بين مطرقة الاتهام السياسي وسندان الغموض المؤسسي
بقلم أ/ آدم راشد _ المحامي
ما زال ملف استخدام الأسلحة الكيميائية المزعوم في السودان يراوح مكانه بين اتهامات دولية صارمة ونفي رسمي سوداني متكرر، ليظل السؤال الأزلّي معلقاً بلا إجابة شافية: أين الحقيقة؟ ورغم تعاقب البيانات الدبلوماسية، وحزم العقوبات، وتشكيل اللجان الوطنية، فإن الضبابية لا تزال تسود المشهد، مما يضع حقوق الضحايا ومستقبل المساءلة القانونية على المحك.
أولاً: المشهد الدولي ومواقف الأطراف الفاعلة
1/الولايات المتحدة الأمريكية
أصدرت واشنطن في أبريل 2025 تحديداً رسمياً بموجب المادة 306(أ) من قانون الأسلحة الكيميائية والبيولوجية لعام 1991 (نُشر في السجل الفيدرالي في يونيو 2025) يفيد بأن القوات المسلحة السودانية استخدمت أسلحة كيميائية خلال عام 2024. وتبع ذلك فرض حزم عقوبات متتالية في مايو 2025 ويوليو 2026. ورغم لغة التحديد الصارمة، إلا أن الإدارة الأمريكية لم تكشف علناً عن الأدلة التقنية التفصيلية أو الإحداثيات الدقيقة، او النتائج المعملية، مكتفية بالتأكيد على أن تقييمها استند إلى معلومات استخباراتية وطنية مستقلة.
2/المملكة المتحدة (بريطانيا)
عبّرت لندن بوضوح عبر بيانات ممثليها الدائمين في دورات المجلس التنفيذي لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية عن قلقها البالغ إزاء تقارير استخدام الأسلحة الكيميائية في السودان. ودعت الحكومة البريطانية مراراً وبنبرة حازمة إلى ضرورة التزام السودان باتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية، والمطالبة بالإفصاح الفوري عن نتائج التحقيقات الوطنية بشفافية تامة دون إبطاء.
المنظمة الدولية لحظر الأسلحة الكيميائية (OPCW) 3/المجلس التنفيذي
حتى هذه اللحظة، لم تُصدر الأمانة الفنية للمنظمة أو مجلسها التنفيذي حكماً فنياً نهائياً أو تقريراً قاطعاً يثبت أو ينفي حدوث الهجمات الكيميائية. وقد اقتصر دور المجلس التنفيذي على تبادل المذكرات، واستعراض ردود السودان على الاستفسارات الرسمية، وسط ضغوط غربية مكثفة للقبول بعمليات تفتيش وتحقق دولي مستقل.
4/ الدول والأطراف الأخرى ذات العلاقة بالملف
: أعضاء المجلس التنفيذي لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية أ/
يتألف المجلس التنفيذي من 41 دولة عضواً تنتخبهم مؤتمر الدول الأطراف، وتلعب هذه الدول (الممثلة لمختلف المجموعات الجغرافية والسياسية) دوراً محورياً في مناقشة التقارير، واتخاذ القرارات الإجرائية، وإحالة الملفات أو تبني البيانات المشتركة أو المعارضة داخل أروقة المنظمة في لاهاي.
ب/ الأمانة الفنية لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية:
باعتبارها الجهاز التنفيذي للمنظمة، تتولى الأمانة الفنية (بما في ذلك مكتب التحقق وفرق التفتيش) استقبال الإعلانات، وتقييم الوثائق المقدمة مثل الوثيقة السودانية (EC-112/NAT.15)، والتواصل المباشر مع الدول الأطراف لطلب التوضيح أو التفتيش.
جـ/ منظمات المجتمع المدني والمنظمات الحقوقية الدولية والمحلية:
مثل منظمة العفو الدولية ومرصد حقوق الإنسان (Human Rights Watch) وغيرها من الكيانات التي وثقت ونشرت تقارير استقصائية سابقة (مثل تقارير دارفور عام 2016)، ولعبت دوراً في لفت الانتباه الدولي للانتهاكات المحتملة والضغط باتجاه فتح تحقيقات مستقلة.
