الجمعة, أغسطس 21, 2026

كتب/ دكتور الوليد آدم مادبو

إذا كانت الخلاصة التي انتهينا إليها في مقالنا السابق «لا مفر من التقاء حميدتي والبرهان» هي أن الحروب التي يعجز السلاح عن حسمها لا بد أن تنتهي إلى طاولة التفاوض، فإن سؤالاً آخر لا يقل أهمية يفرض نفسه: ما الذي يمنع بعض القادة من إدراك هذه الحقيقة في الوقت المناسب؟ ولماذا يصر بعضهم على إدارة الأزمة يوماً بيوم، ومناورة بعد أخرى، بينما تكون اللحظة التاريخية نفسها قد تغيرت ولم تعد تحتمل الأدوات القديمة؟

النماذج التي استعرضناها سابقاً — من دي كليرك ومانديلا إلى اتفاق الجمعة العظيمة، ومن كولومبيا ودايتون إلى موزمبيق وليبيريا وبريتوريا — لا ينبغي أن تُقرأ كسِيَر لقديسين. فقد كان بين الذين جلسوا إلى طاولات التفاوض من ارتبط بالقمع والحرب والدماء ما لا يقل فداحة عما ارتكبه خصومهم. الفارق لم يكن بالضرورة في الفضيلة الأخلاقية، وإنما في القدرة على قراءة اللحظة الاستراتيجية: أن يدرك القائد متى يقبل بخسارة محسوبة اليوم حتى لا يفقد كل شيء غداً.

وهنا تدخل أدبيات العلوم السياسية من باب آخر. فإذا كانت نظرية النضج (Ripeness Theory) عند وليام زارتمان تفسر متى تصبح الأطراف مستعدة للتفاوض، فإن أدبيات السلوك الاستراتيجي تحاول تفسير لماذا قد يرفض قائد التفاوض حتى عندما تصبح الحرب عبئاً عليه وعلى بلاده.

من أهم هذه المفاهيم «المقامرة من أجل الإحياء» (Gambling for Resurrection)، وهو مفهوم تطور في أدبيات السياسة والعلاقات الدولية لتفسير سلوك القادة الذين يشعرون بأن فرصتهم في البقاء أو استعادة وضعهم السياسي تتضاءل. فبدلاً من تقليص الخسارة وقبول تسوية تحفظ بعض ما يمكن إنقاذه، قد يغامر القائد بكل شيء أملاً في انتصار يعيد إليه ما فقده.

وتتصل هذه النزعة بما تفسره نظرية الاحتمال (Prospect Theory) عند كانمان وتفرسكي: حين يشعر الإنسان أنه في منطقة الخسارة، قد يصبح أكثر استعداداً للمخاطرة، حتى عندما تكون احتمالات الكارثة أكبر من احتمالات النجاة.

أما المفهوم الثاني فهو «مشكلة الالتزام الموثوق» (Credible Commitment Problem)، التي طورت باربرا والتر حولها واحدة من أهم نظريات تسوية الحروب الأهلية. فالمتحارب قد لا يخشى خسارة الحرب فحسب، بل قد يخشى ما بعد السلام: فإذا ألقى سلاحه أو دخل تسوية سياسية، فما الذي يضمن ألا يستغل خصمه ضعفه الجديد؟ ولهذا تحتاج اتفاقات السلام، في حالات كثيرة، إلى ضمانات أمنية وترتيبات سياسية تجعل الالتزام بها قابلاً للتصديق.

وهنا تكمن المفارقة: قد يكون السلام في مصلحة الدولة، لكنه يبدو خطراً على القائد الذي يخشى ما بعد السلام. وعندما تختلط مصلحة الدولة بمصلحة صاحب القرار، قد تتحول الحرب من وسيلة لتحقيق غاية سياسية إلى آلية لتأمين المستقبل الشخصي بعد الحرب.

والتاريخ مليء بقادة لم تفُتهم إشارات الخطر، وإنما فاتهم توقيت الاعتراف بها. فتشاوشيسكو في رومانيا وهونيكر في ألمانيا الشرقية تمسكا بمنطق النظام القديم بينما كانت المنظومة التي تحميهما تتداعى من حولهما. وموبوتو في زائير وقيادات أخرى من العالم النامي ظلوا يناورون بين الولاءات والقوى المسلحة والدعم الخارجي حتى انهارت منظوماتهم.

