقوةٍ تملك السلاح النووي، إلى الجزيرة العربية.
في مقابل هذه الصورة تتبلور صورةٌ أخرى تتمثل في تقارباتٍ وتفاهماتٍ إمارتيةٍ هندية. فالهند لها عداوتها الراسخة مع باكستان، كما لها تقارباتها وتعاونها التقني والعسكري الكبير مع إسرائيل. وعبر اعتراف إسرائيل بدولةٍ أرض الصومال وجدت إسرائيل لنفسها قدمًا في قلب القرن الأفريقي، ونقطة حراسةٍ على خليج عدن ومدخل البحر الأحمر من جهة الجنوب. وما من شكٍّ أن الوجود التركي والمصري في الصومال، إلى جانب الهيمنة المصرية على حكومة بورتسودان، والاندفاع السعودي الكبير جدًا، والمفاجئ نحو السودان، سوف يخلق، بالضرورة، ارهاصاتٍ لنشوء قوة مقاومة في المنطقة. فالتغلغل المصري والتركي والمصري في حوض النيل، وفي منطقة القرن الإفريقي، إضافة إلى التحول الجيواستراتيجي السعودي الجديد سوف يخلق تفاهماتٍ قرن إفريقية جديدة. وأتوقع أن تشمل هذه التفاهمات كل هذا النطاق الممتد من الهند مرورا بالإمارات وانتهاء في منطقة القرن الإفريقي وجوارها.
قد لا يمر وقتٌ طويلٌ حتى تتحول تلك التفاهمات إلى ما يشبه الحلف المضاد. وربما تصبح إثيوبيا واسطة العقد في هذه المنظومة قيد التشكُّل. وقد تمتد التأثيرات إلى كينيا ويوغندا، وربما إلى حكومة السلام في السودان، وحكومة تشاد. بل وربما ينشأ دفعٌ إفريقيٌّ عامٌّ مقاوم. وتجدر الإشارة هنا إلى أن اتفاقية عنتيبي حول مياه النيل قد دخلت مرحلة التنفيذ المؤسساتي. وخلاصة القول في شأن هذه التغريدة، التي لم تكن سوى إشارةٍ مضغوطةٍ، أن هذا التحوُّل المُرتقب هو الذي سوف يستعيد به السودان هويته المفقودة. ويبدأ به مسيرة حجه المبارك إلى حاضنته الإفريقية، وخروجه، من ثم، من ربقة الهيمنة والاستلاب الشرق أوسطي الذي استمر لقرنين من الزمان. وقد وصلت تلك الهيمنة وذلك الاستتباع بالسودان إلى أن تصبح مياهه وموارده الطبيعية الثرَّة، بل وسيادته وهويته مُتَحَكَّمًا فيها مصريًا بالكامل. كما انفتح الباب الآن لتحكُّم سعوديٍّ تركيٍّ جديد. لكن، لسوف ينحسر ظل الهيمنة هذا مهما فعل مستحقرونا، المتربصون بنا، المهوسون بالفطرة، بالسيطرة على مآلاتنا. نحن الآن في منعطفٍ تاريخيٍّ لتحوُّلٍ عظيمٍ، كم طال انتظاره.