د/ أطراف النزاع المحلي الأخرى (قوات الدعم السريع):
باعتبارها الطرف الرئيسي المقابل للقوات المسلحة السودانية في الحرب الدائرة منذ أبريل 2023، فإنها تمثل طرفاً معنياً بالاتهامات المتبادلة، وغالباً ما تدخل بياناتها أو مزاعمها ومزاعم حلفائها ضمن المعلومات والمادة الخام للاتهامات السياسية والإعلامية المتبادلة في الأزمة.
هـ/ وكالات الأمم المتحدة ذات الصلة ومجلس الأمن الدولي:
يمكن لمجلس الأمن الدولي متابعة التقارير المرتبطة بخرق معاهدات نزع السلاح، لاسيما إذا رُفعت تقارير المنظمة أو الدول الكبرى إليه لاتخاذ تدابير أممية إضافية خارج إطار منظمة حظر الأسلحة الكيميائية حصراً.
ثانياً: موقف حكومة بورتسودان: بين تشكيل اللجان وصمت النتائج
في مواجهة الاتهامات، سارعت حكومة بورتسودان إلى تأسيس لجنة وطنية للتحقيق، أُعيد هيكلتها وتوسيعها لاحقاً بموجب القرار رقم 139/2025 لتضم خبراء من الجهاز الوطني لحظر الأسلحة الكيميائية، وأطباء، ومختصين في الطب العدلي والأدلة الجنائية، وأسندت رئاستها للسفير إدريس إسماعيل، وفي يوليو 2026، تقدم السودان بوثيقة رسمية تقدم السودان بالوثيقة الرسمية إلى المجلس التنفيذي للمنظمة، متضمنةً نتائج أولية نفت فيها اللجنة وجود أي أدلة فنية أو مادية تثبت استخدام أسلحة كيميائية. ومع ذلك، اعترف التقرير بوجود عوائق أمنية ولوجستية حالت دون الوصول إلى بعض المواقع. وفي أواخر يوليو 2026، أبدت الخارجية السودانية استعدادها للتعاون، مشيرة إلى أن واشنطن تجاهلت مقترحات سابقة بإرسال خبراء أمريكيين لتحقيق ميداني.
ثالثاً: معضلة الدليل الغائب وتناقضات الهروب إلى الأمام
إن أخطر ما في هذه القضية هو التناقض الصارخ بين النفي الحكومي المطلق الذي يغفل تفسير مشاهد الفيديو والصور المؤلمة لمصابين تظهر عليهم أعراض تُشبه آثار التعرض لعوامل كيميائية، وبين الاتهامات الدولية التي تكتفي بالعقوبات والبيانات السياسية دون عرض أدلة قاطعة ومفحوصة علناً أمام الرأي العام الدولي.
الميزان هو القانون، والبرهان هو الدليل، والغاية هي الحقيقة والعدالة وانصاف ضحايا استخدام الاسلحة الكيميائية: هنا يبرز التساؤل المشروع: إذا كانت الحكومة ليس لديها ما تخشاه، فما سر التماطل؟ إن التاريخ السياسي السوداني يحمل تجارب مريرة مع سياسة “الهروب إلى الأمام” وإفراغ لجان التحقيق من مضامينها الحقيقية؛ فتجارب سابقة مثل لجنة التحقيق حول الأحداث في دارفور برئاسة المرحوم الدكتور دفع الله الحاج يوسف، ولجنة تحقيق فض اعتصام القيادة العامة برئاسة الأستاذ نبيل أديب، انتهت إما إلى تجاهل التوصيات أو طي التقارير في أدراج المجهول، مما أسس لثقافة الإفلات من العقاب وتضييع حقوق الضحايا.
