قرأة في كتاب العدالة الانتقالية ح(4)

بقلم: أ/ آدم راشد

في تاريخ الأمم، ثمة لحظات فارقة تتوقف فيها آلات القتل، لا لتعلن ميلاد الفردوس، بل لتضع الشعوب أمام مرآة كسرها العنف. وحين تضع الحرب أوزارها، يتوهم الساسة أن توقيع وثيقة في قاعة مغلقة كفيل بطي صفحة الدم. غير أن تجارب التاريخ المعاصر — من رماد أمريكا اللاتينية إلى مقابر رواندا الجماعية، ومن جراحات البلقان إلى ركام جنوب أفريقيا — تُخبرنا بيقينٍ دامغ: إن السلام الذي يُبنى على مقايضة العدالة بالنسيان، ليس سوى استراحة مقاتل بين حربين، وإن الإفلات من العقاب هو “الوقود الخفي” لانفجار النزاعات من جديد.

من هنا يتأتى السؤال الوجودي لكل بلدٍ مزقته الحروب، وفي طليعتها السودان اليوم: كيف يمكن دمج “بناء السلام” مع “العدالة الانتقالية” في سبيكة واحدة لا ينفصم عراها؟ وكيف نصنع من ألم الضحايا بوصلةً تقود نحو الاستقرار والديمقراطية؟

أولاً: تلازم السلام والعدالة الانتقالية (الفلسفة والضرورة)

طالما ساد اعتقاد قاصِر يفيد بأن العدالة الانتقالية والجهود السياسية لبناء السلام هما مساران متعارضان؛ فالسلام يتطلب تنازلات و”عفواً سياسياً” لإقناع أمراء الحرب بترك السلاح، بينما تتطلب العدالة محاسبة ومطاردة للمتورطين.

لكن الفكر الحقوقي الحديث أثبت بطلان هذه الثنائية. فالسلام والعدالة وجهان لعملة واحدة :

السلام بلا عدالة هو استبداد مؤجل؛ إذ يترك الضحايا في حالة غضب مكتوم، ويُبقي مؤسسات القمع سليمة لتعيد إنتاج ذاتها، ويعود تكرار الألم ودورات العنف.

العدالة بمعزل عن أفق السلام قد تتحول إلى تشفٍ لا يحقق الاستقرار، فالعدالة لاينبغي ان تكون انتقاما، كما السلام لاينبغي ان يكون غطاء للإفلات من العقاب.

لذلك، فإن دمج العدالة الانتقالية في قلب عملية بناء السلام يعني تحويل “المفاوضات النخبوية” إلى “عقد اجتماعي شامل” يشارك فيه الشعب بأسره، والفكرة هي ان العدالة والسلام ليسا ضدان، وإنما غايتان ينبغي ان تتكاملا ضمن رؤية وطنية واحدة.

ثانياً: الإيجابيات والسلبيات والفرص في الظروف الراهنة

لكي نصمم مساراً ناجحاً، لا بد من قراءة واعية للواقع وتحدياته :

الإيجابيات والمكاسب :

إنهاء ثقافة الإفلات من العقاب: إرساء سوابق قانونية توضح أن “الجرائم ضد الإنسانية لا تسقط بالتقادم”، و”العدالة قد تتأخر لكنها لا ينبغي ان تلغى”، ان تأخر العدالة قد يكون نتيجة ضعف المؤسسات أو غياب الإرادة السياسية أو استمرار النزاع أو صعوبة الوصول الى الادلة والشهود، لكن لا ينبغي ان يكون مبررا لإغلاق ملف الحقيقة الى الابد.

إعادة بناء الثقة: رأب الصدع بين المكونات الاجتماعية والمجتمعات التي مزقتها حروب الهوية، في عملية رتق للنسيج الاجتماعي.

الإصلاح المؤسسي: تطهير أجهزة الدولة (الأمنية والقضائية) ( ) وتحويلها من أدوات قمع إلى حواضن للمواطنة.

السلبيات ومخاطر الفشل :

مقايضة العدالة بالسلطة: وقوع الوساطات الدولية في فخ منح الحصانات لقادة الميليشيات مقابل وقف إطلاق النار المؤقت

تسييس العدالة: تحويل لجان التحقيق والمحاكم إلى أدوات لتصفية الخصوم السياسيين بدلاً من إنصاف الضحايا.

الإقصاء والتهميش: تغييب أصوات الضحايا الحقيقيين والنساء والشباب عن طاولات صنع القرار.

الفرص المتاحة في التحديات:

رغم قسوة الصراعات الراهنة، تكمن الفرصة في “الوعي العالمي والمحلي المتزايد” بعبثية الحروب. فالشعوب اليوم باتت تمتلك أدوات التوثيق الرقمي والذاكرة الحية التي تستعصي على الطمّس والانكار، كما أن التجارب الإقليمية والدولية باتت واضحة المعالم، مما يوفر “كتالوجاً” جاهزاً للدروس المستفادة.

