الثلاثاء, أغسطس 4, 2026

سودانا _ تقارير

جلسة قضائية تتحول إلى مجزرة

تحولت جلسة صلح كانت تُعقد داخل محكمة أهلية في منطقة غرة زاوية بولاية شمال دارفور صباح الأحد إلى مشهد دموي بعد تعرض المبنى لهجوم بطائرة مسيّرة في حادثة خلفت عشرات القتلى والجرحى وأثارت موجة إدانات واسعة ومطالب بإجراء تحقيق دولي مستقل وسط اتهامات للجيش السوداني بالمسؤولية عن الهجوم.

وبحسب إفادات شهود عيان ومصادر محلية فإن الهجوم وقع قرابة الساعة الحادية عشرة صباحاً بينما كانت المحكمة تنظر في نزاع بين مواطنين من القرى المجاورة وهو ما ضاعف عدد الضحايا داخل قاعة المحكمة ومحيطها.

شهادات من موقع الهجوم

قال الناشط الإعلامي عبد المالك موسى وهو من سكان المنطقة، ل”راديو دبنقا” إن الهجوم أدى إلى مقتل نحو 37 شخصاً وإصابة آخرين بينما نُقل الجرحى إلى مراكز صحية في المناطق المجاورة من بينها مدينة كبكابية الواقعة على بعد نحو 27 كيلومتراً شرق المنطقة.

وأضاف أن عمليات التعرف على عدد من الضحايا واجهت صعوبات كبيرة بسبب احتراق الجثامين وتناثر أشلاء بعضها نتيجة قوة الانفجار.

ولدت من فراغ الدولة

لم تكن المحكمة الأهلية مجرد مبنى للنظر في الخصومات بل نشأت قبل ثلاثة أعوام بمبادرة من الإدارات الأهلية وقيادات المجتمع المحلي بعد توقف عمل المؤسسات القضائية الرسمية بفعل الحرب.

ومنذ تأسيسها  اضطلعت المحكمة بتسوية النزاعات القبلية والمدنية والحد من التفلتات الأمنية لتصبح إحدى أهم مؤسسات العدالة المجتمعية في المنطقة وهو ما جعل استهدافها يثير تساؤلات حول مستقبل آليات العدالة المحلية في دارفور.

مطالب بتحقيق دولي

أدانت حكومة السلام المنبثقة عن تحالف السودان التأسيسي الهجوم واعتبرته استهدافاً مباشراً لمؤسسة مدنية تقدم خدمات قضائية واجتماعية للسكان.

وقال وزير الإعلام والناطق الرسمي باسم الحكومة خالد دناع إن المحكمة الأهلية تعد مرفقاً مدنياً يتمتع بالحماية بموجب القانون الدولي الإنساني واصفاً الهجوم بأنه “انتهاك جسيم” لهذه القواعد ومتهماً الجيش السوداني بتنفيذه.

ودعا دناع الأمم المتحدة ومجلس الأمن والاتحاد الأفريقي والهيئة الحكومية للتنمية (إيقاد) إلى فتح تحقيق دولي مستقل وشفاف ومحاسبة المسؤولين واتخاذ تدابير عاجلة لحماية المدنيين.

صمت المجتمع الدولي

بدوره وصف المتحدث الرسمي باسم تحالف السودان التأسيسي أحمد تقد لسان الهجوم بأنه “عمل إرهابي” معتبراً أن استمرار غياب المساءلة الدولية يشجع على تكرار الانتهاكات ضد المدنيين.

وطالب التحالف بإجراء تحقيق دولي مستقل ومحاسبة المسؤولين عن الهجوم داعياً المجتمع الدولي إلى اتخاذ موقف أكثر حزماً تجاه الانتهاكات التي تطال المدنيين في مناطق النزاع.

انتهاك جسيم للقانون الدولي الإنساني

وأدانت مجموعة “محامو الطوارئ” استهداف المحكمة الأهلية في قرية غرة الزاوية بمحلية السريف مؤكدة أن الهجوم الذي نسبته إلى طائرة مسيّرة تابعة للجيش السوداني أسفر عن مقتل ما لا يقل عن 35 مدنياً وإصابة آخرين كانوا داخل المحكمة وفي محيطها.

وقالت المجموعة إن استهداف المدنيين والأعيان المدنية يشكل انتهاكاً خطيراً للقانون الدولي الإنساني مطالبة بتحقيق مستقل وشفاف يحدد المسؤولين عن الهجوم مع إلزام جميع أطراف النزاع باحترام قواعد التمييز والتناسب والاحتياط أثناء العمليات العسكرية.

مركز ديني يتجاوز حدود السودان

لا تقتصر أهمية غرة زاوية على كونها قرية ريفية في شمال دارفور بل تعد إحدى أبرز الحواضر الدينية للطريقة التجانية في السودان.

وتضم المنطقة واحدة من أكبر الخلاوى التجانية التي أسسها الشيخ الصوفي أحمد حنفي بعد عودته من الدراسة في غرب أفريقيا وتستقبل سنوياً آلاف المريدين والزوار من المغرب والسنغال ومالي وساحل العاج ودول أفريقية أخرى ما أكسبها مكانة روحية وثقافية تتجاوز الحدود السودانية.

استهداف العدالة المحلية

يأتي الهجوم في وقت دفعت فيه الحرب المجتمعات المحلية إلى إنشاء مؤسسات أهلية بديلة لتعويض انهيار مؤسسات الدولة وهو ما يجعل استهداف محكمة غرة زاوية يتجاوز كونه حادثة عسكرية ليطرح أسئلة أوسع بشأن مستقبل مؤسسات العدالة المجتمعية ومدى قدرة المدنيين على إيجاد مساحات آمنة لإدارة شؤونهم بعيداً عن الصراع.

ومع تصاعد المطالب بإجراء تحقيق دولي مستقل تبقى ملابسات الهجوم والمسؤولية القانونية عنه محور اهتمام متزايد في ظل استمرار النزاع واتساع المخاوف من تكرار استهداف المرافق المدنية في مناطق الحرب.