وفي الفلبين، لم يستطع ماركوس قراءة التحول الذي صنعته الانتخابات والشارع والكنيسة وأجزاء من الجيش، فانهارت قدرته على المناورة وغادر البلاد. أما القذافي، فاختار حتى النهاية منطق الحسم العسكري، فانتهى الأمر بمقتله ودخول ليبيا في انقسام مسلح لم تتعافَ منه إلى اليوم.

القاسم المشترك بين هذه الحالات ليس تشابه الظروف، وإنما أن أصحابها قرأوا تحولاً استراتيجياً بوصفه أزمة تكتيكية أخرى يمكن تجاوزها بالأدوات القديمة. وحين يعتاد القائد النجاة من الأزمات، يصبح من السهل أن يظن أن الأزمة التالية ستنتهي بالطريقة نفسها.

لكن التاريخ لا يكرر نفسه بالضرورة؛ وقد تكون أخطر لحظاته تلك التي يستخدم فيها القائد مغامراته السابقة دليلاً على إمكانية النجاة من أزمة لم تعد تشبه ما سبقها.

ومن هنا تأتي دلالة العبارة القرآنية: ﴿فأخذهم الطوفان وهم ظالمون﴾. فالطوفان لا يأتي دائماً بلا مقدمات؛ قد تتراكم العلامات، وتتكرر التحذيرات، وتفتح أبواب النجاة ثم تُغلق. وما يبدو مفاجئاً في نهايته قد يكون، في الحقيقة، نتيجة طبيعية لتأخر القرار الصحيح.

وهذا ما يجعل الحالة السودانية جديرة بالقلق. فالمؤشرات المحيطة بالحرب — تعدد المنابر دون اختراق حقيقي، تذبذب التحالفات، الانتقال بين الحل العسكري والتفاوض، وغياب أفق واضح لنهايتها — يمكن أن تُقرأ بوصفها علامات على إدارة تكتيكية لأزمة استراتيجية.

وهنا لا بد أن يسأل البرهان نفسه، باعتباره الطرف الأكثر ممانعة للتفاوض: ما الكلفة الوطنية لهذه الممانعة؟ فالرجل الذي تلقى تأهيلاً عسكرياً يفترض أن يعينه على التمييز بين التكتيك والاستراتيجية، يبدو أنه لم يستثمر هذا التأهيل بما يكفي في قراءة المآلات. لقد غلبت، في تقديري، صفاته الشخصية والنفسية على مقتضيات التفكير الاستراتيجي، فأصبح التكتيك وسيلة لإدارة اللحظة وتأمين الغاية الأبعد: الاستفراد بالحكم واللعب على التناقضات غض النظر عن التبعات.

والمفارقة أن مخاطر هذا الخيار لا تتوزع بالتساوي بين أصحاب مصلحة متعددين؛ فبينما تنحصر، في جانب منها، في موقع القائد ورغباته السياسية، تتوزع كلفته الحقيقية على شعب كامل ودولة تتآكل.

هنا يفترق التكتيك عن الاستراتيجية. فالتكتيك قد يشتري للقائد وقتاً، ويستجلب له حليفاً، ويمنحه انتصاراً مؤقتاً؛ أما الاستراتيجية فتسأله عما إذا كانت هذه المكاسب قابلة للتحويل إلى رصيد سياسي ودولة قابلة للحياة.

ختاماً، قد ينجح البرهان في تأجيل التفاوض، ويكسب معركة هنا وهناك، ويستبقي بعض التحالفات مع هذا وذاك؛ لكن التاريخ لا يرحم من يخلط بين القدرة على المناورة والقدرة على البقاء. فإذا استنزف المجتمع ومؤسسات الدولة في سبيل إطالة بقائه، فقد يكون قد انتصر في تكتيكاته كلها وخسر استراتيجيته، بل جعل سقوطه أكثر حتمية وأشد كلفة.

فكم من طاغية أغرته قوة عسكرية ماكرة، وشجعته تحالفات إقليمية عابرة، فتوهم أنها تغنيه عن بناء السند الداخلي؛ ثم اكتشف أن الدولة لا تُبنى بالبندقية وحدها، ولا تُحكم إلى الأبد بأدوات القوة والخداع.