رابعاً: تحليل الواقائع والعواقب القانونية
إن الاستمرار في إدارة هذا الملف الخطير بسياسة الإنكار وتأجيل الشفافية لن ينهي الأزمة، بل سيعمق العزلة السياسية ويشرعن المزيد من التدابير والعقوبات.
فإن ثبت بطلان الاتهام عبر تحقيق دولي ومحلي نزيه وشفاف، سقطت مزاعم الخصوم وبرئت ساحة المؤسسات الوطنية رسمياً، لتنتهي القضية قانونياً لصالح السودان.
أما إن ثبت لاحقاً وبأدلة علمية دامغة استخدام هذا السلاح الفتاك، فستكون العاقبة القانونية والدولية كارثية على مستوى المساءلة الجنائية الفردية، (وفقاً لقواعد القانون الدولي الإنساني ونظام روما الأساسي)، وتتحمل الدولة تبعات انتهاك إحدى أهم الاتفاقيات الدولية الحاكمة لأعراف الحرب.
1ـ ما الذي يمكن أن تفعله منظمة حظر الأسلحة الكيميائية في الحالة السودانية
تنظم اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية (CWC) صلاحيات المنظمة بدقة، وأقصى ما يمكن للمنظمة اتخاذه في حال ثبوت عدم الامتثال أو رفض التعاون يشمل مسارين رئيسيين:
(أ)ـ إرسال فرق التفتيش والتحقق الميداني (المادة التاسعة) :
يمكن للمنظمة، بناءً على طلب دولة طرف أو قرار من المجلس التنفيذي، إرسال فريق تفتيش للتحقق من موقع مُحدد (Challenge Inspection)، وهو حق أصيل للمنظمة للوصول إلى أي مكان داخل الدولة الطرف للتحقق من المزاعم، شريطة توفر الإجراءات المعيارية المعتمدة.
(ب)ـ العقوبات والتدابير المؤسسية والدبلوماسية (المادة الثانية عشرة) :
إذا ثبت للأمانة الفنية والمجلس التنفيذي أن دولة ما قد خرقت التزاماتها بموجب الاتفاقية ولم تقم بتصحيح الوضع، فإن المنظمة تمتلك صلاحيات تصعيدية تشمل:
تعليق حقوق ومزايا العضوية: مثل حرمان الدولة المعنية من حق التصويت في مؤتمر الدول الأطراف، أو تعليق حقها في شغل مقاعد داخل المجلس التنفيذي أو تولي مناصب قيادية داخل المنظمة.
ـ رفع الأمر إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي: لتتخذ الأمم المتحدة تدابير سياسية أو اقتصادية أو دبلوماسية أوسع نطاقاً ضد الدولة المخالفة.
ـ إصدار إدانة رسمية معلنة: من قبل مؤتمر الدول الأطراف توثق خرق المعاهدة، مما يترتب عليه عواقب قانونية ودولية بالغة القسوة على شرعية الحكومة المعنية وسجلها الدولي .
الخاتمة :
إن الحقيقة ليست ملكاً لحكومة بورتسودان، ولا ورقة سياسية بيد واشنطن ولندن؛ بل هي حقّ خالص للضحايا، وللتاريخ، وللقانون. وعليه، فإن المخرج الوحيد يكمن في كسر طوق السرية، وفتح الأبواب فوراً أمام الخبراء المستقلين، وجعل النفي الحكومي قابلاً للاختبار العلمي والتقني الناجز.
في نهاية هذه الرحلة، لا نملك رفاهية إصدار حكم قبل اكتمال الأدلة، ولا حق تجاهل الادعاءات الخطيرة التي أُثيرت بشأن استخدام الأسلحة الكيميائية في السودان. ما نملكه هو أن ننتظر التحقيق المستقل والشفاف، ونحتكم إلى الدليل، ونترك الحقيقة تقول كلمتها فالحقيقة لا تُبنى بالاتهام، ولا تُحمى بالإنكار؛ وإنما يكشفها تحقيق مستقل، ويثبتها الدليل، ويحسمها القانون، حتى ذلك الحين ننتظر لنرى والى اللقاء.