ثالثاً: دروس من تجارب العالم (النجاحات والإخفاقات)

لقد أفرزت مسيرة الإنسانية نماذج متعددة يمكن الاسترشاد بها لتصميم هندسة العدالة والسلام:

جنوب أفريقيا (العدالة التصالحية): حين انهار نظام الفصل العنصري، أدرك نيلسون مانديلا أن الانتقام سيغرق البلاد في حمام دم. فكانت “لجنة الحقيقة والمصالحة” التي قايضت الاعتراف الكامل بالعفو الفردي، مما حفظ الأمة من الانهيار. الدرس: الاعتراف بالحقيقة ثمنٌ مقبول للمصالحة إن اقترن بجبر الضرر، ودعم بضمانة عدم التكرار.

: بعد انهيار الأنظمة الشيوعية في اوربا، أدركت دول مثل بولندا (التطهير المؤسسي – Lustration) أوربا الشرقية

وتشيكوسلوفاكيا أن الانتقال الديمقراطي مستحيل دون إبعاد عناصر الأجهزة الأمنية السابقة عن مفاصل الدولة الجديدة. الدرس: لا سلام مستدام دون جراحة مؤسسية تنظف أجهزة الدولة من عقيدة الاستبداد.

رواندا (محاكم الكشاشا المجتمعية): عجز القضاء الرسمي عن محاكمة مئات الآلاف من متورطي الإبادة، فابتكرت رواندا محاكم القرى التقليدية ليتواجه الضحايا والجلادون وجهاً لوجه. الدرس: العدالة القريبة من المجتمع هي الأقدر على ترميم النسيج الاجتماعي الممزق.

الأرجنتين (أمهات ميدان مايو): حين حاولت الديكتاتورية إخفاء آلاف المعارضين، حوّلت الأمهات صمتهن إلى مسيرات أسبوعية دعت لـ “الحق في الحقيقة”. الدرس: الضحايا هم صانعو الحقيقة وحراستها، ولا سلام بلا إنصافهم.

رابعاً: كيف نصمم ونُدمج العدالة الانتقالية في عملية بناء السلام؟

لتحويل هذه المفاهيم إلى واقع ملموس، يجب بناء هيكلية متكاملة ترتكز على الدعائم التالية:

الأركان الأربعة للعدالة الانتقالية :

ـ الحق في الحقيقة: إنشاء لجان وطنية مستقلة لتوثيق الانتهاكات دون تستر أو تزوير

ـ الحق في العدالة: محاسبة رؤوس الجرام عبر محاكم وطنية نزيهة أو هجينة تضمن عدم الإفلات من العقاب

ـ جبر الضرر: وضع برامج مادية ومعنوية ورد اعتبار شامل للضحايا والناجين.

ـ ضمانات عدم التكرار: تفكيك بنية العنف، وإصلاح الأجهزة الأمنية والعسكرية، وصياغة دستور دائم يكرس مبدأ المواطنة وسيادة القانون.

آلية الدمج مع السلام: ربط كل استحقاق سياسي أو أمني في اتفاقيات السلام بـ “مسار حقوقي ملزم”؛ فلا رفع لعقوبات، ولا دمج لقوات، ولا مناصب سلطوية دون إنجاز خطوات حقيقية في ملف العدالة والانتقال الديمقراطي.

إشراك الضحايا والمجتمع المدني: جعل أصوات الناجين والمرأة والشباب هي البوصلة الموجهة لعمليات الإصلاح، بعيداً عن الغرف المغلقة لتوازنات القوى العسكرية.

خامساً: نتائج الدراسة وما توصلت اليه من توصيات

بناءً على ما تقدم، نخلص إلى جملة من التوصيات الاستراتيجية الحاسمة :

رفض مقايضة السلام بالعدالة: الاعتقاد بأن السلام يمكن أن يزدهر فوق جثث الضحايا هو وهم سياسي مدمر؛ فالعدالة هي الشرط الحيوي لاستدامة أي اتفاق سلام.

إعطاء الأولوية للتوثيق المنهجي: حفظ الأرشيف والذاكرة الوطنية كخط دفاع أول ضد إنكار الجرائم ومحاولات تزوير التاريخ.

استقلالية القضاء والإصلاح الهيكلي: لا يمكن الشروع في عدالة انتقالية دون قضاء مستقل ومؤسسات أمنية تؤمن بالديمقراطية وسيادة القانون.

الاستفادة من التجارب الهجينة: المزج ببراعة بين آليات العدالة الدولية والمحلية والتقليدية بما يتناسب مع خصوصية وثقافة المجتمع.

خاتمة القول: عهد الأحرار لا يكتبه الطغاة

إن طريق العدالة الانتقالية وبناء السلام ليس طريقاً مفروشاً بالورود، بل هو مخاضٌ عسير وطويل، يحتاج إلى شجاعة سياسية وإرادة وطنية لا تلين. إن دماء الشهداء التي سالت في ساحات النزاعات المسلحة وفي قلاع وسجون الاستبداد او في مواكب النضال الجماهيري ليست مجرد أرقامٍ في دفاتر الاحصاء، بل هي بذورٌ لجمهورية قادمة تسع الجميع.

حين ننتصر للضحايا، وننصف المظلومين، ونؤسس لدولة لا يعلو فيها سيف السلطة على سيادة القانون، فإننا لا نغلق جراح الماضي فحسب، بل نحصن مستقبل الأجيال القادمة. إن السلام الحق ليس غياب الحرب، بل هو حضور العدالة؛ وتلك هي الأمانة الكبرى التي تستحق أن يبذل من أجلها الغالي والنفيس.

والى الملتقى في الحلقة القادمة.