الجمعة, أغسطس 14, 2026

بقلم أ/ آدم راشد

ملف الأسلحة الكيميائية بين الاتهام الأمريكي والتحقيق الوطني: أين الحقيقة ؟

لم يعد ملف الأسلحة الكيميائية في السودان مجرد تبادل اتهامات دبلوماسية بين واشنطن والخرطوم، بل تحول إلى قضية معقدة تشابكت فيها السياسة بالقانون الدولي والإجراءات الفنية. ففي أبريل 2025، أصدرت الولايات المتحدة بيناً رسمياً يفيد بأن حكومة السودان استخدمت أسلحة كيميائية خلال عام 2024، تتبعه حزمة عقوبات في مايو 2025 وأخرى إضافية في يوليو 2026. وفي المقابل، سارعت حكومة بورتسودان إلى تشكيل لجنة وطنية للتحقيق، تُوجت بتقديم تقرير أولي إلى منظمة حظر الأسلحة الكيميائية في يوليو 2026 ينفي وجود أي أدلة مادية تثبت تلك المزاعم. وبين إصرار واشنطن على ضرورة التحقق الدولي المستقل، واستعداد السودان المعلن للتعاون، يواجه هذا الملف منعطفاً حاسماً يكشف عن فجوات عميقة بين الروايات الرسمية والحقائق الفنية.

أولاً: كيف بدأت القضية الحالية؟

تقتضي الأمانة الصحفية والمهنية التمييز بدقة بين الادعاءات الحالية وتلك التي تعود لعام 2016، حين ظهرت تقارير عن استخدام محتمل لعوامل كيميائية في منطقة جبل مرة بدارفور وأجرت منظمة العفو الدولية تحقيقات بشأنها.

أما الملف الحالي فيتعلق حصرياً بادعاءات استخدام الاسلحة الكيميائية خلال عام 2024 في خضم الحرب المشتعلة منذ أبريل 2023. ففي 24 أبريل 2025، أصدرت وزارة الخارجية الأمريكية تحديداً رسمياً استناداً إلى المادة 306 (أ) من قانون الأسلحة الكيميائية والبيولوجية لعام 1991، ونُشر في السجل الفيدرالي في 27 يونيو 2025، مؤكدة أن التقييم استند إلى تحقيق وطني أمريكي صارم وليس إلى قرار صادر عن منظمة حظر الأسلحة الكيميائية.

ثانياً: ماذا فعلت حكومة بورتسودان؟

لم تقف الحكومة السودانية موقف المتفرج؛ ففي 29 مايو 2025، أصدر رئيس مجلس السيادة الانتقالي والقائد العام للجيش قراراً بتشكيل لجنة وطنية للتحقيق ضمت ممثلين عن وزارة الخارجية، ووزارة الدفاع، وجهاز المخابرات العامة، وأودعت بيانها رسمياً لدى الأمم المتحدة.

ولاحقاً، تطورت هذه الآلية بموجب القرار رقم 139/2025 لتأخذ طابعاً فنياً أوسع، حيث أُعيد تشكيلها لتضم خبراء من الجهاز الوطني لحظر الأسلحة الكيميائية، وكوادر طبية، ومختصين في الطب العدلي والأدلة الجنائية، وترأسها السفير ادريس إسماعيل الذي مثّل السودان أمام المجلس التنفيذي للمنظمة في أكتوبر 2025 .

ثالثاً: تقرير اللجنة الوطنية: بين النتائج الأولية والفجوات المنهجية

في 6 يوليو 2026، خطت بورتسودان خطوة مهمة بتقديم وثيقة رسمية إلى منظمة حظر الأسلحة الكيميائية خلال الدورة (112) للمجلس التنفيذي. وقد أفادت النتائج الأولية للجنة بما يلي :

ـ إجراء زيارات ميدانية للمواقع المرتبطة بالادعاءات وفحص بيئتها المحيطة.

ـ عقد مقابلات مع المسؤولين المحليين والكوادر الصحية والسكان.     ـ جمع عينات احترازية من المواقع المشتبه بها.  ـ عدم التوصل إلى أي دليل فني أو مادي يؤكد استخدام أسلحة كيميائية.

وفي المقابل، لم تخلُ أعمال اللجنة من عقبات واضحة اعترفت بها رسمياً، مثل التحديات الأمنية واللوجستية التي حالت دون الوصول إلى بعض المواقع، فضلاً عن التأخير في الحصول على السجلات المطلوبة.ج

رابعاً: الموقف الأمريكي: لماذا يُرفض التحقيق الوطني كبديل؟

رفضت الولايات المتحدة القبول بالتقرير السوداني كبديل عن التفتيش الدولي المستقل. وخلال اجتماع المجلس التنفيذي للمنظمة في 9 يوليو 2026، شددت واشنطن على أن حظر الأسلحة الكيميائية مطلق، وأن “الآليات البيروقراطية المحلية لا تغني عن الامتثال للمعاهدة.”

كما وجّه الجانب الأمريكي انتقادات لاذعة لمنهجية التقرير السوداني، مؤكداً غياب الشفافية في تحديد المواقع بدقة، وعدم نشر نتائج الفحوص المخبرية أو تفاصيل سلسلة حيازة العينات.

خامساً: انفراجة أم مناورة؟ موقف السودان الأخير في يوليو 2026

شهد 24 يوليو 2026 تحولاً دبلوماسياً لافتاً، حين أصدرت وزارة الخارجية السودانية بياناً أكدت فيه استعداد الحكومة للتعاون التام مع منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، مشددة على أن لجنتها الوطنية لم تكن قط بديلاً عن آليات الاتفاقية الدولية.

وأشار البيان إلى وجود قنوات تواصل ثنائية مع واشنطن استمرت لأكثر من عام، مع الكشف عن تقديم طلبات متكررة لإرسال خبراء أمريكيين لإجراء تحقق ميداني مباشر دون أن تلقى استجابة، معتبرة أن العقوبات الأمريكية تستند إلى دوافع سياسية وليست فنية أو قانونية.

سادساً: أين تقف منظمة حظر الأسلحة الكيميائية؟

حتى كتابة هذه السطور، لم تُصدر منظمة حظر الأسلحة الكيميائية حكماً فنياً نهائياً يثبت أو ينفي حدوث الاستخدام. ومع ذلك، تجد المنظمة نفسها في قلب العاصفة؛ إذ تطالب واشنطن بإرسال فريق تفتيش فوري وغير مقيد، بينما يطالب السودان باحترام سيادته وعدم تسييس الآليات الفنية للاتفاقية.

سابعاً: الفجوات الخفية: ما الذي تبقى بلا جواب؟

يظل الملف محفوفاً بالغموض نظراً لوجود فجوات بينة في الروايتين:

على الصعيد السوداني: غياب الأسماء الفردية لأعضاء اللجنة ومؤهلاتهم، وعدم نشر النص الكامل للقرار 139/2025، فضلاً عن غياب قائمة دقيقة بالمواقع التي تمت زيارتها والمختبرات المعتمدة لفحص العينات.

على الصعيد الأمريكي: سرية الأدلة الفنية التي استند إليها التحديد، وعدم توضيح أسباب تجاهل الدعوات السودانية للتحقيق المشترك.

الثامن: الخلاصة: نحو حقيقة علمية لا تخضع للتجاذب السياسي

يقف ملف الأسلحة الكيميائية في السودان عند مفترق طرق خطير؛ فبين إنكار سياسي واتهام متبادل وتحقيقات وطنية منقوصة الشفافية، تضيع الحقيقة وسط الضجيج والصخب الاعلامي.

إن المخرج الوحيد والأكثر عقلانية هو تحويل هذا الجدل إلى فرصة لاختبار الحقيقة عبر آليات واضحة: فتح الأبواب أمام فريق فني مستقل من منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، تبادل الأدلة والبيانات، وحفظ سلسلة الحيازة وفق المعايير الدولية الصارمة، فالعدالة الحقة لا تُبنَى على التكهنات السياسية، وحقيقة ما جرى تظل حقاً خالصاً للضحايا، وللتاريخ، وللقانون.

نلتقي في الجزء الثاني للبحث عن المسؤولية فيما لو ثبت استخدام الاسلحة الكيميائية حتى ذلك الحين الى اللقاء.